منتديات طلبة علوم الاعلام و الاتصال جامعة عبد الحميد بن باديس مستغانم

أنا أتنفس حرية فلا تقطع عني الهواء
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
سجل و احصل على خدمات مجانية فقط على منتديات طلبة علوم الإعلام و الإتصال جامعة عبد الحميد بن باديس مستغانم : تصاميم مجانية (إعلانات،شعارات، ملصقات،مطويات)  ، الإستمارة الإلكترونية .
 

الساعة الأن
الحملة العربية للمواطنة
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
عبد الحميد بن باديس
سحابة الكلمات الدلالية
الجزائر تخرج تعريف التلفزيون علوم الاعلام العام والاتصال كتاب العامة الحملات الصحافة الاشهار مذكرات نظريات الصحفي العلاقات الاعلامية الاعلان تاريخ قانون المؤسسة وسائل الاتصال نظرية الإعلام
بوابة أساتذة المنتدى


 

أستاذ باهر الحرابي*ج ليبيا الشقيقة* اتصل به...هنا

 

أستاذ الياس قسنطينى*ج قسنطينة* اتصل به...هنا


اقرأ | أوقف

اعلانات


 ***




***


Communiqué du Rectorat بيان من رئاسة الجامعة Décret présidentiel abrogeant le décret 10-315 المرسوم الرئاسي المتضمن الغاء المرسوم 10ـ315 


***


***

********************************************** ***



 



اقرأ | أوقف

المواضيع الأخيرة
» افديك بالروح يا فلسطين
السبت يوليو 12, 2014 6:16 am من طرف journaliste

» افديك بالروح يا فلسطين
السبت يوليو 12, 2014 6:13 am من طرف journaliste

» نتائج ماستر جامعة المسيلة *قسم علوم الاعلام و الاتصال*2015/2014
الجمعة يوليو 11, 2014 1:46 am من طرف journaliste

» غزة
الثلاثاء يوليو 08, 2014 11:59 am من طرف journaliste

» غزة العزة
الثلاثاء يوليو 08, 2014 11:57 am من طرف journaliste

» رمضان كريم
الأربعاء يونيو 25, 2014 3:54 am من طرف journaliste

» انفرتر 1000 وات صامت وشاحن بطارية لحل مشكلة انقطاع الكهرباء 01200094369
الإثنين يونيو 23, 2014 9:23 pm من طرف مودى صلاح

» مساعدة
الثلاثاء يونيو 10, 2014 8:56 am من طرف journaliste

» ماستر 2014 /جامعة المسيلة
السبت يونيو 07, 2014 8:09 am من طرف journaliste

le site de la Faculté des Sciences Sociale

عدد الزوار

.: عدد زوار المنتدى :.

اتصل بنا

خدمات مجانية

شاطر | 
 

  دراسة حول دور الاعلام فى الحروب الحديثة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير
الادارة
الادارة


عدد المساهمات: 1779
تاريخ التسجيل: 08/06/2009
العمر: 26

مُساهمةموضوع: دراسة حول دور الاعلام فى الحروب الحديثة   الإثنين نوفمبر 29, 2010 12:07 pm

مقدمة
عندما طلب منا اختيار موضوع للبحث اخترت ان اكتب فى العلاقة بين الاعلام والحرب خاصة بعد ان راقبت كيف أدارت الولايات المتحدة الامريكية الحملة الدعائية تمهيدا للحرب على كل من يوغوسلافيا وافغانستان واخيرا العراق ثم هى ما برحت مستمرة فى الدعاية ضد معظم الدول الاسلامية ، وقبل امريكا اسرائيل وما تقوم به من حملة اعلامية ودعائية ضد الفلسطينيين والعرب وكيف اقنعت العالم بعدالة عدوانها على الفلسطينيين وان جهاد الفلسطينيين ضد الاحتلال هو ارهاب ، وليس ذلك فحسب بل استطاعت اسرائيل ان تقنع العالم كله انه عندما تقتل وتهدم وتغتصب اطفال وبيوت ونساء الفلسطينيين فانها بذلك تخدم العالم المتقدم وتحافظ على حضارته المزعومة ومستقبله المهدد .
وبلغ نجاح الدعاية الصهيونية والمسيحية الاصولية الى الحد الذى جعل العرب يلهثون للدفاع عن انفسهم ضد تهمة الارهاب وعدم التحضر فراحوا لا يذكرون انهم يكافحون ضد المحتل بل ويتبرؤن من ( تهمة ) الجهاد فى سبيل الله والوطن وقيم العدالة الحقيقية التى يعلمون انها الحق والحقيقة .... فراحوا يعزفون بنفس انغام الدعاية الصهيونية والامريكية ... واختلط الحابل بالنابل وانتشر الضلال زهق الحق...الى حين.
و حين بدأت البحث فى العلاقة بين الاعلام أو ( الدعاية ) والحرب وجدت انه موضوع صعب وعميق ولا يمكن تناوله ببساطة لأنه يحتاج الربط بين علوم التاريخ و الاجتماع وفنون الحرب.. فكان على حسب الوقت والمراجع المتاحة أن اضع بين ايديكم بعض ما حصلت عليه ، ورغم انه قد يبدو كثيرا عن ما جاء بالتكليف الا ان ما لم يمكننى تناوله من موضوعات كثير ايضا ، خاصة حروب المسلمون الاوائل وغزواتهم لنشر الاسلام والحرية والحضارة فى مناطق كبيرة من العالم كانت قبل الاسلام تغرق فى الظلام والجهل والتخلف بما فى ذلك ما يسمى اليوم بالعالم المتحضر , وكذلك معارك العرب قديما وحديثا ضـد الصهيونية والصليبيية الجـديدة . وكذا الحروب في قارتي افريقيا و أسيا .
لكن السئوال الذي يطرح نفسه دائماً ..
..لماذا نجحت اسرائيل كثيراً و نجحنا نحن قليلا فى هذا المضمار ؟
و لماذا نبذل الجهد الكبير ...و نحصد من الثمار القليل ؟
ارجو ان يكون في هذا البحث بعض .. ملامح الايضاح و التفسير ..
والله ولى التوفيق
عقيد بحري مهندس
سـليمان الشحـات
التاريخ مايو 2004






















الباب الاول


الدعاية للحرب فى العالم القديم وفى العصور الوسطى




































القــسم الاول




الدعايه للحرب فى العالم القديم





















1- فى البداية

لا تزال معرفتنا بفجر البشريه قليله للغايه حتى ليستحيل ان نحدد بشكل ضيق متى بدا الانسان العصر الحجرى القديم فى استخدام ادواته لاغراض الحرب ولاشك فى ان ايام الانسان الباكره كانت اياما عنيفه وان البيئه كانت اكبر اعدائها ولقد اصبح نضاله للسيطره على تلك الطبيعه اكثر سهوله بعد العام 8000ق م حينما بدات صحارى العصر الجليدى الثلجيه فى التراجع ولايزال الجدل ساخنا بين علماء الاناسه Anthropologists حول ما اذا كان الانسان فى بدياته مسالما او ميالا للحرب غير انه من المحتمل ان يكون كفاحه للسيطره على محيطه اضافه الى تطور مهاراتة فى الصيد و الزراعه قد اتاحا له ان يحصل شيئ يردها اخرون لانفسهم اى ان يحصل على شيئ ينشب من اجله قتال غير انه من المحتمل الا نعرف ابدا السبب الذى دفعه الى ان ينظم نفسه لخوض الحرب ومع هذا فان البشر الاوائل حتى قبل ان يتعلموا الكلام بلغة يمكن التعرف عليها كانوا يقدرون الحاجه الى التواصل سواء بالاغراض سلميه او حربيه والبحوث الاثريه والاناسيه تلمح الى ان جميع انواع التواصل كانت مرئيه قبل الكلام ( اللغه المنظمه ) فقد تواصل البشر البدائيون بوسائل غير لفظيه عن طريق التلويحات والاشارات على رغم ان الاصوات كالصرخات ودقات الطبول على سبيل المثال كانت مهمه ايضا وقد تمكن الانسان القبلى من ابتكار اقنعه وصيحات الحرب واشارات التهديد سواء لكى يخيف اعدائه ولكى يؤثر فى اصدقائه .
ان مرجريت ميد (Margaret Mead) عالمة الاناسه المشهوره فى سنوات ما بين الحربين و التى تلقى دراستها ( المنشوره فى كتابيها ) ( سن البلوغ فى صاموا والوصول الى سن النضج فى غينيا الجديده)تلقى الضوء عل سلوك بعض الشعوب البدائيه تشير الى الرموز المرئيه كانت تستخدم لاغرض محددة للغايه فعلى سبيل المثال قد ترسل قريه رساله الى قريه اخرى علىشكل كميه من اوراق الشجر والاسلحه مرتبه بطريقه معينه تدل على وجود خطر من قريه ثالثه وتقترح تكوين تحالف لمواجهة الخطر وايضا ( فان حذف بعض المجاملات – فى ازمنه سابقه فى صاموا –اشاره ممكنه لانفجار اعمال حربيه بين القريتين).
ولاحظت ميد ايضا انهم كانوا يستخدمون عصا بان يصنعوا عليها (حزوزا) متتاليه لكى تشير الى عدد بعينه من الايام او الحيوانات او الرجال وان هذه العصا (قد تحفظ لكى تستخدم فيما بعد لتاكيد دعوى سياسة ما او الدعوى المقابله) غير ان المؤروخون لا يملكون بشكل جوهرى سوى القليل من الادله على عادات الانسان الباكر الحربيه . اننا نعرف انه صنع بيديه اسلحه فى شكل حراب اوهراوات غير اننا مانزال غير واثقين مما اذا كان يستخدم تلك الاسلحه – اساسا – لقتل بنى جنسه ام لا وتشير رسوم الكهوف التى خلفها انسان كرومانيون الى الاحتفال بطقوس وعادات بدائيه غير ان هذه الرسوم تصور عادة ملامح البيئه الماديه كالحيوانات اومشاهد الصيد وربما كان هدفها زخرفيا خالصا. اما اذا كانت من ناحيه اخرى رسوما احتفاليه ورسمت لكى تؤثر فى اشخاص اخرين سواء كانوا من القريه نفسها او قريه اخرى فانها يمكن ان ينظر اليها باعتبارها شكلا من اشكال الدعايه ولن نرى قبل رسوم كهوف العصر الحجرى الحديث التى ترجع الى نحو 7 الاف قبل الميلاد رجالا يستخدمون اسلحة بعضهم ضد بعض مما يجعل تلك الرسوم ربما اقدم اشكال الدعايه للحرب فالصوره كما يقول مثل قديم تفصح اكثر من الف كلمه.
ولا يبدا المؤرخون السير على ارض اكثر صلابه الا مع وصول ( الحضاره ) ويبدو ان تطوير منظومات اجتماعيه منظمه ومؤسسـات وبنى طبقيه وهندسيه معمـــاريه وتجاره ودين قد وقع
او ماوقع فى الشرق الاوسط فى دلتا الفرا ت حوالى 5 الاف ق م كانت قد ظهر ت اسلحه ثوريه كالمقلاع و القوس والسهم وتؤكد الآنيه الفخاريه و الاختمام قيام الملكيه الفرديه اضافه الى مواقع المعابد الاولى فى (دول المدن ) البابليه الصغيره مثل (اور)و(اوروك) وهو مايمدنا بالدليل على هذا التطور وتوحى الجدران حول المدن بوجود خطر تمثله قبائل اخرى ربما كانت اقل تنظيما وقد وصل الجدار حول مدينة (اوروك) الى مايقرب من ستة اميال مع اكثر من 900 برج ويفترض من انشاء ملك اوروك الاسطورى جلجامش ( الذى يصبح فيما بعد موضوعا لملحمة ذات مرونه فائقه وقدره على التكيف القت الضوء على النظره الكونيه لثقافات مابين النهرين ومن المؤكد ان وجود مثل هذه يوحى بان العمليات الحربيه المنظمه – مهما بدا لنا الان من بدائيتها كانت قد تطورت الى درجه لا باس بها مع بداية العصر الحجرى الحديث و لانستطيع ان نبدا الحديث الصائب عن العمليات الحربيه و عن الدعايه للحرب الا مع تنظيم العنف.
ان اقدم ما بقى من ادله مكتوبه على الاتصال الاجتماعى – تاتى بالتاكيد من منطقة ما بين النهرين القديمه فى الالف الثالثه و الالف الثانيه ق م فقد عثر على الواح من الطين عليها شكل بدائى من الكتابه الصوريه يعرف بالكتابه المسماريه وذلك فى مدينة سومر القديمه فى الارض الممتده بين نهرى دجله والفرات وترجع الى ثلاثة الاف سنة ق م وتشير الادله الاثريه على بقايا المبانى العامه و القصور و المعابد الى وجود مجتمع جيد التنظيم اسس على بنيه تصاعديه يقوم حاكم على راسها وكان من الضرورى لهذا الحاكم وجود شكل من اشكال الاتصال لكى يحافظ على مركزه ولكى يصدر المراسيم و القوانين ولكى يقاتل المعارضه الى غير ذلكم غير ان محتويات الالواح المسماريه السومريه هى اساسا قوائم الحيوانات على سبيل المثال ممثله تمثيلا صوريا غير انه تظهر على الالواح ايضا رموز تشير الى مهن الساعى حامل الرسائل والمنادى المبلغ مماقد يوحى بان رأيا عاما من نوع اولى كان عاملا مهما فى الحياة السياسيه الباكره .
اما نشوب الحروب بين الدول – المدن فى بلاد مابين النهرين فكان يشهر على الحجر وغيره من النصب فقد كانت تقام عل بوابات المدن اوعلى الحدود اعمده مرتفعه ، ذوات رؤوس مثلثة على الشكل عرفت باسم : النصب المنقوشة ( STELA ) تصور الملك مع الهه ، او مع عدوه المهزوم وغالبا ما تصحب الصورة نقوش مطولة . ومن الامثلة الباكرة ، النصب الضخم الذى اقامه ايناتوم ملك مدينة لجش ( 2500 ق.م ) وهو بلاطة مستطيلة مستديرة القمة من الحجر تصور ( نين جورسو ) اله لجش وهو ياسر اعداءه اولا فى شبكة ثم فى عربة حربية وعلى الوجه الاخر تصور الملك ايناتوم وهو يتقدم على راس كتيبة جيدة التسليح من المشاه يسحق اعداءه تحت قدمية بينما تمزق الاسود والنسور اجساد الموتى : وبينما يفر امامه من تبقى من الاعداء يسلم حكم الاعدام الى ملك مدينة ( اوما ) المهزوم ان مثل هذه التذكارات بطبيعتها الاحتفالية تشير الى ادراك للدعاية بعد وقوع الحدث اما الشعارات والدروع المزخرفة وما يشبهها فتظهر استخدام الدعاية فى اثناء المعركة وقد قام كل من سارجون الاول (2276 و2221ق.م ) الذى وحد قبائله السامية من (اكاد) مع الدول – المدن السومرية ، جاعلا منهم امبراطورية واحدة وحفيدة نارامسين ( 2160 –2196 ق.م ) والذى اطلق عليه لقب ( ملك اقطار العالم الاربعة ) قام كل منهما بوضع اسم نجم قبل اسمه لكى يرمز الى شخصيته الالهية ، وفى خلال حملات سارجون العديدة ، لم يكن بوسع جيشه الضخم المكون من اكثر من خمسين الف رجل ان يعيش الا على حساب الارض التى يزحف عليها ونهبها ولقد تحددت معنويات قواته – اساسا – وفق مقدرتهم على القيام بذلك ويظهر النصب الذى اقامه نارامسين زيادة ملحوظة فى استخدام الرموز المرئية وهو النصب الذى نحت من الحجر على شكل مثلث ، ويصور الغزاة المنتصرين فى حالة هجوم وسقوط الاعداء المتهاونين وكانت مثل هذه النصب تقام غالبا عند نقاط دخول الغزاة لردع الهجمات فى المستقبل ولكن مثل هذه الهجمات ما كانت الا لتفشل اذا شنت بعد مدة وجيزة لان الغزاة السابقين كانوا يتركون الارض مخربة جرداء ولكن حالما اسرتدت الارض عافيتها فان النصب كان يقوم بتذكير الغزاة بقوة الجيش المدافع ووحشيته
وفى منتصف القرن الرابع عشر قبل الميلاد حينما كان الاشوريون يتحدون البابليين على السيادة فقد جلبوا معهم الترانيم والقصائد البطولية الحربية ، وتمدنا الامبراطورية الاشورية بمصدر اكثر ثراء بكثير – للدعاية للحرب – مما امدتنا به الامبراطورية البابلية . ومن اقدم القصائد الملحمية
– على رغم انه لم تبق منها سوى شذرات متفرقة – قصيدة كانت من تاليف الملك اداد نيرارى الاول (1307–1275 ق.م ) فى تمجيد حروبه مع الكاسيين ، ثم ترجع الى نحو نصف قرن بعد ذلك الملحمة الاشورية ذات الـ 700 سطر من الشعر التى الفت للملك توكولتى – نيتورتا الاول ( 1250 – 1210 ق.م ) والتى تمجد منجزات الملك الحربية وشهامته ازاء الكاسيين وقد يبدو ان الاحداث التى تصورها القصيدة مختلفة الى حد كبير وانها وضعت للاستهلاك العام عن طريق انشادها الشفاهى امام حشود ضخمة من الاميين ، ولقد كان هذا النوع من سرد الحكايات ( ولا يزال ) وسيلة رئيسية للاتصال فى افريقيا
وكانت مثل تلك الحكايات تترجم الى شكل مرئى على جدران القصور ، مثلما هى الحال فى جداريات الملك توكوتلى – نينورتا التى صورت الملك وسط جنوده فى حملات وقعت بالفعل – ان القصائد الملحمية الملكية والحكايات التى كانت تؤلف بعد وقوع الاحداث وغالبا بعدها بوقت طويل يمكن ان تعتبر مثالا على الدعاية الاحتفالية للحرب ، حيث انها وضعت للثناء على منجزات حاكم بعينه وتمجيدها ، او لإحياء ذكراها
ولكن ماذا عن ( الدعاية ) السابقة على المعارك ؟ ان الحكايات المحذرة من اخطار مسار محتمل للقتال كان يقف وراء تاليفها كهنة سومر القدماء الذين كانوا قد بدأوا منافسة الملوك على ولاء الجمهور وكانت النذور والتنبؤات والكهانات – ايضا – اشكالا من الاقناع الاجتماعى وكان الدين مبدئيا – هو المصدر الذى استمدت منه الدعاية المتعلقة بالنتائج المتوقعة للحروب الوشيكة ، وكان استحضار الالهة وسيلة مثلى – بالطبع – للمحافظة على سلطة ومكانة الكهان فى مجتمع تحكمه الخرافات ، ولكنه ايضا وسيلة مناسبة لرفع المعنويات قبل القتال اذا ما كان الكهنة والملوك على راى واحد .
ولكن الملوك كانوا هم من يشعلون الحرب – ويخوضونها – وكانت مشاركتهم للالهة هى التى تضفى الشرعية على اعمالهم ، وكانوا يشنون الحرب باسم الدين وليس من اجل الغنائم او الارض – فى الظاهر على الاقل . فقد اعلن الاشوريون على سبيل المثال وعلى الدوام انهم كانوا يشنون الحرب ضد اعداء الاله اشور لكى يظهروا عظمة معبودهم ومجده ولقد فعلوا ذلك بوحشية حتى ان الكثيرين من الاعداء المحتملين استسلموا دون قتال . ومن الحق ان الحرب كانت تعتبر السبب الوحيد لوجود الملك ، ولم يتوقف الاشوريون عن شنها
ولذلك حينما حلت الالف الاولى قبل الميلاد كان حكام الامبراطورية الاشورية يتقنون استخدام الوثائق والنصب لكى يوحدوا السلوك المطلوب بين رعاياهم ولكى يظهروا المساندة الالهية لهم ولكى يدعموا مركزهم الملكى . ولقد عكست التحصينات والقصور جنبا الى جنب زخارفها من التماثيل واللوحات الجدارية ، قوة الملك ومكانته وكشفت عن انشغاله المستمر بالحرب . وعلى الرغم من ان الدين قد وفر للدعاية للحرب او موضوع حقيقى لها – وهى علاقة ظلت وسيلة قوية لتبرير العدوان على طول التاريخ
- فان الاشوريون كانوا محبين للحرب اكثر منهم متدينيين ، فمثلا نرى على نصب الملك ايناتوم الاله ممسكا الشبكة التى تاثر اعداء الملك ، بينما نرى على نصب سارجون الملك نفسه ممسكا بهذا الرمز المتكرر . وقد اصبحت القصور – اكثر من المعابد – هى المصدر الاكبر لمثل هذه الدعاية الاحتفالية ، وفى الاحتفالات التى كانت تقام فيها ، تحولت الى طقوس تلك العلاقة بين الحاكم والمحكومين ، وبين احد الملوك ونظيره واشارت النقوش الاشورية الملكية الى الانشطة الحربية خلال حملات بعينها فى تقارير تكتب على شكل سجلات سنوية ، وتصف تلك السجلات – المرة بعد المرة – زحف الملك وجيشه الى الحرب ثم المعركة والنصر المحتم والظفر وانزال العقاب بالمهزومين ثم التقرير الختامى الذى يقدمه الملك لإلهه . وبصرف النظر عن الحقيقة فان الحرب كانت تصور باعتبارها اجراء دفاعيا او عقابيا وعملا مجيدا فى ملكية كان انتصارها يحقق باسم معبود يتخذ بشكل متزايد طابعا شكليا او رمزيا
وقد وضعت ايضا سجلات مصورة داخل القصور لحملات الملوك الاشوريون سجلت على قوالب الطوب المغطاة بالسيراميك مرفوعة على الاعمدة الحجرية وكان الغرض هو استعراض قوة السطوة الاشورية التى لا تقاوم باظهارها فى اثناء عملها فى القتال . فالعربات الحربية المهاجمة والجيوش الزاحفة والمدن المحاصرة والاعداء المتقهقرون موضوعات متكررة فى الفن والمعمار الاشوريين بينما يظهر الاله اشور على الدوام مساندا للملك . والمثل الجيد لتلك السجلات المصورة هى ( المسلة السوداء ) التى اقامها شالمانصر الثالث (824–859 ق.م ) التى تشيد بذكرى اكتشاف الملك لمنبع نهر دجلة بعد حملة حربية ، وتحمل المسلة نقشا يقول ( صنعت صورة عاتية لجلالتى ، ومجد اشور الهى وجلائل اعمالى وكل ما حققته فى الارض ، نقشته على هذا الحجر هنا فى هذا المكان ) لقد اظهرت قوة الملك وسطوته فى الحرب وصورت بتفصيل عظيم ثم نصب فى ذلك المكان لكى يراها كل الناس وكذلك كان الانتقام الملكى . فمن منتصف القرن السادس قبل الميلاد ، يصف نقش على جدران قصر الملك اشورناصيربال الثانى فى نينوى كيف عاقب الملك الاشورى مدينة سورو المتمردة ثم ابتكر طريقة للتحذير من اى ثورات اخرى :
( لقد بنيت عمودا تجاه بوابة المدينة ، وسلخت جلود كل رؤساء المتمردين وغطيت العمود بجلودهم ، وعلقت بعض الجلود فى العمود والبعض القيتها فوقه وعلى العصى والبعض علقت على الاسياخ من حوله ، وسلخت الكثيرين داخل حدود ارضى ، ونشرت جلودهم على الجدران ، وقطعت اطراف الضباط والضباط الملكيين الذين تمردوا ضدى ، اما اهيا بابا ( قائد المتمردين ) فقد اخذته الى نينوى ، وسلخته هناك وعلقت جلده على جدران نينوى ( .
ويعكس الفن الاشورى هذه الوحشية وحملها الفخار الاشورى الى البلاد البعيدة . كانت تلك سياسة لنشر الرعب ممتزجة بسياسة للدعاية ، استهدفت الابقاء على الشعوب المهزومة الخاضعة ساكنة مستسلمة ، وتخويف الاعداء المحتملين بتلك الصور المنحوتة الدعائية والوحشية النفسية
اما التحول التدريجى من الحرب التى شنها اصحابها باسم الاله الى الحرب التى تشن باسم الملك ( مع النزول بالاله الى مستوى المؤثر الرمزى الدافع ) فربما يرجع جزئيا الى تاثير الملوك المصريين الذين طوروا اشكال الدعاية الخاصة بهمم وخاصة الابنية والنصب العامة مثل الاهرام وابو الهول ، ولقد كان الفراعنة من اوائل من اعترفوا بقوة تاثير الابنية المعمارية العامة على نطاق واسع لاثبات سمو مكانة الاسرة الحاكمة ومشروعيتها ومع ذلك فلقد كانت دعايتهم الحربية . مثل تلك التى صدرت عن الاشوريون متذبذبة ومبعثرة ، اذ لم يكن لها نمط متماسك ولا نظام ، واستخدم المكان الدينى لتعميق الولاء ونشر الخوف بين المحكومين
ولما كان الملوك الاقدمون يؤمنون هم انفسهم بالخرافات فقد حرصوا على ان يساندوا دعايتهم بالرعب . سواء كان ذلك فى زمن السلام او فى زمن الحرب . وبتعبير اخر ، اذا كان الدين قد انتج اصول الدعاية للحرب فان الرعب يمكن ان يعتبر منتج اصول الحرب النفسية . ولكن هذه مصطلحات حديثة ولا تصف بشكل دقيق الانشطة الرامية الى الاقناع التى قام بها الحكام القدامى ، فهى مصطلحات تفترض وجود تنظيم وفلسفة لم يكونا قد وجدا بالفعل . وليس قبل ازدهار الحضارة الاغريقية سيمكننا ان نبدأ فى رؤية مقدم كل من هذين العاملين .








__________________كل الحقوق ممنوحة__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.communication.akbarmontada.com
المدير
الادارة
الادارة


عدد المساهمات: 1779
تاريخ التسجيل: 08/06/2009
العمر: 26

مُساهمةموضوع: رد: دراسة حول دور الاعلام فى الحروب الحديثة   الإثنين نوفمبر 29, 2010 12:08 pm




2- ما كان لروما من المجد

كانت روما تفتقر الى المصادر الاسطورية التى اتيحت لرجال الدعاية الاغريق ، فقامت لذلك باختلاق اساطير خاصة بها حتى تتيح لمواطنيها الامثلة التى يحاكونها . ومن المؤكد ان الرومان كانوا مبدعين لا نظير لهم للدعاية الاسطورية ، وكثيرا ما تدلنا كتاباتهم على التوجهات الرومانية المعاصرة – لكتابها – باكثر مما تدلنا على المصادر التاريخية الفعلية . وتقول احدى الحكايات ان روما انشئت على ايدى الناجين من طروادة ، وقد زعمت افضل الاسرات الارستقراطية قدرتها على العودة باشجار نسبها حتى وصول اولئك الاباء المؤسسين وتروى القصة الاخرى . الاكثر شهرة – ان مؤسسى روما كانا الشقيقين رومولوس وريموس ، الذين انجبتهما عذراء قتلت غيلة فاصبحا يتيمين ورعتهما وارضعتهما ذئبة . وهذه قصة دعمت كبرياء الرومان باصولهم المتواضعة ، وكان هذا نافعا بشكل خاص فى ذروة القوة الرومانية لتاكيد مدى الارتفاع الذى حققوه غير ان قصة صعودهم كانت قصة عنيفة ، فلقد شيد ( ما كان لروما من المجد ) وبقى بواسطة العنف
كانت الحروب جزءا اصيلا من الحياة الرومانية الباكرة ، وكانت هى مفتاح التوسع الرومانى ، اولا – فيما وراء حدود المدينة الى شبه الجزيرة الايطالية ، ثم الى ما وراءها فى اوروبا الاكثر اتساعا ، لكى تمتد فى اوقات متفاوتة فى اسبانيا وبريطانيا وفرنسا فى الغرب الى مصر والخليج وبحر قزوين فى الشرق ، وكان اداء الخدمة العسكرية( فيما كان يمكن ان يصل الى عشر حملات عسكرية سنويا ) من المؤهلات الاساسية للحصول على منصب سياسى على مدى تاريخ الجمهورية الرومانية
( بين 510 و 57 ق.م ) وفيما يخص ارستقراطيا شابا يملؤه الطموح السياسى كان الاختيار لمنصب الـ ( تربيون Tribune ) العسكرى ( وكان هناك ستة منهم فى كل فرقة ) خطوة اساسية لحياته العملية بعد ذلك فى مجلس الشيوخ ، ومن اجل تعيينه فى منصب القنصل ( وكان هناك قنصلان يعينان كل سنة ) وهو منصب كان يتطلب مهارات عسكرية وسياسية عدة ، ولم يكن ثمة مكان لتلك التجربة التربوية التى تشكل مثل هؤلاء الرجال ، سوى الجيش وبتعبير اخر ، كانت الحرب هى دماء الحياة القادرة على توفير الوجاهة السياسية والعسكرية لاى ارستقراطى رومانى وفى مثل هذا المناخ المفعم بالمطموح ، لم يكن ثمة نقص فى دوافع الذهاب الى الحرب ، كان الامر على حد تعبير ( ساللوست Sallust ): ( بانسبة لرجال من هذا النوع ، لم تكن ثمة مشقة تعتبر غير عادية ولا ارض تبدو لهم وعرة او شديدة الانحدار ولا عدو شاكى السلاح يبدو مخيفا . فقد كانت الشجاعة قد فرضت سيطرتها الكاملة ، غير ان المنافسة الشديدة كانت دائرة فيما بينهم فى سبيل المجد : فاسرع كل واحد منهم الى ضرب عدو من الاعداء وهزيمته او الى ان يتسلق متراسة محصنا حتى تبصره العيون وهو يقوم بمثل هذا العمل )
ولكن كيف كان الجنود العاديون والمدنيون يدفعون الى تاييد مثل تلك الاعمال الحربية ؟
يبدو لنا جليا انه لم يحدث فى اى وقت ان عارض الشعب قرار مجلس الشيوخ بشن الحرب ، فهل كان الشعب مشبعا بالعقلية الحربية ذاتها مثل الارستقراطية ؟ لقد لعب الدين دوره ، مثلما اقر بذلك الكاتب الاغريقى ( Polybius ) حينما كتب يقــول ان الرومــان كانوا من الحكمــة بحــيث ( اتخذوا سبيل اثارة الشعور الدينى لمصلحة عوام الناس ) او مثلما قال شيشرون نحو العام 45 ق.م .
( وهكـذا فانـنا يجــب ان نقــنع مواطنيـنا بان الالهة هم سادة وحكام كل شئ .. لانه من المؤكد ان العقول المشبعة بمثل تلك الافكــار لن تعــجز عن ان تشــكل اراء صــادقة ونافعــة ) ولا شـك ان ثيوسيديديز وافلاطـــون كــان ســيؤيدان بترحيــب تلك الكلــمات . ولقــد كــان الـه رومــا الرئيــسى هو مارس (Mars ) الـه الحــرب ( بالطبع ) وقد استخدم الدين وبشكل يفوق كثيرا ما حدث فى اليونان ، استخداما نفعيا بوصفه اداة للسيطرة الاجتماعية . ولنعد مرة اخرى الى كلمات من بوليبيوس
( يتمتع الرومان بفاعلية بالغة فى لحظات الازمة فى استرضاء كل من الالهة والبشر )
ويخيرنا بوليبيوس انه قبيل المعركة زاما فى العام (202 ق.م ) قال القائد الرومانى سيبيو الافريقى ( Seipio Africanus ) لقواته انه اذا ما هزم هانيبال ( فانهم سوف يحققون لانفسهم ولبلادهم هيمنة وسلطة لا ينافسهم فيها احد على بقية العالم ) لقد اثير هنا الاحساس بكل من المجد والشرف بوصفهما مثالين واقعين ليس فى سبيل مدينة روما فقط . وانما فى سبيل الجمهورية ككل التى كان مجلس الشيوخ يحكم باسمها ( جيوش وشعب الرومان ) كان سيبيو- قاهر هانيبال فى النهاية ، وهو عبقرى عسكرى وحربى فى حد ذاته – مدركا تماما لقيمة الاسطورة والدعاية فى دفع الرجال الى القتال . كتب (Livy ) يقول : ( لقد اجتهد للتاثير فى عقول الرجال منذ البداية ) فتعمد ان يروج لصورته باعتباره انسانا اسمى ( او : سوبر مان ) متدينا ملهما . وثمة قصة تشبه ما روى عن الاسكندر ، تقول ان امه حملت به بعد ان واقعها ثعبان ( ولم يحدث ابدا ان رواها بنفسه .. ولكنه ساعد على ترويجها – بالاحجام الماهر – عن كل من نفيها او تاكيدها بوضوح ) ولقد اعانت مثل هذه الحيل على تدعيم اسطورته بين قواته ومؤيديه وزيادة الثقة – من ثم – فى رجل ربما كان شبابه قد ادى – على العكس – الى اثارة الشكوك فى قدراته بوصفه قائدا عسكريا
وقد اشار مؤرخون كثيرون الى محاولات روما المتكررة لتجنب ضم اراض تقع فيما وراء البحر ، والى ان الحرب كانت تشن – على الاقل فى تصور الرومان – لاسباب دفاعية ، فاذا كان الامر كذلك ، فلا بد ان يكون احد الاهداف المهمة للدعاية لتوسع روما الامبراطورى هو بالتحديد القول بان الحق كان دائما الى جانب روما ، وفى المناسبات النادرة التى اختلف فيها مجلس الشيوخ مع الشعب او لم يتفقا تماما على اعلان الحرب ، كان المعتاد ان يتولى الشعب حث الشيوخ – بعدوانية شديدة – على خوض القتال ونحن نعرف انه طوال التاريخ كله ، تكون الحرب شعبية ومحبوبة حين يكون الطرف الذى ننتمى اليه هو الطرف المنتصر ، وحينما يعتقد السكان المدنيون – بصدق – ان الحق الى جانبهم . وكان الرومان ينتصرون – فى العادة ، وقد برر النصر ان تكون القضية الرومانية هى الحق ، كما ولد النصر شعورا هائلا بالكبرياء القومية . واضافة الى الوطنية كان ثمة شعور بالعدل الفطرى والزهو بالانجاز التاريخى ، فماذا غير هذا – جعل الرومانى العادى يخوض القتال ؟
فى عهد الجمهورية الباكر ، لم يكن امام المواطن الرومانى خيار سوى ان يخدم فى الجيش وكان من الضرورى ان يكون المجند فلاحا مالكا للارض ومواطنا رومانيا . وان يكون مستعدا للخدمة العسكرية لمدة تتراوح بين خمسة عشرة وعشرين عاما ، ومن الواضح انه تعين ان يكون ما يحصل عليه فى نهاية خدمته العسكرية كافيا لتعويضه عن المخاطرة السنوية بالموت ، وتكلفة غيابه عن المزرعة خلال موسم الحملات الحربية فيما بين شهرى مارس واكتوبر كل سنة . وربما كان المال – كما هو الوضع فى فصائل قوات الجوركا فى الجيش البريطانى خلال القرن العشرين – هو الدافع ، اى ان الخدمة العسكرية كانت وسيلة مهمة للتعويض عن دخل المزرعة بقدر ما كانت مصدرا لفخر الاسرة وزهوها . ولقد استخدمت روما التجنيد الاجبارى فى اوقات الازمات غير ان الجنود المتطوعين المحترفين كانوا يمثلون عماد الفيالق الرومانية ، وهم الرجال الذين اعتبروا الخدمة فى الجيش مهنة يحترفونها طوال حياتهم والذين يتمتعون بمعنويات عالية ودوافع قوية . وكان مثل هؤلاء الرجال موفورى العدد فى روما حتى قرب منتصف القرن الثانى قبل الميلاد ... واذا كانت الحرب تنشب بانتظام ، فقد كانوا يعرفون انهم سيشاركون فى حملات عدة ، وانه لا بد من خوض كل معركة بشراسة وعنف ، وانهم اذا انتصروا فالمتوقع ان يتصرفوا بوحشية . وكانت المدن المقهورة تعامل بغلظة . وقد وصف بوليبيوس قتل المدنيين واغتصابهم – دون تمييز – فى مدينة قرطاجة الجديدة فى اسبانيا على ايدى قوات سيبيو الافريقى خلال الحرب اليونانية الثانية (219-202 ق.م ) قائلا ( ان الهـدف من هـذه العـادة فيما ارى هو بث الرعب فى القلوب ) .. وهذا هو ما كان ، فلقد شجع القادة الرومان وايدوا ما اشتهرت به القوات الرومانية من شراسة ووحشية ، بوصفها حيلة دعائية لاخافة الخصوم الاخرين ولعل هذا هو ما جعل سيبيو ايميليانوس خلال الحرب البونية الثالثة (149-146 ق.م ) يامر بقطع ايدى 400 متمرد فى اسبانيا ( على رغم انه يقال ان هذا الرجل نفسه قد بكى حينما راى قرطاجة وقد دمرت تماما فى نهاية الحرب )
ولم يحدث ابدا ان صور المؤرخون الرومان . روما فى صورة المعتدى ، عندهم قامت روما دائما بالدفاع عن مصالحها وقهرت الشعوب الاجنبية لكى تنقذها من انفسها . وقبل ان يشن اى هجوم كان المبعوثون يرسلون دائما فى محاولة متباهية لحل النزاع فى مصلحة روما بوسائل اخرى غير الحرب ، ولا تعلن روما الحرب الا اذا رفضت مثل تلك المحاولة فتعلنها بدافع
( عادل ) وبعد ان تكون الوسائل البديلة قدر جربت لـ ( انقاذ السلام ) وامثال تلك الذرائع
( لانها لم تكن سوى ذرائع فى غالب الاحوال ) هى ما اعانت روما على الدفاع عن سلامة قضيتها ، ليس فقط امام شعبها وانما امام حلفائها ومع ذلك فاذا كانت الحرب هى اكثر الوسائل فعالية فى كسب الثورة والسلطة والمكانة فانه سيكون من غير الطبيعى ان يتبع السياسون الرومان واتباعهم سياسات تستهدف تجنب الحرب ، على رغم ان فتح العديد من جبهات القتال فى وقت واحد كان بالطبع مخاطرة يمكن ان تؤدى الى كارثة . ولكننا نحتاج الى الحذر حينما نعتمد على المصادر الرومانية التى كانت تكتب غالبا لتاكيد وتغليب وجهات نظر سياسية خاصة بطرف واحد . لقد اكد الكتاب الرومان دائما ، وخاصة ليفى وبوليبيوس ، ان روما كانت ضحية للعدوان وخاصة فى الحرب البونية ضد قرطاجة ، بينما الحقيقة هى ان استيلاء روما على سردينيا ثم التدخل الرومانى فى اسبانيا هو ما دفع قرطاجة الى اعلان الحرب . وكانت روما تعرف ان مطالب سفرائها التى قدموها الى قرطاجة العام 218 ق.م سوف تقابل بالرفض وحتى بعد ذلك . فلقد اثنت المصادر الرومانية على هانيبال Hannibal ( وهو ثناء صادق فى الحقيقة ) بهدف ان ترسم تلك المصادر صورة الانتصار الرومانى النهائى باعتباره اعظم الانتصارات
كانت مثل تلك الانتصارت هى المصدر الرئيسى للزخارف والزينات الاحتفالية فى مدينة روما نفسها فاللوحات المحفورة على النصب التى تقام وتخصص لتلك اللوحات ، والرسوم المعروضة فى المبانى العامة ، والاسلاب الماخوذة من بلدان الاعداء ، كالاعمدة والاسلحة وتماثيل القادة فى الميدان الرئيسى ( الفورم Forum ) بالمدينة لم تكن كلها بغرض ان تلفت الانظار الى مجد الارستقراطية . وانما كان المقصود منها ايضا ان تؤثر فى الشعب وان تغرس فى قلوبه الثقة والولاء ، كانت الاغانى التى تشيد باعمال الابطال العسكريين وماثرهم تنشد فى المادب وغيرها من المناسبات ، كما استخدم الكتاب الرومان الدراما والشعر لإذاعة شهرة ( العظيمة الطيبة ) بل ان مواكب الجنازات كانت تستخدم لاستعراض منجزات اسرة بعينها امام ( الشعب كله ) على حد قول بوليبيوس وحافظت اقنعة الموت التى يرتديها اقارب الموتى ، على ذكرى الاسلاف الامجاد لكى يستلهمهم ( الشباب ) حتى ( يتحملوا كل شى فى سبيل المصلحة العامة ، ومن اجل تحقيق المجد الذى يلازم الاخيار ) ولقد تمتع التنظيم العسكرى الرومانى بشهرة اسطورية ، غير ان الولاة العسكريين الذى اقاموا علاقة خاصة بينهم وبين قواتهم ، قائمة على الولاء لهم بدلا من الولاء للدولة ، تمكنوا فى النهاية من تدمير الجمهورية الرومانية ، وعلى رغم ان بلوتارخ – فى ترجمته لحياة جايوس ماريوس ( مات العام 86 ق.م ) – قد اصر على ان الجنود كانوا اكثر اعجابا بالقادة الذين شاركوهم حياتهم ، من اعجابهم باولئك الذى لم يعتمدوا الا على المال لكى يضمنوا ولاء جنودهم ، الا ان الرواتب الجيدة والاسلاب والمغانم ظلت سبيلا اساسيا لتجنب اعمال التمرد وضمان المعنويات العالية ، كما اولى الاهتمام الشديد بتوزيع الغنائم بالتساوى لتجنب المنازعات الخطيرة ، ولقد كان ماريوس – فى نحو نهاية القرن الثانى قبل الميلاد – هو من اضفى صبغة الاحتراف على الجيوش الرومانية عن طريق توسيع قاعدة التجنيد بضم غير الفلاحين مستخدما رجالا عاشوا من اجل الجيش وحده ، فلا يوجد ما يعرضهم لقلق الرغبة فى العودة الى مزارعهم فى الشتاء . وكان ماريوس ايضا هو اول من تحمل مسئولية اعباء حياة جنوده حين يتعرضون للاصابة او اذا تقاعدوا ولذلك فانهم بدورهم توجهوا اليه – لا الى الدولة – طلبا للتوجيه والتعويض المادى .
وكان ما ادت اليه اصلاحات ماريوس واضحا . فبعدها تكونت الفيالق الرومانية من جنود نظاميين محترفين يتجهون بالولاء – اولا واخيرا – الى الافراد الذين يدفعون لهم رواتبهم ، لا الى الدولة فاذا كان هذا القائد الفرد مخلصا للدولة ، كان خيرا ، فاذا لم يكن تعرضت روما للخطر من داخلها باكثر مما يهددها من اخطار خارجية ، وفى مرحلة لاحقة ، خلال عصر الامبراطورية الرومانية ، كان على الاباطرة ان يضمنوا توجيه الدعاية بين قواتهم الخاصة بشكل فعال لانه لم يكن سهلا بالنسبة لهم دائما ان يذهبوا للحرب بانفسهم ( فقد كانت مغادرة روما المليئة بالمؤامرات اشد خطرا فى احوال كثيرة من ميدان القتال نفسه ) وفرض يمين عسكرى فى العام 216 ق.م الزم الجنود بالدفاع عن الدولة باطاعة قادتهم العسكرين ولكن حينما استخدم ( صوللا Sulla ) قواته فى الزحف على روما العام 88 ق.م اصبحت العلاقة قائمة اكثر على الولاء الشخصى وكان هذا نذير شؤم بالحروب الاهلية التى نشبت فى وقت لاحق من هذا القرن .
وتوضح المصادر الرومانية الاكثر حصافة ان مفتاح النجاح الحربى الرومانى يكمن فى تدريب الجيوش وتنظيمها وكثيرا ما منحت هذه الحقيقة – بخاصة – للجيوش الرومانية ميزة نفسية على خصومها – ان شيئا لم ينجح مثل النجاح . فبعد ان رسخت روما شهرتها بانها قوة لا تقهر – على رغم بعض النكسات كتلك التى انزلها هانيبال بروما فى معارك بحيرة تراسمين وكانا – اصبحت روما قادرة على ان تعتمد على شهرتها بقدرتها على ان تخسر بعض المعارك احيانا وكسب الحرب على الدوام ، وكان وجود شبكة المواصلات الرومانية من الطرق البرية والبحرية والاهتمام التفصيلى بوسائل النقل والمؤن اللازمة للقوات ، كان هذا فى حد ذاته سببا فى ردع اشد المعتدين عزما فالامر هو كما اكده الكاتب الحربى الفرنسى من القرن التاسع عشر اردان دى بيك فى قوله ( لا يستحق جيش اسمه دون انضباط .. والانضباط لا يمكن صنعه ولا تثبيته فى يوام واحد ، انه مؤسسة وتقليد من التراث )
كان الانضباط والمعنويات العالية عنصرين اساسيين فيما يتعلق باسلوب شن الرومان للحرب . فعلى العكس من الكتيبة الاغريقية التى اتخذت اسلوب الاعتماد المتبادل وسيلة لحفظ وحدة الصفوف ، قاتل الرومان فى خطوط اقل كثافة ، او فى موجات ، مما جعل جميع الجنود يشتبكون فى القتال وكانت تلك وسيلة اكثر فعلية لنشر اكبر عدد ممكن من الجنود فى الخط الامامى . ولكنها تطلبت ايضا اهتماما اكبر بتفاصيل كيفية قتال الرجال ، ولماذا يقاتلون . وكان الذعر اذا ثار لدى الاغريق يثور فى مؤخرة الكتيبة الاغريقية ولكن لم يكن ثمة مكان لذوى القلوب الواهنة فى الفيلق الرومانى حيث كانت قوات الخط الامامى تدعم باستمرار خلال مسار المعركة ، وفضلا عن ذلك فقد كانت المعارك الاغريقية تحسم عادة فى اشتباك واحد ، بينما كانت المعارك الرومانية تتطلب عملية تعبئة ( استراتيجية ) اكثر تعقيدا واطول امدا تعتمد على تحرك القوات وقدرتها على المناورة ، فقد كان من الضرورى تنظيم حملة داعئية اكثر كثافة واطول زمنا توجه الى ( روح الجنود ) فى القوات الرومانية . فعلى سبيل المثال : اولى القادة الرومان عناية كبيرة فى معسكراتهم المحصنة لاسترخاء وراحة الجنود قبل المعركة ، بهدف تقليل التوتر العصبى . وقد كانت تلك المعسكرات عنصرا مهما فى الاستراتيجية الرومانية ، كما كانت الوحدات الناجحة قتاليا تجمع معا بدلا من تشتيتها لدعم الوحدات الاضعف، ففى احدى المعارك خلال الحرب الاهلية ، حينما انقذ مائتان من الجنود المخضرمين انفسهم ، بينما استسلم مائتان وعشرون من المجندون حديثا لكى يذبحوا بعد قليل ، قال يوليوس قيصر معلقا ( هنا يمكننا ان نرى الامن الذى يمكن ان يستمده الرجال من عزيمة ماضية ).
وقد ضمنت الاساليب التكتيكية للقوات الرومانية حتى فى حالة هزيمتها ان تنزل باعدائها خسائر فادحة لان الاعداء كانوا عادة اقل تنظيما واقل انضباطا بصور متفاوتة . ويتحتم القول انه ربما كان الانضباط هو سر فعالية الدعاية الحربية الرومانية بين قواتها . ولم يحدث ان تمكنت قوة معادية اقل تنطيما من عبور الحدود الرومانية باقل قليل من النجاح الا حينما تقاتلت قوات رومانية كوحدات من المرتزقة موالية لمن يدفعون لها فى الصراعات الاهلية العديدة التى انتشرت كالاوبئة فى التاريخ الرومانى ، ولقد كان يوليوس قيصر – بالطبع – واحدا من اعظم القادة العسكريين فى التاريخ وكان مثل القادة العظام مدركا تماما الدور الذى تستطيع المعنويات ان تلعبه قبل المعركة وفى اثنائها وبعدها . ولقد ضرب بنفسه المثال وهو يتولى القيادة مخاطبا قواته بعبارة ( زملائى الجنود ) قبل المعارك تاركا ثقته الشخصية بنفسه تتخلل الصفوف بل انه تولى القيادة احيانا من خط الجبهة فى لحظة بداية القتال ، وفى تعليقاته وصـف اللحظات التالية لحـــدوث هــجوم مفاجئ وكيف كان على القائد : ان يقوم بكل شئ فى لحظة واحدة : ان يامر برفع الراية اشارة الى النداء العام لحمل السلاح ، وبان تدق الطبول وبدعوة القوات من الخنادق ، وبارسال رجال لاعادة من كانوا قد ابتعدوا بحثا عن مواد الاعاشة .. وبان يتشكل الصف ، وبالقوات ان تهتف بصرخاتها الحماسية ، وباشارة القتال ان تعلن ... ولم تكن الهاتفات الحماسية سوى شحنة تذكر الجنود ببسالتهم المعهودة ، وبان يتحرروا من الخوف ، وبان يواجهوا هجوم العدو بشجاعة ... وتحول القائد الى الناحية الاخرى لكى يبدأ – من فوره – الهتاف لكى يضرب لهم المثال فوجدهم وقد انغمسوا بالفعل فى القتال .
وقد كان قيصر مؤمنا متشددا بالانضباط ، فعاقب – بقسوة – الهاربين من الخدمة والمتمردين ولم ينسى ابدا الدور الذى تلعبة الاموال والغنائم فى دفع الجنود الى القتال ، وكان واحدا من اوائل القادة والمسئولين الرومان الذين طبعوا صورهم على قطع النقود اثناء حياتهم ، بدلا من طبعها بعد الموت ، كما كان يحدث قبلا طبقا لمرسوم لمجلس الشيوخ صدر العام 44 ق.م فكان دفع الرواتب بمثل تلك النقود لقواته كافيا لتذكرتهم باتجاه وموقع مصالحهم .
ولم يكتفى قيصر بتوزيع الاراضى والاموال على قدامى الجنود ، وانما قام ايضا بتوزيع الاطعمة على الفقراء ، وتحبب الى الجماهير باقائمة الولائم وحفلات الاستقبال التى تكتمل بانواع الترفيه .وتبين ايضا حب الشعب للاستعراض . فاقيمت مواكب الانتصارات المتقنة لا لشئ الا لرفع معنويات الشعب الذى وضع تاييده فى اعتباره واقامة معارك بحرية ( مسرحية ) فى بحيرات صناعية اقيمت خصيصا لهذا الغرض ومباريات تضم مجالدين من مدرسته الخاصة للتدريب فى مدينة كابوا بل كان هو من جاء باول ( فرس نهر ) من افريقيا الى روما ، فقط لكى يكسب رضاء الجمهور ويحافظ عليه ، اما بالنسبة لاعدائه فقد عرف قيمة الصفح والحلم والتساهل والملاينة فى كسب الاصدقاء الجدد والموالين له . وجاء منح حق المواطنة الرومانية لغير الرومان وسيلة لكسب تاييدهم .
ومع ذلك ، فقد كانت هذه الخصائص ذاتها هى سبب ما حل بقيصر وعجل بنهايته ، فبسبب تملقه للجماهير ، وكثيرا ما كان ذلك بمهاجمته لبعض النبلاء ، وصل الى ابعاد الارستقراطية من المشاعر العامة وجعلها غريبة عنه ، واصبحت دعاية صارخة صاخبة تؤدى الى عكس المستهدف منها ، وكتب سوتونيوس المفعم قلبه بالعداء يقول :
(انه لم يكتف بقبول مظاهر التكريم المسرفة .... مثل تمثال ينصب بين تماثيل الملوك وعرش يوضع امام مقاعد المتفرجين فى المسرح ، بل لقد سمح ايضا باصدار مراسيم تضفى على ذاته انواعا من التكريم تفوق ما يضفى على البشر ، مثل وضع مقعد ذهبى له خصيصا فى استراحة الشيوخ وعلى منصة التريبيون ، وتخصيص





__________________كل الحقوق ممنوحة__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.communication.akbarmontada.com
المدير
الادارة
الادارة


عدد المساهمات: 1779
تاريخ التسجيل: 08/06/2009
العمر: 26

مُساهمةموضوع: رد: دراسة حول دور الاعلام فى الحروب الحديثة   الإثنين نوفمبر 29, 2010 12:09 pm

عربة مبهرجة له فى الاحتفالات ومحفة فى مواكب السيرك ومعابد ومذابح وصور الى جوار الالهة ، وسرير بمتكأ مزخرف ... واطلاق اسمه على احد الشهور )
ويعترف ديو الاكثر تعاطفا مع قيصر قائلا : ( لقد اقترف قيصر بالفعل الخطا احيانا بقبوله بعض انواع التكريم التى طلبت له ، وبتصديقه انه قد استحقها بالفعل . ولكن الاكثر منه خطا فهم اولئك الذين بدأوا بتكريمه – بمثل ما استحق – ثم انقلبوا عليه ووجهوا اليه اللوم لقبوله ما طلبوه له ) اما المتامرون والارستقراطيون الذين اغتالوه فى شهر مارس العام 44 ق.م فقد قرر لهم ايضا ان يعرفوا فى السنوات المقبلة طبيعة الغوغاء المتقلبة وعدم امكان التنبؤ بما يمكن ان يتخذوه من المواقف . فما من شك ان بروتوس وزملائه من المتامرين اعتقدوا انهم يفعلون ما فعلوه بدعم من العامة . ولكنهم فى النهاية اصبحوا ضحايا الدعاية نفسها التى وجهوها ضد سلطة قيصر شخصيا
ولقد كان قيصر هو مؤرخ حروبه ، ولكن كتاباته – مثلها مثل اكثر الذكريات – كانت اقل اهتماما بتقديم المعلومات الدقيقة الصحيحة ، منها بتبرير اعماله لدى معاصريه ، وبتعبير اخر كانت تلك الكتابات ذات طبيعة دعائية ، لكن هذا لا يؤدى الى تجريد ( تعليقات ) قيصر – على سبيل المثال – من مصداقيتها ورفضها ، وانما يعنى ببساطة اننا ينبغى ان نتعامل معها بحذر لقد نشرت هذه التعليقات ( Commentaries ) فى العام 51 ق.م وتعالج كتبها السبعة الحرب الغالية ( 58-52 ق.م ) وكثيرا ما تحكى لنا عن الازمة السياسية التى واجهت قيصر فى ذلك الوقت بقدر ما تحكى عن منجزاته الحربية ، بل ان هذا يتبدى اكثر وضوحا من الكتابين اللذين كتبهما قيصر عن الحرب الاهلية ، حيث يصور نفسه – حتى وهو يخطب فى قواته قبل المعركة – فى صورة المحب للسلام الذى ارغم بعد تردده على مقاتلة اعدائه الذين يعاملهم – على رغم ذلك – بشهامة وكرم حين ينتصر ، وقد وصف شيشرون مغزى تلك الخطب فقال ان القادة العسكريين يسعون الى حض جنودهم على القتال والهاب عزائمهم ( على الرغم من معرفتهم باستعداد الجنود للقتال )
اما خليفة قيصر ، ابن اخته اوكتافيان الذى اصبح فيما بعد الامبراطور اغسطس فقد كان رجل دعاية اكثر نجاحا من حيث تمكنه من البقاء الى ان مات ميتة طبيعية . كتب الاستاذ سايم يقول : ( لقد كرس خليفة قيصر نفسه من فوره ، للدعاية القيصرية ) فمن خلال اشادته بقيصر واحيائه لذكراه ، كان اغسطس – ضمنيا – يذكر الناس بانه ابن اله على الرغم انه كان حذرا من ان يكرر خطا قيصر بادعائه لنفسه وضعا كوضع الالهة فى حياته ، على الاقل فى ايطاليا ، اما الجزء الشرقى من الامبراطورية فكان امره مختلفا ، فمثلما فعل الاسكندر الاكبر ، عرف اغسطس قيمة اتخاذ الدعاية زوايا مختلفة مع الثقافات المختلفة ، وعلى رغم انه هو نفسه لم يكن قائد عسكريا عظيما ( فقد حقق نجاحاته العسكرية الى حد كبير على ايدى مرؤوسيه ) فان المرء لا يستطيع ان يكتشف ذلك من خلال دعايته . بل ان المرء لا يستطيع ان يكتشف تماثيله ولا من صورة على قطع النقود التى مثلته بشكل نموذجى انه كان رجلا قبيح الشكل ... وهو كثيرا ما يفصح عن طريق ما يحزفه فى روايته المختصرة لسيرة حياته ( ماثر اغسطس ) .... ( مثل حذفه لهزائمة العسكرية ) ولكنها تمدنا بصورة لما اراد اغسطس ان يذكر الناس به . فهو يستعير لنفسه شهرة قيصر بالتسامح ، ويكتب قائلا : ( لقد خضعت العديد من الحروب ، فى الداخل والخارج ، فى البر والبحر على اتساع العلم كله . ولاننى المنتصر ... على مثل تلك الشعوب الاجنبية وحيثما كان فى الغفران السلامة ، فقد فضلت ان اصون ارواح الناس على ان ابيدهم ) ويمضى لكى يبرز كيف رفض العديد من مظاهر التكريم التى حاول الناس اضفاءها عليه جزاء لاستعادة السلام ، بينما يعدد ما تقبله منها ، وتعد ( المآثر ) التى نقشت على ضريحه عملية دعائية حقيقية تماما مثلما كانت اكثرية المبانى المدنية التى اقامها اغسطس ، ولكنها لا تتوقف عند هذا الحد.
فخلال الحرب الاهلية التى اعقبت موت قيصر . استخدم جميع منافسيه على السلطة صورهم ، فوضعوها مثلا على قطع النقود لكى يدفعوا بها رواتب قواتهم . وبعض رسوم بومبى الاكبر ومارك انطونى تصورهما فى صورة زيوس ثم فى صورة الاسكندر الاكبر . وبعد هزيمته فى معركة اكتيوم العام 31 ق.م وحد اغسطس روما . وسيطر بنشاط وقوة على استخدام صورته حتى يتجنب ذلك النوع من الدعاية الحربية وترويج الشائعات الذى سبق موت قيصر ، وتجنب ايضا تجاوزات قيصر الصارخة ( فقد حرم – على سبيل المثال – ان يحمل تمثاله فى المواكب الدينية ) ولم يسمح ببناء معابد – له – الا فى المناطق التى لن تنتهك فيها الحساسيات والمشاعر الشعبية ، وعاد الى تقليد منح الموتى – لا الاحياء – وضعا كوضع الالهة ، وذلك على رغم ان اغسطس تعلق فى شجرة نسبه بقيصر المؤله، واحتفظ بعادة وضع صورة لوجهه على نقوده ، وكان الهدف من هذا الاستخدام المحكوم لصورته هو تدعيم وضعه فى كل مكان من روما وايطاليا وفى الاقاليم المقسمة ، بوصفه
( المواطن الاول ) فى الجمهورية المستعادة باسلوب متواضع ( بل انه امر بصهر ثمانين تمثالا فضيا لشخصه،ووهب الفضة لمعبد ابوللو فى روما ، لان الفضة لم تكن تعد مادة مناسبة لتجسيد بنى البشر الفانيين )
ومن بين التماثيل العديدة الباقية لاغسطس يمثله الكثير منها فى دور القائد العسكرى ، فلقد كان من الامور الاساسية بالنسبة لاغسطس – ولخلفائه – ان يتواجد مع قواته ، وكان او ما يتعين عمله لتحقيق ذلك هو تجميع صفوف طابور مؤثر من الالقاب وانواع التكريم العسكرية ، ومن اشهر تماثيل اغسطس ذلك الذى اقيم فى ( فيللا ) زوجته ليفيا فى ضاحية بريما بورتا بالقرب من روما ، وتصور درع الصدر النحاسية ما تحقق العام 20 ق.م من استعادة لمستويات القتال الرفيعة التى كانت قد سقطت امام البارثيين فى معركة كارهاى العام 53 ق.م غير ان ما يهمنا هنا هو الاسلوب المتسامى المثالى الذى يصور به التمثال صاحبه ، فالنحت الذى يمثل كيوبيد (Cupid ) ممتطيا دلفينا ويدعم ساق اغسطس اليمنى بشير الى فينوس المؤسسة المقدسة للاسرة اليولية اما القدم فعارية وهى حالة تتناسب مع اله اغريقى اكثر مما تتناسب مع قائد رومانى ، غير ان انتشار صورة اغسطس متقمصا ادواره العديدة – ولكن دون ان تظهره فقط فى صورة اله الا بعد موته العام 14 ميلادية – كان امرا ملحوظا ، وربما كان اول واحد من البشر الفانيين تنتشر صورته كل هذا الانتشار الذى لا يدانيه الا انتشار صور اعضاء الاسرة المالكة او صور البابا فى واجهات عرض الهدايا التذكارية فى لندن او فى روما فى عصرنا
وقد ارسى اغسطس تقليدا امبراطوريا قدر له ان يبقى قرونا عدة ،وكان نجاح القوة الرومانية العسكرية فى حد ذاته دعاية ممتازة استخدمت لإخافة الخصوم المحتملين ، مثلما كان يحدث حين يقوم المبعوثون الامبراطوريون بزيارة بلاط ملوك ( البرابرة ) مذكرين او حاملين انباء الانتصارات الاخيرة كما جرى تثبيت ذلك النجاح وتخليده بغرس الاعتقاد فى القوة التى لا تقهر بالشكل الذى نراه فى الاعمال الفنية والاحتفالات ومباريات الالعاب والعملات المعدنية ( التى تحمل عبارات : انتصار فلان او النصر الابدى ) بل حملتها صيحات القتال التى كان الجنود الرومان يطلقونها على حد قول فيجيتيوس : ( يستطيع القائد ان يشجع وان ينشط قواته بالصرخات والصيحات المناسبة .. ولا بد ان يستخدم كل حجة قادرة على اثارة الغضب والكراهية وغرس الشعور بالازدراء – فى عقول جنوده – ضد خصمهم ) حالما كان يتحقق انتصار ما ، فان دوره فى العقل الرومانى سرعان ما يثبت ويشهر فى شكل ( مسيرة النصر ) التى تقطع شوارع روما
وكانت النقود المعدنية وسيطا مهما من وسائط حمل الدعاية الرومانية ووسيلة ثمينة لنشر صور مرئية للانتصارات الرومانية فى كل انحاء الامبراطورية ، فلقد استخدمت العملة المعدنية – على سبيل المثال – لنشر بيان اغسطس عن ( السلام والانتصار ) بعد الحروب الاهلية ولكى يعلن اثر ذلك منجزاته العسكرية والديبلوماسية ( مثل غزو واحتلال ارمينيا واستعادة الاعلام والالوية البارثية ) ومع ذلك فعلى الرغم من التظاهر باستعادة الجمهورية ، فان اغسطس كان يؤسس فى الحقيقة سلالة امبراطورية وهو ما عكسه بناء ضريحه فى العام 28 ق.م وجاء برنامجه للبناء والتشييد فى روما ( وجدت المدينة مبنية بالطوب وتركتها مشيدة بالرخام ) الذى تضمنه انشاء ميدانه المكرس لاله الحرب مارس كان برنامجا واسع الابعاد لم يصمم لكى يعكس منجزاته فقط وانما لكى يربط بين ميراثه وبين مؤسس روما ، ففى الميدان الاغسطسى استعرضت الاعلام والالوية البارثية المستعادة كما زين النصب التذكارى كله باسلحة المهزومين المسلوبة وبتماثيل القادة والسياسيين الجمهوريين البارزين
( الذين كان اغسطس فى وسطهم يشعر بالطبع بانه فى مكانه الطبيعى ) وبالاعمال الفنية والماخوذة من كل مكان فى الامبراطورية وفى معبد مارس كانت تناقش الالتزامات والمعاهدات الحربية ويستقبل رؤساء الدول الاجنبية .
ولكن اغسطس احتفل بالجانب الاخر من انجــازه فى ( مذبح السلام ) الذى اكتــمل بناؤه العام 9 ق.م فقد صمم هذا المذبح للاحتفال بعودة اغسطس بسلام من اسبانيا وبلاد الغال ، ولكنه عكس من زوايا عدة رؤية الامبراطور لروما على انها نظام ملكى متخف يقوده رجل من البشر ولكن تباركه الالهة والشيوخ والشعب . وكان مثله مثل اكثرية ما شيد فى روما ، مثل اقــواس النصر ( وقد اقيم فى روما اكثر من خمسين من تلك الاقواس ) واعمدة تراجان وماركوس اوريليوس كان الغرض منه هو عوض ضخامة الانجاز الرومانى لاكبر واوسع جمهور ممكن
وكانت ذروة اى حملة من حملات الدعاية الحربية الرومانية تاتى مع موكب النصر الذى يشق روما عقب كل نصر عسكرى لهم ، وعلى الرغم ان اقامة مثل هذه المواكب لم يكن كثير التكرار- للمحافظة على مهابة المناسبة وروعتها . وايضا لكبح امكان بروز الطامحين من القادة – فان شعبية تلك المواكب وسط الجماهير كانت هائلة ، وخاصة فى عصر الجمهورية ، ولقد اصبحت وظيفتها – التى كانت وثنية فى الاصل – وظيفة سياسية من حيث اثباتها اهلية الامبراطور للحكم ، وهذا هو السبب فى انه لم يكن يسمح فى عصر الاميراطورية الا لأعضاء السلالة الاغسطسية باقامتها وكان الموكب – بقوته ذات الازياء والاسلحة الاحتفالية الزاهية ، وربما كان يسير فيه من الاسرى والاسلاب والغنائم – يصمم بهدف شحن الجماهير الفقيرة بمعان محددة ، وهى الجماهير التى تكون بالفعل فى حالة فوران نفسى بالغ ، حين تاتى لحظة ظهور الامبراطور فى عربة نصره الذهبية . كانت المغانم المستلبة من العدو تستعرض فى الموكب مع الاسرى . وقد تستمر الاحتفالات اياما بل شهورا فى بعض الاحيان ( استغرقت الاحتفالات بالانتصار الثانى للامبراطور تراجان العام 106 ميلادية 123 يوما ) وكانت تقام مادبة افطار خاصة للقوات تليها خطبة للامبراطور ثم يسير الموكب ، وربما ينفذ الاعدام علنا فى قائد العدو وقد عفا الامبراطور كلوديوس Claudius عن الملك البريطانى كاركاتاكوس Caracatacus لكى يظهر الامبراطور عظمته امام الجميع وعلى رغم انه لم يتحقق سوى ثلاثة عشر انتصارا بين العامين 31 ق.م و 235 ميلادية ، فانها كانت مناسبات لا تنسى ووسائل ثمينة لتوثيق الرابطة بين الامبراطور وبين كل من الجيش والشعب . غير ان الانضباط ظل حقيقة اساسية لا تنفصل عن الحياة العسكرية الرومانية وقد اعترف بذلك اغسطس طبقا لما قاله سيوثونيوس ، بل انه امر بتسريح الفيلق العاشر وتشتيته مجللا بالعار لعصيانه الاوامر . وكانت الوحدات او الافراد الذين ينهارون فى المعركة يصرفون من الخدمة ويسرحون . كما كان الهاربون يعدمون ، وتوقع عقوبات قاسية على من يرتكب غير ذلك من المخالفات وكان يطبق نظام الاختيار العشرى على مثل تلك الوحدات ، لكى يقتل واحد من كل عشرة جنود .
وعلى طول عصر الامبراطورية الرومانية حافظ الاباطرة الرومان المتعاقبون على ادعاء مظهرى متقن : الادعاء بان روما ما يزال يحكمها شعبها ومجلس الشيوخ ، بينما كانت تحكم فى الحقيقة باسلوب الملوك الذين اسسوا روما اى بوصفها امارة فحسب وقد قرب اغسطس شعراء وكنابا واغدق عليهم – ومن بينهم فيرجيل وهوراس – لكى يساعدوه فى مهمته . وقد امتدح بلينى ( Pliny ) الامبراطور تراجان فى العام 100 ميلادية لأنه لم يعجب بالدعاية الفجة المسرفة وكتب
يقول : ( يظهر الثناء الحقيقى عليك فى القصائد الجادة وتخلد ذكراك ابد الدهر فى سجلات التاريخ
وليس فى الدعاية قصيرة العمر ومن المؤكد انه كلما ازداد الصمت بشأنك فوق المنصة
ازداد اجماع الجمهور وهو ينهض كله لكى يعرب لك عن احترامه وتقديره )
وكانت مثل تلك المدائح – فى حد ذاتها وسائل مثلى للدعاية الامبراطورية ، يتجلى من خلالها اعتراف بالمبدأ القائل بان احسن دائما ان يقوم شخص اخر بالتغنى بك وامتداحك ، بدلا من ان تقوم بذلك بنفسك ، فقد كان المداحون يشبهون الكتاب الدعائيين العاملين على ترسيخ الانبهار الى حد التقديس بقادتهم الامبراطوريين بسماع اقوالهم على نطاق واسع وتريدها ، بل ونشرها حتى تصل الى القادرين على القراءة ، ولقد كان ذلك موضع التقدير لبعض الوقت وذلك كما يتضح فى طلب شيشرون من احد اصدقائه : ( سوف يسعدنى ان تتولى مسئولية الاهتمام بكل مصالحى الاخرى وباكثرها اهمية ، سمعتى ، ففى عصر بلغ فيه اطلاق الشائعات والقذف – فى حق الناس – ذروته ( وليست مصادفة ان يكون فن التهكم الهجائى Satire يعتبر واحدا من مساهمات روما الثقافية العظمى ) فان الممارسة الجيدة للعلاقات العامة كانت عاملا أسياسيا من عوامل البقاء السياسى ، وقد انطبق هذا بشكل خاص على الجيش الذى اصبح هو عماد سلطة الامبراطور مع مجئ القرن الثالث واصبح الامر بتعبير احد المؤرخين ( لقد حكم الامبراطور – فى البداية من خلال الجيش ..وفى القرن الثالث حكم الجيش من خلال الامبراطور ) ومع ذلك فلم تكن الالهة الوثنية التى استخدمها الرومان استخداما بالغ النفعية – لأغراضهم الدعائية – هى التى استولت على قلوب الاباطرة المتاخرين وعقولهم . وانما كان المسيحيون هم الذين استولوا عليها . ففى البداية ساعد السلام الذى رسخه اغسطس تلاميذ المسيح على نشر تعاليمه وساعدت اساليب الدعاية التى استخدموها – ما بدا فى اوله كدين فردى – على الانتشار فى الامبراطورية كلها . وربما كان السبب الذى منح هذا الدين جاذبيته انه كان موجها الى كل انسان فرد بعينه .
وفى البداية تسامحت روما مع الديانة الجديدة – مثلما فعلت مع العشرات من الديانات الاخرى ، ولكن اعلان المسيحية بانها تعترف بسلطة واحدة سامية اعلى من الدولة جعلتها تبدو فى عيون الرومان ديانة (هدامة) لأن المسيحيين رفضوا المشاركة فى عبادة الإمبراطور . ومثلما كان لرفع السيد المسيح من تاثير ، فكلما زاد عدد الشهداء الذين صنعتهم روما ، ازداد تاثير الناس واعجابهم باسلوبهم فى مواجهة الموت ، وبتعبير اخر ، ربما كانت روما قد اعتقدت انها تدمر الديانة فى حربها ضد المسيحية بينما كانت فى الحقيقة تساعد فى المزيد من نشر رسالتها بسبب قسوة اضطهادها فقد عرف المسيحيون الاوائل ان مآثرهم فى ميدان ( المعركة ) مثل الاسلوب الذى واجهوا به عمليات الصلب وغيره من انواع التعذيب – قد زاد من نفوذ الكلمات والرسائل التى ادت الى موتهم وهم يتبعون المثل الذى ضربه لهم مخلصهم ، وقد كتب ترتويان وهو من اوائل الكتاب المسيحيين قائلا ( ان دماء الشهداء هى بذرة الكنيسة )
واذا ارغمت ( المسيحية ) على العمل السرى ، بسبب اضطهاد الدولة ، فان الحركة لم تستطع قبل القرن الرابع – حين اصبح الصليب هو الرمز المسيحى السائد – ان تبدأ بالافتخار بان اتباعها صاروا اوسع من فئات العبيد والاجانب الغرباء والمنبوذين اجتماعيا الذين اجتذبتهم المسيحية فى اول الامر ، ولقد اكد مؤرخون كثيرون ان المسيحية ساعدت على تدمير الامبراطورية الرومانية ، ولكن المسيحيون يؤكدون ان المسيحية قد انقذتها فقد اعترف قسطنطين الاكبر- اول امبراطور رومانى يتحول الى المسيحية ( 303 – 312 م ) بالمسيحية باعتبارها الدين الرسمى للامبراطورية الرومانية ، ونقل عاصمتها الى بيزنطة ( التى صارت : القسطنطينية ) وقد يعتبر قسطنطين وغدا شريرا او بطلا ولكن الحقيقة هى ان القوط والفندال هم الذين دمروا الامبراطورية الغربية فى القرن الخامس ( فى العام 476. م حين تنازل اخر امبراطور رومانى عن العرش وعزل نفسه امام اودوفاكار القوطى الجنوبى ) ثم الاتراك الذين دمروا الامبراطورية الرومانية فى الشرق حينما فتحوا القسطنطينية ونهبوها العام 1453 م .
كان الجندى الرومانى – قبل تحويل جيش روما الى جيش محترف - يعود الى ارضه بعد ان ينتهى موسم الحملات الحربية . ومع حلول القرن الثالث قامت الجيوش الرومانية بتجنيد غير الرومان كما لو كانت جيوشا من المرتزقة . ان الجنود الذين يدفعهم الربح لا الوطنية يتخذون فى اتون المعركة قرارات من نوع مختلف .ربما بشكل غير واع ، ذلك ان عليهم ان يقرروا ان كان الامر يستاهل المخاطرة بالموت، وبينما كان فى ( وسع روما ) مرة واحدة ان تعتمد على التنظيم المتفوق لكى تحارب القوط ، فان تدهور النظام فى القرن الخامس كان ملحوظا . فعقب هزيمة ادريانوبل فى العام 378 ( اسوأ هزائم الرومان منذ معركة كانا ) وما تلاها من غزوات البرابرة – مثل مهاجمة القوط الجنوبيين لروما فى العام 410 – كان واضحا ان الفيالق الرومانية لم تعد تملك ميزة تكتيكية بالنسبة لأعدائها . ومن ناحية كثيرا ما كانت هذه الفيالق شديدة الانشغال بمقاتلة بعضها البعض باسماء المرشحين للعرش الامبراطورى ، بينما استفاد الغزاة الجرمانيون – من ناحية اخرى – من الحدود التى لا يحميها احد ، وعلى رغم الاستقرار النسبى الذى يتميز به عهد الامبراطور ديوكليسيان ( 285 – 305 ) فان العفن كان قد ضرب بجذوره . ولقد كان ما يمكن تسميته بسقوط المعنويات – عاملا اساسيا فى انهيار الامبراطورية الرومانية . وحينما تحدث اتيلا ( Atilla ) ملك الهون فى معركة شالون العام 451 فانه كان يتحدث عن روما يقاتلون مثلما قاتلوا طوال قرون ، اى فى تشكيلات من الصفوف المتراصة ، ولكن ما كان ينقصهم هو الانضباط والنظام . لم يكن اتيلا يقاتل فيالق ماريوس او بومبى او قيصر ، وانما كان يقاتل – بنجاح – ضد برابرة مثله ، لم يكن تنظيم العمليات الحربية قوى التاثير وسطهم مثلما كان وسط جيوش روما الجمهورية ولكنهم الذين ربما كان قادتهم – نتيجة لتراكم تاثير التاريخ والتجــربة والمسيحـية
و ( الحضارة ) – قد بدأوا يعرفون ميزات السلام اكثر مما يعرفون قيمة الحرب ، او على حد ما كتبه القديس جيروم St Jerome : ( ان خطايانا هى التى تهزم الجيش الرومانى ) وتماما مثلما اختفت الوحدة واختفى التماسك من الجيش فقد تهاوت الدعاية الرومانية وتبعثرت ممزقة .









__________________كل الحقوق ممنوحة__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.communication.akbarmontada.com
المدير
الادارة
الادارة


عدد المساهمات: 1779
تاريخ التسجيل: 08/06/2009
العمر: 26

مُساهمةموضوع: رد: دراسة حول دور الاعلام فى الحروب الحديثة   الإثنين نوفمبر 29, 2010 12:11 pm



ملخص القــسم الاول
الدعايه للحرب فى العالم القديم
لا تزال معرفتنا بفجر البشريه قليله للغايه حتى ليستحيل ان نحدد بشكل ضيق متى بدا الانسان العصر الحجرى القديم فى استخدام ادواته لاغراض الحرب .
ولا يبدا المؤرخون السير على ارض اكثر صلابه الا مع وصول ( الحضاره ) ويبدو ان تطوير منظومات اجتماعيه منظمه ومؤسسـات وبنى طبقيه وهندسيه معمـــاريه وتجاره ودين قد وقع اول ماوقع فى الشرق الاوسط فى دلتا الفرا ت حوالى 5 الاف ق م كانت قد ظهر ت اسلحه ثوريه كالمقلاع و القوس والسهم وتؤكد الآنيه الفخاريه و الاختمام قيام الملكيه الفرديه اضافه الى مواقع المعابد الاولى فى (دول المدن ) البابليه الصغيره مثل (اور)و(اوروك).
وفى منتصف القرن الرابع عشر قبل الميلاد حينما كان الاشوريون يتحدون البابليين على السيادة فقد جلبوا معهم الترانيم والقصائد البطولية الحربية ، وتمدنا الامبراطورية الاشورية بمصدر اكثر ثراء بكثير – للدعاية للحرب – مما امدتنا به الامبراطورية البابلية .
ولكن ماذا عن ( الدعاية ) السابقة على المعارك ؟ ان الحكايات المحذرة من اخطار مسار محتمل للقتال كان يقف وراء تاليفها كهنة سومر القدماء الذين كانوا قد بدأوا منافسة الملوك على ولاء الجمهور وكانت النذور والتنبؤات والكهانات – ايضا – اشكالا من الاقناع الاجتماعى وكان الدين مبدئيا – هو المصدر الذى استمدت منه الدعاية المتعلقة بالنتائج المتوقعة للحروب الوشيكة ، وكان استحضار الالهة وسيلة مثلى – بالطبع – للمحافظة على سلطة ومكانة الكهان فى مجتمع تحكمه الخرافات ، ولكنه ايضا وسيلة مناسبة لرفع المعنويات قبل القتال اذا ما كان الكهنة والملوك على راى واحد .
ولكن الملوك كانوا هم من يشعلون الحرب – ويخوضونها – وكانت مشاركتهم للالهة هى التى تضفى الشرعية على اعمالهم ، وكانوا يشنون الحرب باسم الدين وليس من اجل الغنائم او الارض – فى الظاهر على الاقل . فقد اعلن الاشوريون على سبيل المثال وعلى الدوام انهم كانوا يشنون الحرب ضد اعداء الاله اشور لكى يظهروا عظمة معبودهم ومجده ولقد فعلوا ذلك بوحشية حتى ان الكثيرين من الاعداء المحتملين استسلموا دون قتال . ومن الحق ان الحرب كانت تعتبر السبب الوحيد لوجود الملك ، ولم يتوقف الاشوريون عن شنها
وقد اصبحت القصور – اكثر من المعابد – هى المصدر الاكبر لمثل هذه الدعاية الاحتفالية ، وفى الاحتفالات التى كانت تقام فيها ، تحولت الى طقوس تلك العلاقة بين الحاكم والمحكومين ، وبين احد الملوك ونظيره واشارت النقوش الاشورية الملكية الى الانشطة الحربية خلال حملات بعينها فى تقارير تكتب على شكل سجلات سنوية ، وتصف تلك السجلات – المرة بعد المرة – زحف الملك وجيشه الى الحرب ثم المعركة والنصر المحتم والظفر وانزال العقاب بالمهزومين ثم التقرير الختامى الذى يقدمه الملك لإلهه . وبصرف النظر عن الحقيقة فان الحرب كانت تصور باعتبارها اجراء دفاعيا او عقابيا وعملا مجيدا فى ملكية كان انتصارها يحقق باسم معبود يتخذ بشكل متزايد طابعا شكليا او رمزيا .
فمن منتصف القرن السادس قبل الميلاد ، يصف نقش على جدران قصر الملك اشورناصيربال الثانى فى نينوى كيف عاقب الملك الاشورى مدينة سورو المتمردة ثم ابتكر طريقة للتحذير من اى ثورات اخرى :
( لقد بنيت عمودا تجاه بوابة المدينة ، وسلخت جلود كل رؤساء المتمردين وغطيت العمود بجلودهم ، وعلقت بعض الجلود فى العمود والبعض القيتها فوقه وعلى العصى والبعض علقت على الاسياخ من حوله ، وسلخت الكثيرين داخل حدود ارضى ، ونشرت جلودهم على الجدران ، وقطعت اطراف الضباط والضباط الملكيين الذين تمردوا ضدى ، اما اهيا بابا ( قائد المتمردين ) فقد اخذته الى نينوى ، وسلخته هناك وعلقت جلده على جدران نينوى ( .
ويعكس الفن الاشورى هذه الوحشية وحملها الفخار الاشورى الى البلاد البعيدة . كانت تلك سياسة لنشر الرعب ممتزجة بسياسة للدعاية ، استهدفت الابقاء على الشعوب المهزومة الخاضعة ساكنة مستسلمة ، وتخويف الاعداء المحتملين بتلك الصور المنحوتة الدعائية والوحشية النفسية
اما التحول التدريجى من الحرب التى شنها اصحابها باسـم الاله الى الحرب التى تشن باسم الملك
( مع النزول بالاله الى مستوى المؤثر الرمزى الدافع ) فربما يرجع جزئيا الى تاثير الملوك المصريين الذين طوروا اشكال الدعاية الخاصة بهمم وخاصة الابنية والنصب العامة مثل الاهرام وابو الهول ، ولقد كان الفراعنة من اوائل من اعترفوا بقوة تاثير الابنية المعمارية العامة على نطاق واسع لاثبات سمو مكانة الاسرة الحاكمة ومشروعيتها ومع ذلك فلقد كانت دعايتهم الحربية مثل تلك التى صدرت عن الاشوريون متذبذبة ومبعثرة ، اذ لم يكن لها نمط متماسك ولا نظام ، واستخدم المكان الدينى لتعميق الولاء ونشر الخوف بين المحكومين
ولما كان الملوك الاقدمون يؤمنون هم انفسهم بالخرافات فقد حرصوا على ان يساندوا دعايتهم بالرعب . سواء كان ذلك فى زمن السلام او فى زمن الحرب . وبتعبير اخر ، اذا كان الدين قد انتج اصول الدعاية للحرب فان الرعب يمكن ان يعتبر منتج اصول الحرب النفسية . ولكن هذه مصطلحات حديثة ولا تصف بشكل دقيق الانشطة الرامية الى الاقناع التى قام بها الحكام القدامى ، فهى مصطلحات تفترض وجود تنظيم وفلسفة لم يكونا قد وجدا بالفعل . وليس قبل ازدهار الحضارة الاغريقية سيمكننا ان نبدأ فى رؤية مقدم كل من هذين العاملين .
وفى أوروبا القديمة كانت روما تفتقر الى المصادر الاسطورية التى اتيحت لرجال الدعاية الاغريق ، فقامت لذلك باختلاق اساطير خاصة بها حتى تتيح لمواطنيها الامثلة التى يحاكونها . ومن المؤكد ان الرومان كانوا مبدعين لا نظير لهم للدعاية الاسطورية.
ان مؤسسى روما كانا الشقيقين رومولوس وريموس ، الذين انجبتهما عذراء قتلت غيلة فاصبحا يتيمين ورعتهما وارضعتهما ذئبة . وهذه قصة دعمت كبرياء الرومان باصولهم المتواضعة ، وكان هذا نافعا بشكل خاص فى ذروة القوة الرومانية لتاكيد مدى الارتفاع الذى حققوه غير ان قصة صعودهم كانت قصة عنيفة .
وكان اداء الخدمة العسكرية( فيما كان يمكن ان يصل الى عشر حملات عسكرية سنويا ) من المؤهلات الاساسية للحصول على منصب سياسى على مدى تاريخ الجمهورية الرومانية .
ولقد كان اله روما الرئيسى هو مارس (Mars ) اله الحرب ( بالطبع ) وقد استخدم الدين وبشكل يفوق كثيرا ما حدث فى اليونان ، استخداما نفعيا بوصفه اداة للسيطرة الاجتماعية .
وكان احد الاهداف المهمة للدعاية لتوسع روما الامبراطورى هو بالتحديد القول بان الحق كان دائما الى جانب روما ، كان المعتاد ان يتولى الشعب حث الشيوخ – بعدوانية شديدة – على خوض القتال ونحن نعرف انه طوال التاريخ كله ، تكون الحرب شعبية ومحبوبة حين يكون الطرف الذى ننتمى اليه هو الطرف المنتصر ، وحينما يعتقد السكان المدنيون – بصدق – ان الحق الى جانبهم . وكان الرومان ينتصرون – فى العادة ، وقد برر النصر ان تكون القضية الرومانية هى الحق ، كما ولد النصر شعورا هائلا بالكبرياء القومية . واضافة الى الوطنية كان ثمة شعور بالعدل الفطرى والزهو بالانجاز التاريخى .
وقد وصف بوليبيوس قتل المدنيين واغتصابهم – دون تمييز – فى مدينة قرطاجة الجديدة فى اسبانيا على ايدى قوات سيبيو الافريقى خلال الحرب اليونانية الثانية (219-202 ق.م ) قائلا
( ان الهدف من هذه العادة فيما ارى هو بث الرعب فى القلوب ) .. وهذا هو ما كان ، فلقد شجع القادة الرومان وايدوا ما اشتهرت به القوات الرومانية من شراسة ووحشية ، بوصفها حيلة دعائية لاخافة الخصوم الاخرين ولعل هذا هو ما جعل سيبيو ايميليانوس خـلال الحـرب البونية الثالثة (149-146 ق.م ) يامر بقطع ايدى 400 متمرد فى اسبانيا ( على رغم انه يقال ان هذا الرجل نفسه قد بكى حينما راى قرطاجة وقد دمرت تماما فى نهاية الحرب )
ولم يحدث ابدا ان صور المؤرخون الرومان . روما فى صورة المعتدى ، عندهم قامت روما دائما بالدفاع عن مصالحها وقهرت الشعوب الاجنبية لكى تنقذها من انفسها . وقبل ان يشن اى هجوم كان المبعوثون يرسلون دائما فى محاولة متباهية لحل النزاع فى مصلحة روما بوسائل اخرى غير الحرب ، ولا تعلن روما الحرب الا اذا رفضت مثل تلك المحاولة فتعلنها بدافع ( عادل ) وبعد ان تكون الوسائل البديلة قدر جربت لـ ( انقاذ السلام ) وامثال تلك الذرائع
( لانها لم تكن سوى ذرائع فى غالب الاحوال ) هى ما اعانت روما على الدفاع عن سلامة قضيتها ، ليس فقط امام شعبها وانما امام حلفائها ومع ذلك فاذا كانت الحرب هى اكثر الوسائل فعالية فى كسب الثورة والسلطة.
وتوضح المصادر الرومانية الاكثر حصافة ان مفتاح النجاح الحربى الرومانى يكمن فى تدريب الجيوش وتنظيمها وكثيرا ما منحت هذه الحقيقة – بخاصة – للجيوش الرومانية ميزة نفسية على خصومها – ان شيئا لم ينجح مثل النجاح . فبعد ان رسخت روما شهرتها بانها قوة لا تقهر – على رغم بعض النكسات كتلك التى انزلها هانيبال بروما فى معارك بحيرة تراسمين وكانا – اصبحت روما قادرة على ان تعتمد على شهرتها بقدرتها على ان تخسر بعض المعارك احيانا وكسب الحرب على الدوام ، وكان وجود شبكة المواصلات الرومانية من الطرق البرية والبحرية والاهتمام التفصيلى بوسائل النقل والمؤن اللازمة للقوات ، كان هذا فى حد ذاته سببا فى ردع اشد المعتدين عزما فالامر هو كما اكده الكاتب الحربى الفرنسى من القرن التاسع عشر اردان دى بيك فى قوله ( لا يستحق جيش اسمه دون انضباط .. والانضباط لا يمكن صنعه ولا تثبيته فى يوام واحد ، انه مؤسسة وتقليد من التراث )
كان الانضباط والمعنويات العالية عنصرين اساسيين فيما يتعلق باسلوب شن الرومان للحرب .
وقد كان قيصر مؤمنا متشددا بالانضباط ، فعاقب – بقسوة – الهاربين من الخدمة والمتمردين ولم ينسى ابدا الدور الذى تلعبة الاموال والغنائم فى دفع الجنود الى القتال ، وكان واحدا من اوائل القادة والمسئولين الرومان الذين طبعوا صورهم على قطع النقود اثناء حياتهم ، بدلا من طبعها بعد الموت .
وكانت النقود المعدنية وسيطا مهما من وسائط حمل الدعاية الرومانية ووسيلة ثمينة لنشر صور مرئية للانتصارات الرومانية فى كل انحاء الامبراطورية .
غير ان الانضباط ظل حقيقة اساسية لا تنفصل عن الحياة العسكرية الرومانية وقد اعترف بذلك اغسطس طبقا لما قاله سيوثونيوس ، بل انه امر بتسريح الفيلق العاشر وتشتيته مجللا بالعار لعصيانه الاوامر . وكانت الوحدات او الافراد الذين ينهارون فى المعركة يصرفون من الخدمة ويسرحون . كما كان الهاربون يعدمون ، وتوقع عقوبات قاسية على من يرتكب غير ذلك من المخالفات وكان يطبق نظام الاختيار العشرى على مثل تلك الوحدات ، لكى يقتل واحد من كل عشرة جنود .
فى القرن الثالث حكم الجيش من خلال ( الامبراطور ) ومع ذلك فلم تكن الالهة الوثنية التى استخدمها الرومان استخداما بالغ النفعية – لأغراضهم الدعائية – هى التى استولت على قلوب الاباطرة المتاخرين وعقولهم . وانما كان المسيحيون هم الذين استولوا عليها . ففى البداية ساعد السلام الذى رسخه اغسطس تلميذ المسيح على نشر تعاليمه وساعدت اساليب الدعاية التى استخدموها – ما بدا فى اوله كدين فردى – على الانتشار فى الامبراطورية كلها . وربما كان السبب الذى منح هذا الدين جاذبيته انه كان موجها الى كل انسان فرد بعينه .
وفى البداية تسامحت روما مع الديانة الجديدة – مثلما فعلت مع العشرات من الديانات الاخرى ، ولكن اعلان المسيحية بانها تعترف بسلطة واحدة سامية اعلى من الدولة جعلتها تبدو فى عيون الرومان ديانة (هدامة) لأن المسيحيين رفضوا المشاركة فى عبادة الإمبراطور .













































القسم الثانى
الدعاية للحرب فى العصور الوسطى




3- قانون الفروسية

"الدين" و "الحرب" و "الفروسية" كلمات ثلاث لا يمكن فهم عقل العصور الوسطى المتاخرة من دونها وربما كانت الفروسية بعد الدين – بكلمات المؤرخ الهولندى العظيم يوهان هويزنجا – هى الاقوى بين جميع المفاهيم الاخلاقية التى سيطرت على عقل وقلب انسان العصور الوسطى المتاخرة فمنذ القرن الحادى عشر وحتى الخامس عشر كان قانون الفروسية هو ما يحدد اسلوب قتال النبلاء الغربيين وسلوكهم فى ميادين المعارك ، لقد كان مثلا اعلى او مفهوما ينبغى ان يطمح الرجال اليه على الرغم ان قدرتهم على ان يعيشوا طبقا له بالفعل كانت امرا اخر
ومع ذلك فلقد خلق القانون ( او مجموعة المبادئ Code ) اطارا / ذهنيا للمهنة العسكرية ، او خلق عقلية لم تتحكم فى السلوك فى ميدان القتال فحسب ، وانما بررت الوضع الاجتماعى والسياسى والاقتصادى الجديد للفرسان فى نظام الاشياء الذى ساد العصور الوسطى لقد كان الفرسان – وهم فى خدمة الملك – اداة لا تقدر بثمن لامتلاك السلطة ، ولقد وجد الفرسان انهم يستطيعون فى بعض الظروف ان يمارسوا عملهم الوحشى ببركة من الرب خاصة بعد عهد البابا جريجورى السابع ( 1073-1085 ) الذى حدد اصلاحه الجريجورى اسلوب الموافقة الدينية على شن الحرب وخوض القتال
وقد اعتمد القادة فى العصور الوسطى – للحصول على قواتهم على اتباعهم الذين كان دور كل منهم العسكرى ورتبته يتحددان تبعا لظروفهم الاقتصادية وبناء على قدرتهم على المجئ معهم باسلحة بعينها وكانت العلاقة بين القادة والاتباع – علاقة اقطاعية Feudal وطبقا لما قاله احد المؤرخين فانه عندما يكونون فى ميدان القتال " فان المعركة مجموعة من الالتحامات الفردية حيث يشارك قائد الجيش كمقاتل منفرد " فما الذى كان يدفع هؤلاء الرجال الى القتال ؟ انه كان دائما عملا سلبيا "العار" الذى يجلل من لا يقاتل وصمة الجبن التى لم تكن لتلحق بالفرد وحده وانما بعائلته باسرها وخاصة اذا ما تناول القصة احد الشعراء او مسجلوا الحكايات والاحداث . لقد كانت فكرة " ان من يحيى ويهرب ناجيا فانما يحيا لكى يقاتل فى يوم اخر" فكرة غريبة عن العقل الارستقراطى فى العصور الوسطى
غير انه كان من الضرورى ان يقوم المرء باكثر من مجرد الخروج الى القتال ، لقد كان عليه ان يظهر البسالة والشجاعة فى الالتحام ، كانت هذه واحدة من طرق قليلة لحيازة الشرف والمجد فى المجتمع ولكسب المكافآت المالية والترقى الاجتماعى ، كان الفرسان بوصفهم جنودا محترفين يقاتلون ليكسبوا عيشهم وكان ذلك هو سبيلهم لكى يصبح الواحد منهم ملكا او دوقا او بارونا وعلى رغم ذلك فقد كانت فؤوس القتال والسيوف مزدوجة الشفرة تؤدى الى تركيز العقل بشكل يثير الاعجاب وكان من الضرورى الحصول على بعض التامين فى شكل الدروع وبالقتال فى صفوف متراصة متقاربة وقد اكتشف فرسان الحملات الصليبية ان دروعهم لم تحقق لهم فقط الحماية فى المعركة وانما امدتهم هذه الحماية بقدر هائل من التفوق النفسى واصبحت فرصهم للقتل اكثر بكثير من احتمالات ان يقتلوا وقد تبين عدوهم ذلك ايضا فبعد هزيمته فى معركة ارسوف العام 1191 خلال الحملة الصليبية الثالثة رفض صلاح الدين ان يشتبك مع " الرجال الحديديين " تحت قيادة ريتشارد الاول مرة ثانية . وفى البداية لم يكن ثمة ترحيب بالثياب المزركشة الزاهية وذلك على رغم ان كاتبا متاخرا للتواريخ سجل انه " حينما يسيرون خارجين للقتال كان لمن يريد ان يضع الذهب والفضة حتى تسطع الشمس وتلمع على رؤوسهم فيذيب الخوف شجاعة الوثنيين " اما الجنود الفقراء المشاة الذين لم يكن باستطاعتهم ان يتحملوا تكلفة مثل هذا الترف فقد كان على الجماعة الدينية التى يعيشون فيها ان تمدهم بنظرة ذهنية الى الحرب بوصفها واجبا اجتماعيا واقتصاديا وروحيا لا يمكن تجنب القيام به إلا لقاء ثمن لا يمكن تحمله وكان اعضاء حاشية سيد ( لورد ) ما يحصلون على معاشهم من ذلك السيد وترتبط حظوظهم بحظوظه ارتباطا لا ينفصـم

وكانت الدروع التى تزين بشعار السيد .. والرايات المزخـرفة بالصليب والازيــاء الموحـدة
( الى درجة ما ) تساعد كلها فى غرس احساس بهوية مشتركة
من كل هذه الظروف نشات وتطورت مجموعة مبادئ الفروسية على رغم ان هذه المبادى كانت اكثر ارتباطا – فى العادة – بالاثرياء من الفرسان ويكتب احد كتاب التواريخ عن معركة برمبول العام 1119 بين اقل من الف فارس ان ( اثنين فحسب قتلا فى المعركة )
كانوا جميعا متسربلين بالدروع والزرد وراحوا من الجانبين يتحاشون بعضهم البعض بدافع الخوف من الرب واخوتهم فى السلاح ، وكانوا اكثر حرصا على ان ياخذوا اسرى من ان يقتلوا الهاربين . وبوصفهم جنودا مسيحيين فانهم لم يكونوا متعطشين الى دماء اخوتهم ، وانما اكتفوا بالابتهاج بالنصرمنحهم الرب اياه من اجل الكنيسة المقدسة المباركة، والسلام للمؤمنين
فان كان الفارس يعلم انه اذا وقع فى الاسر فسوف يبقى على حياته بدلا من ان يقتل ( سواء كان ذلك بدافع من الفروسية او طمعا فى الفدية ) فسوف يكون الاقل احتمالا ان يقاتل بشراسة حتى الموت اما حينما كان المسيحيون يقاتلون كفارا فان الموقف كان يختلف تماما ( وذلك على الرغم ان المرتزقة الذين استخدمهم كونتات الفلاندرز فيما بين العامين 1297 ، 1302 كانوا هدفا لانتقاد كتاب التواريخ لافتقادهم الرحمة تجاه المحاربين المسيحيين الذين ( ما كانوا يعاملون – اذا اسروا- بافضل مما تعامل به الكلاب ) وفى اثناء الحروب الصليبية حين كان الجنود يقاتلون بعيدا عن اوطانهم فان الفرار لم يكن اقل خطورة من القتال وتشهد بعض المصادر تاييد للراى القائل بانه كان الافضل للمرء ان يموت وهو يدافع عن نفسه من ان يحاول الهرب فى بلد معاد .... ولقد كان الذعر الجماعى نادرا غير شائع تماما كما فى الامر فى العصور القديمة
ان الحرب بتغيير فيليب كونتامين "ظاهرة ثقافية" وتحدد الطريقة التى تخاض بها الحرب – تحديدا دقيقا من خلال مجموعة من المعايير الخلقية والمعنوية السائدة لتى تؤثر فى الافراد المشاركين فى الحرب وفى خلال العصور الوسطى ومنذ اصبح الفرسان ذو التسليح الثقيل هم السلاح السائد فى الحرب ، تحول التدريب العسكرى للفرسان الى فن رفيع واصبح على حد وصف احد كتاب التواريخ لتدريب ابناء هنرى الثانى :
ليس من رجل رياضى يستطيع ان يقاتل بعناء وثبات دون ان يكون قد تلقى ضربات .. وكلما زادت مرات سقوطه زاد اصراره على ضروة ان يقفز واقفا على قدميه من جديد ، وكل من استطاع ان يفعل ذلك يستطيع ان يشتبك فى القتال بثقة . ان القوة المكتسبة بالتدريب لا تقدر بمال . وثمن العرق يدفع غاليا حيث يقوم معبد الظفر والانتصار
ولا يقتصر الامر على تحقيق المجد ... فالحرب كانت سبيلا جيدا لكسب المال . فلقد صاح فارس فقير قبل شن الحملة قائلا ( سينشب قتال هنا ، فالان ساكن غنيا ) وقبيل معركة خدريليوم العام 1097 راح الفرسان يتبادلون التشجيع بكلمات من نوع ( لتكونوا قلبا واحدا فى ايمانكم بالمسيح وبانتصار الصليب المقدس لانكم سوف تكونوا اثرياء اليوم اذا شاء الرب ) ومن المهم ان نتذكر ايضا ان طبقة الفرسان كانت ضئيلة العدد اذا ما قورنت بكتلة السكان الاوروبيين ولذلك فقد كان سهلا – نسبيا – ان تنتشر القيم والافكار المتعلقة باسلوب السلوك فى المعارك او فى المباريات السلمية بين طبقة متعلمة حاكمة قليلة العدد من النبلاء الذين كانوا يتحدثون جميعا لغة واحدة
وفى هذا الصدد لعب الادب دورا مهما فى تحديد العقلية الفروسية وصياغتها بين اعضاء طبقة النبلاء الارستقراطية وقد نصح احد النبلاء ابنه بان يقرأ النصوص الكلاسيكية لكى يكتشف معنى





__________________كل الحقوق ممنوحة__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.communication.akbarmontada.com
المدير
الادارة
الادارة


عدد المساهمات: 1779
تاريخ التسجيل: 08/06/2009
العمر: 26

مُساهمةموضوع: رد: دراسة حول دور الاعلام فى الحروب الحديثة   الإثنين نوفمبر 29, 2010 12:12 pm

الشرف وذلك على رغم انه ( لأسباب اكثر قوة ، يتعيين علينا نحن – الذين ندين بالمسيحية – ان نسعى الى القيام باعمال اكثر شرفا وفضيلة وان نصون انفسنا من النقائص باكثر مما كان يفعله اولئك الرومان الذين امنوا بان النفوس تموت مع الاجساد ) غير ان القراءة عن الحرب ، وخوض الحرب بالقتال فعلا هما امران مختلفان كل الاختلاف ومن منجزات الرومان التى تعلم منها فارس العصور الوسطى فضيلة النظام والانضباط ولهذا الغرض انشئت الانظمة والجماعات العسكرية الدينية ففى العام 1118 انشئت جماعة فرسان المعبد ( او الهيكل – Templars ) لكى تحرس طرق الحج بين القدس ويافا اما جماعة الاسبتارية Hospital فرسان القديس يوحنا الخيرية فى القدس التى تلقت التصريح البابوى بقيامها العام 1113 – فقد اصبحت ذات نزعة حربية اكثر تشددا العام 1130ثم تشكلت بعد ذلك جماعات علمانية عدة من الفرسان – من خارج رجال الكنيسة – مثل جماعة وسام ربطة الساق Garter التى اسسها الملك البريطانى ادوارد الثالث فى العام 1348 وقد جاء تطوير المباريات ودورات الالعاب من جانب بهدف التدريب ومن جانب اخر ( فان دورات المباريات التى اتخذت – تماما – شكل الحروب الفعلية ادت الى تدعيم كبرياء كل اقليم وزادت من التضامن المعنوى بين الوحدات العسكرية ( كما جاء عند فيربروجين وهو باحث هولندى حديث ) وهيأت مثل تلك الدورات بديلا للحروب من دون قتل – نظريا – ويقول مالكولم فال ( لقد كانت قتالا مقنعا . صورة لمعركة ، ولكنها كانت صورة شديدة الشبه بالحرب الحقيقية ) ولم يكن ممكنا تجنب سقوط ضحايا ولقد حاول الملوك والبابوات منع تلك الدورات كثيرا خاصة حين كانت تستخدم كشكل من اشكال تصفية النزاعات – او الخصومات – فى اطار طقسى ، وفى وقت متاخر فرضت قواعد اكثر صرامة واستحدثت اسلحة مثلومة او ذات اغطية قوية على نصالها لخفض عدد الضحايا – غير ان عدد من المراقبين رأوا ان السبب فى هذا كان تزايد انحلال مستوى الفرسان وتدهور قانون الفروسية .
وكانت دورات المباريات ايضا وسيلة ثمينة للصعود الاجتماعى . لقد بدأ ويليام الماريشال حياته كارستقراطى صغير بلا ارض يمكلها وفى فقر نسبى ، ولكنه صعد الى مرتبة دوق بيمبروك ووصى عرش انجلترا بفضل مهاراته وقوته القتالية التى اظهرها فى المباريات . غير ان دورات المباريات كانت ايضا ميدانا نافعا للتدريب وهيات المثاقفات الزوجية فرصة جيدة للتمرين على استخدام السيف والرمح فيما يشبه صور القتال الفردى التى كانت تحدث – تحت راية ما – فى ميدان القتال . واصبح الخصوم ( الماسورون ) او ( المهزومون ) واتبــاعهم – فى المـباريات
( اخوة فى السلاح ) واصبحت جماعات الاخوة التى تشكلت على هذا النحو عسكرية فى ميدان المعارك يضع افرادها الشعار نفسه ويشتركون فى معسكرات او قلاع واحدة بينما كانت اسماؤهم ورموزهم تسجل فى قوائم حتى يرجع اليها الناس وعند نهايات العصورالوسطى اصبح تصميم الشعارات والرموز فنا مزدهرا وتجارة رائجة ، استلهمت اصولها من ( شجرة المعارك Tree Of Battles ) التى تحولت من مجرد علامة للتعريف والاشهار الى رمز لسلالة ارستقراطية ما ولإنجازاتها
ولقد مزقت الحروب القرنين الحادى عشر والثانى عشر اللذين زودهما بنيران الحرب قانون الفروسية الذى كثيرا ما ادى الى الولع بالحرب للحرب فى ذاتها ، والى نوع من التمجيد الرومانتيكى لمهارات القتال حتى ان معجبا – زائد الحماس – لذلك القانون كتب فى وقت متاخر يقول :
يا للحرب من شئ بهيج ، اعتقد ان الرب بفضل اولئك الذين يخاطرون بحياتهم من خلال استعداهم لشن الحرب حتى يخضعوا للعدالة كل الاشرار والطغاة والغزاة والمتكبرين وكل من ينكرون المساواة الحقة . انك تحب رفيقك فى الحرب كل الحب وتفيض عيناك بالدموع حين تشعر بان خصومتك عادلة وان دمائك تثور كما ينبغى ان تثور ويمتلئ قلبك بشعور عظيم الحلاوة عندما تبصر صديقك وهو يعرض جسمه بكل بسالة لكى ينجز وينفذ امر بارئنا فتكون عندئذ مستعدا لان تنطلق لتموت او تحيا معه ، لئلا تتخلى عنه فى سبيل الحب ، فتنبثق بهجة طاغية لا يستطيع من لا يجربها ان يكون قادرا على وصف اى نوع من البهجة هى . فهل تظن ان رجلا فعل هذا يهاب الموت ؟ لانه يشعر بازدياد قوته وتساميه حتى انه لا يعرف اين هو حقا . انه لا يهاب اى شئ ؟
( لوجوفينال Le Jouvenal - كتب هذا النص فى العام 1466 )
وربما كانت هذه النظرة المصطبغة بالانفعال الوجدانى الى مفهوم العصور الوسطى للشجاعة ربما نصفها وصفا اكثر دقة لو قلنا انها تتحدث عن " التهيج " الذى تثيره المعركة فى النفوس ولكنها تمدنا بمعرفة نافذة الى المثل الاعلى الذى حدد به الرجال قانونهم للسلوك ولقد كان على القادة الحربيين فى الحقيقة ان يضمنوا الا يستولى الخوف والذعر على جنودهم بينما يحاولون ان ينشروا الفوضى وسط جنود العدو ، اما الهدف الاول فقد كان يمكن تحقيقه بواسطة التدريب والانضباط والعدد الاكثر والسلاح المتفوق وهى الوسائل التى كانت تؤدى الى تدعيم المعنويات وزيادة الثقة بالنفس بينما قد يتحقق الهدف الثانى – بشكل طبيعى –بتحقيق الاول
وتمدنا اغانى الفروسية بنوع ممتاز من التبصر بما كان يدفع رجال العصور الوسطة الى القتال ولقد لعب الدين – كما تجلى لنا من قبل – دورا مهما فى هذا السبيل – كانت الصلوات العامة ( القداس ) تقام قبل كل معركة حيث يتعين على الجنود ان يمارسوا شعائر التناول والاعتراف ( وربما يحددون وصاياهم ايضا ) وكانت الاغنيات نفسها تنشد لكى تسرى عنهم وتقوى عزائمهم فى مسيراتهم الطويلة بكلمات تذكرهم بواجباتهم الدينية وباسلافهم الامجاد . كانت تلك الاغنيات عاملا مهما من عوامل رفع المعنويات
- ذلك ان اكثر وسائل الدعاية تاثيرا هو ذلك النوع الذى يرفه ويعلم ويثير المشاعر وحضها فى ان معا ولكن الاغنيات نفسها تنبهنا ايضا الى جوانب بعينها من قانون الفروسـية ففى
( انشودة رولان ) ترتسم امامنا صورة فارس مثالى ، فلقد قيل ان رولا ن اشتبك فى قتال وسط ظروف غلابة عاهرة غير مواتية ، فاختار ان يقاتل بدلا من الفرار تماشيا مع قانون الفروسية ، فمات فى سبيل قضيته ، والحقيقة ، انه رفض طلب النجدة الى ان فاتت الفرصة بسبب الكبرياء الى حد كبير ، ومع ذلك فقد ساعدت تلك الاغنيات على الابقاء على الميزات التى كانت موضع التقدير والاعتزاز فى ذروة العصور الوسطى ، فكانت بذلك مقطوعات ملهمة – او بتعيير اخر ( نماذج للافعال )





















4- الحروب الصليبية

مع الحروب الصليبية – بشكل خاص – تحصل دراسة الداعية للحرب على اكثر الادلة خصوبة حتى زمن بداية تلك الحروب ولم تكن لدى فرسان الحملة الصليبية الاولى ( الشعبية ) التى دعا اليها البابا اوربان الثانى فى موعظة له بمدينة كليرمون العام 1095 لم تكن لديهم من معرفة عن خصومهم المسلمين سوى انهم ( كفار ) وكانت الحرب الصليبية حربا مقدسة افتى بها البابا باسم المسيح ، وبذلك فقد كانت عنفا مشروعا او مبررا وتم بناء الدعاية للقسوة الوحشية حول هذه النقطة المخلة فى تبسيطها ، على رغم ان احداثا بعينها – مثل احتراق كنيسة القبر المقدس قبل ذلك بنحو تسعين سنة – قد اثيرت ذكرياته بهدف الهاب مشاعر الناس ولكن لم يمكن العثور على اى عمل وحشى احدث عهدا من ذلك لتبرير الحملة ، او لتبرير نداء البابا اوربان الى ( هبة قلب عظيمة ) ضد الفكرة حقا لقد كان الاتراك يهددون بيزنطة بتقدمهم المتزايد فى اسيا الصغرى ، وقال اوربان فى موعظة له ( لقد اجتاح البرابرة فى نوبات هوسهم كنائس الرب فى الاقاليم الشرقية وخربوها بل لقد استولوا على مدينة المسيح المقدسة التى تزهو بما شهدته من الام المسيح وقيامته وانه لمن التجديف ان نقول انهم قد باعوها وباعوا كنائسها فى سوق الرقيق المقيت ) ويقدم لنا روبرت الراهب . الذى كان يكتب بعد تلك الاحداث ببضع سنوات نسخة من دعوة اوربان الى حمل السلاح الدعوة التى تحتوى على نوع صارخ من دعاية الاتهام بالقسوة والوحشية يقول اوربان ، ان المسلمين العرب :
قد ختنوا النصارى ، فإما ينثرون دم المختونين على مزابح الكنائس واما يصبونه فى احواض ( اجران ) المعمودية . ولقد شقوا بطون من شاءوا ان يعذبوهم حتى يموتوا ابشع ميتة وهم يمزقون ابدانهم ويقطعون اعضائهم الحيوية ، بعد ان يوثقوهم فى الاعمدة او يسحلوهم على الارض ، ويسوطوهم بالسياط ، قبل ان يقتلوهم وهم مطرحون على الارض وقد برزت احشاؤهم وقد اوثقوا البعض الى الاعمدة وصوبوا عليهم السهام . وامروا اخرين بان يمدوا اعناقهم عارية لكى يضربوها بالسيوف لكى يروا ان كان يمكن الاطاحة برؤسهم بضرب سيف واحدة . ثم ماذا اقول عن انتهاك النساء المفزع الذى يبدو الكلام عليه اكثر شرا من السكوت عنه ؟ولا تحتوى اى رواية اخرى لموعظة اوربان على مثل هذه الدعاية التصويرية الحية ، ولكن جميع الروايات تؤكد الاهمية النفسية للقدس فى العالم المسيحى . ومع هذا فلا شئ من كل ما تضمنته الموعظة يفسر توقيت الدعوة الى الحرب او يوضحه . ولقد زعم جويبرت من نوجنت انه : ( لم تكن باى من رجال الكنيسة حاجة الى ان يستنفر الناس من فوق المنبر لكى يتوجهوا الى القتال فى وقت كان كل رجل فيه يدعو جاره – ليس بالكلمات فقط وانما بالافعال التى تقدم المثال العملى – الى الوفاء بنذر القيام بتلك الرحلة . فلقد كان الجميع يتحرقون شوقا اليها ) ويفسر هذا المصدر المعاصر تلك الموجة من الحماسة العامة للحملة الصليبية الشعبية او حملة الفلاحين ، يفسرها بان الله قد قام – بشكل مباشر – بتعبئة وحشد القلب النصرانى العالمى .
اما فى الواقع الحقيقى ، فربما لعب الطمع والجشع دورا اكثر اهمية فلقد كان الكثيرون ممن اشتركوا فى تلك الحملة ، بعد ان اثارهم الدعاة الخطباء الشعبيون من الفلاحين والفرسان المعدمين – الذين لا يمتلكون اى اراض – والمجموعة المعروفة المتنافرة من المغامرين تحت قيادة والتر المفلس Walter The Penniles وبطرس الناسك Peter The Hesmit والذين افتقدوا كلا من النظام والانضباط ولم يكن من الممكن – لكل ذلك – تجنب القسوة والكارثة ، تلك هى العوامل التى توضح سبب تصرف الصليبيين الاوائل بالوحشية التى عرفت عنهم ، كانت رؤوس الاعداء تقطع وترمى داخل اسوار المدن المحاصرة او ترفع على رؤس الرماح لإخافة الاعداء الاخرين ، فهل كان ذلك مجرد قسوة ام وعيا جادا بدور الحرب النفسية ؟ لربما كان الامر مزيجا من الاثنين معا
ولا بد من تقسيم الحملة الصليبية الاولى – التى بدات بعد سنة واحدة من الحملة الشعبية التى انتهت بمذبحة على ايدى الاتراك فى معركة كيفا Civetot فى اسيا الصغرى – لابد من تفسير تلك الحملة الاولى تفسيرا بعيدا عن فكرة الانتقام او مبادئ الفروسية وقد حدد المؤرخون المحدثون اسباب الحملة الصليبية الاولى بانها : تزايد السكان فى الغرب ، وجهود الكنيسة لمنع الحروب المحلية بين الشعوب المسيحية : اضافة الى الاسباب الاقتصادية ومن المؤكد ان الكنيسة كانت حريصة على اقناع طبقة الفرسان بتحويل طاقاتها العدوانية وتوجيهها ضد غير المسيحيين ويتفق هذا مع ما اعلنه ( البابا ) اوربان فى احد خطبه Sadليتحول اولئلك الذين كانوا لصوصا فى يوم ما الى جنود من جنود المسيح ، وليحصل على جائزة الخلود الابدى اولئك الذين كانوا جنودا مرتزقة لقاء قروش زهيدة ) واذ تكلفت الحكايات الواقعية عما ارتكبه الاتراك من الاعمال الوحشية فى موقعة كيفا بشحن الفرسان الذين توجهوا الى الاراضى المقدسة العام1096 ، فربما كان دافعهم الحقيقى للرحيل هو ما شرعته الكنيسة اذ اعتبرات مهنتهم مهنة ارستقراطية ، فعززت وضعهم الاجتماعى فقد كانوا قد اكتسبوا مكانتهم هذه من خلال الحرب واصبح عليهم ان يحافظوا عليها بالحرب ايضا ، كان شن الحرب الصليبية عملا مربحا ، وكانت الارض هى ينبوع القوة والسلطة . وتزامنت كل تلك العوامل وامتزجت لكى تهيئ حقلا خصبا ، حيث تستطيع كلمات ( البابا ) اوربان ان تزدهر ومن خلال نظام ( غفران الخطايا ) اصبح بوسع الجنود ان يؤدوا مهام مهنتهم ضد ( الكفار ) بما يشاؤون من وحشية عارفين انهم لا يرتكبون بذلك ايا من الخطايا المميتة
ومن المؤكد انه بفضل اصلاحات البابا جريجورى كانت الحرب ضد ( الكفار ) طريقة متاحة للفرسان لإحراز الخلاص ، ومقبولة اكثر مما كان متاحا من قبل خيارات ، مثل دخول دير او الانضمام الى ركب للحجيج . وعلى هذا فانه يمكن النظر الى الحملات الصليبية جزئيا – باعتبارها حجا مسلحا . وفيما بعد وحد الرهبان والفرسان صفوفهم معا فى جماعة ( فرسان المعبد Templers ) وامتدح القديس برنارد الحرب قائلا ( تقدموا ، ايها الفرسان ، واثقين ، واطردوا بجسارة اعداء صليب المسيح وكونوا على ثقة من انه لا الموت ولا الحياة بقادرين على ابعادكم عن محبة الرب ) وعلى ذلك فانه لا يمكن المماحكة بشأن دور الرعايــة الدينية فى شن
( الحج المسلح ) الى القدس
وفى حصار انطاكية 1097 – 1099 الذى يعد المعركة الحاسمة للحملة الصليبية الاولى – اشتد عزم الصليبيين بسبب ما كان يشاع عن الرؤى التى تراود البعض – وهى لم تكن حادثا قليل الوقوع اثناء الحروب الصليبية كلها . وبسبب ما كان يشاع ايضا عن اكتشاف ( الرمح المقدس ) الذى كان قد اخترق جنب المسيح وبسبب ما كان يقال عن تدخل الرب نفسه . وكثيرا ما كان اغراء مدينة القدس – المقدسة – يدفع الجنود الى الهجوم على العكس من اوامر قاداتهم . واذ سقطت انطاكية فى ايديهم العام 1099 نظم الصليبيون موكبا دينيا دار حول مدينة القدس المحاصرة وصفه احد المصادر بالكلمات التالية :
( وحينما راى المسلمون العرب هذا ، تقدموا فى موكب مشابه سار فوق جدران المدينة حاملين صورة محمد ، مغطاة بقطعة من القماش ، ومرفوعة على قائم رمح . وحينما بلغ المسيحيون كنيسة القديس ستيفن اقاموا لأنفسهم قاعدة هناك مثلما هى العادة فى مواكبنا توقف المسلمون العرب على الجدران وصرخوا تجاه الاخرين ، ثم راحوا يضربون طبولهم التى تعالت منها ضجة هائلة واخذوا يسخرون من المسيحيين بكل ما استطاعوا ابتكاره من انواع الاستهزاء والسخرية ، غير ان اسوأ ما فعلوه وعلى مراى من جميع المسيحيين هو انهم راحو يضربون اكثر الصلبان قداسة ، ذلك الذى افتدى فوقه المسيح الرحيم الجنس البشرى كله بان اراق دمه





__________________كل الحقوق ممنوحة__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.communication.akbarmontada.com
المدير
الادارة
الادارة


عدد المساهمات: 1779
تاريخ التسجيل: 08/06/2009
العمر: 26

مُساهمةموضوع: رد: دراسة حول دور الاعلام فى الحروب الحديثة   الإثنين نوفمبر 29, 2010 12:12 pm

عليه بقطعة من الخشب ، ولكى يزيدوا من حزن المسيحيين اكثر واكثر ، خبطوا هذا الصليب بالجدار فتناثر حطاما مبعثرا )
ولم يكن مثل هذا الاستفزاز نادر الحدوث فى اثناء اعمال الحصار وهو ربما ساعد على تفسير قسوة الصليبيين ووحشيتهم مع اسراهم على النقيض مما بامر به عقيدة الرحمة والغفران المسيحية وسقطت القدس فى ايدى الغزاة العام 1099 وذبح المدافعون عن بكرة ابيهم
ومع امتلاء قلوب الصليبيين بالحماسة الدينية فقد عرفوا ايضا المكاسب المالية للقتال فى الشرق الاوسط الثرى .. وانما نجد فى ( اغنية انطاكية ) الكلمات التالية ( هنالك على الأرض المعشبة اما ان نفقد رؤوسنا واما ان نصبح اثرياء بالفضة والذهب البراق ، حتى اننا لن نكون بحاجة الى الاستجداء من رفاقنا ) ولكن قانون الفروسية كان يفرض ايضا الالتزام ببعض القواعد .. وخاصة حينما يقاتل مسيحى مسيحيا اخر مثله وسرعان ما اتضحت مزايا محاربة الكفرة على ارض بلادهم الغنية ..
وحاولت الحملة الصليبية الثانية التى اعلنها ودعا اليها البابا ايوجينيوس الثالث العام 1146 ان تستغل نجاح الحملة الاولى وقد توافر المبرر لشن تلك الحملة باعادة احتلال الكفار لبعض الاراضى التى كان قد تم غزوها وخاصة مدينة Edessa غير ان الاسباب الحقيقية تتطابق مع تلك التى دفعت الحملة السابقة وحركتها ومع ذلك ففى هذه المرة وجه النداء الى ابناء الصليبيين الاوائل لكى يحرزوا ما حازه اباؤهم من شرف وخلاص ( وحتى تزداد كرامة اسم المسيح فى زمننا وحتى تظل شهرة قوتكم – التى اثنى عليها العالم كله – فوق كل شبهة لا يلوثها شئ ) ومد القديس برنارد الداعى الرسمى الى الحملة الصليبية الثانية نداءه لمقاتلة المسلمين ليس فى الاراضى المقدسة فقط وانما فى اسبانيا ايضا والى مهاجمة قبائل الوثنيين السلاف فى شرق وجنوب شرق اوروبا . وفى فرنسا اقام برنارد والملك لويس السابع احتفالا بذلا فيه غاية جهدهما –فى العام 1147 – وصف بالكلمات التالية :-
ولما لم يكن ثمة مكان فى الحصن يسمح بحتواء مثل هذا الحشد الغفير – الذى تجمع – فقد اقيمت منصة خشبية فى حفل يقع خارج بلدة فيزلاى Vezlay حتى يستطيع الراهب الاكبر ان يتحدث من فوق مكان مرتفع الى الجمهور الواقف من حوله . وصعد برنارد الى المنصة بصحبة الملك الذى ارتدى ( ثيابا رسم عليها ) الصليب . وحين شرع ( القديس ) وهو الاداة الربانية – كما هى عادته – فى اطلاق فيضان رحيق الكلمات المقدسة . شرع الناس من جانب فى الصياح مطالبين بالصلبان – وحينما نثر – بدلا من ان يناول – الصلبان التى كانت معدة من قبل – تعين عليه بعد قليل ان يمزق ثيابه على شكل صلبان وان ينثرها بدوره على الناس ، وراح برنارد يجند الرجال فى اوروبا باسرها للحرب مستخدما مثل تلك الحيل الداعائية ، غير ان جهوده لم يكن مقدرا لها ان تسفر عن النصر فلقد امكن استعادة لشبونة ، ولكن الحرب ضد السلافيين كانت اقل نجاحا وفى الارضى المقدسة ارغم الصليبيون على التراجع امام دمشق وتحول المشروع كله الى ورطة وراح يتعثر ، وتم تبرير الفشل على ايدى المدافعين عن المشروع بحجة ان القوات لم تكن تستحق ان تكون منفذة لمشيئة الله
وبعد ان اوقع صلاح الدين الهزيمة بالصليبيين فى موقعة حطين العام 1187 واعاد فتح القدس شنت الحملة الصليبية الثالثة 1189 – 1192 لاستعادة الاراضى المقدسة ، ودعا البابا جريجورى الثامن العالم المسيحى للثار لضحايا ( البرابرة المتوحشين ) وتعين ان تصبح الحجج الدينية اكثر عنفا وقوة .. وبدلا من ( الخلاص الابدى ) راحت الكنيسة تعرض حمايتها للاراضى والممتلكات والسلع التجارية وبدأ التبرير القائل : ( اننا لا نبغى السلام لكى نشن الحرب ولكننا نشن الحرب لكى نحصل على السلام ) غير ان الافكار الفروسية واصلت المساهمة فى تحريك الفرسان فى ساحة القتال . ففى خلال الحملة الثالثة رفض ( الاستاذ الاكبر ) لفرسان المعبد ان يفر فى معركة عكا فلقى مصرعه على ايدى المدافعين عن المدينة ، غير انه ( مات بشرف عل الاقل ) فلو انه ولى الادبار هاربا قبل ان تسقط رايات جيشه لكان قد جلب العار ، ليس فقط على شخصه وانما على جماعته كلها من فرسان المعبد . ولا داعى لذكر ما كان سيجلبه لعائلته من خزى وعلى ذلك فان الجماعات الرهبانية القتالية : مثل جماعة فرسان المعبد كانت من جوانب عدة – تطورا للقبائل الغالية القديمة حيث كان الافراد يقاتلون الى جانب الجماعات من الناس كما لو كانوا اعضاء العائلة ذاتها ، تطبيقا لمبدأ
( الواحد للكل والكل للواحد )
وقد ادى تعرض الصليبيين للقدرات القتالية التى تمتع بها المسلمون العرب ، ادى بهم فى النهاية وبشكل حتمى الى احترام اعدائهم والى الاعجاب بهم ويحدث هذا فى غالبية الحروب حينما يتبين الجنود ان صورة اعدائهم التى رسمها لهم رجال الدعاية نادرا ما تتفق مع الحقيقة ويعجب المقاتلون بالمقاتلين اذا ما اظهروا فى ميدان المعركة الصفات والميزات التى يستطيعون ان يحترموها وان يدركوا قيمتها بفضل تدريبهم وتجربتهم وقد شهد احد المصادر فى كلامه عن معركة ضوروليوم العام 1097 بانه لو ان المسلمون قد امنوا بالروح القدس لكان من المستحيل ان نجد من هم اكثر منهم قوة او اكثر شجاعة او اكثر مهارة فى فن الحرب ، وبتعبير اخر كان الرب المسيحى هو الذى يحدد الفارق فى القيمة وفى المعنويات بين الجانبين وكان دافعهم الى مقاتلة عدو يحترمونه – وهو ما يعنى عادة عدوا يخافونه ويخشون بأسه – مستمدا من حماس الصليبيين الدينى ومن الاعتقاد بانهم يضمنون لانفسهم الفداء الالهى لانهم يسعون الى تدميرعدو المسيح ، وفى اواخر القرن الثانى عشر استخدم الروح الصليبى لتبرير شن الحرب فى مناطق اخرى غير الاراضى المقدسة فى منطقة بحر البلطيق على سبيل المثال او فى داخل نطاق العالم المسيحى نفسه وذلك فى الحملات ضد الهراطقة فكان كل من يهدد الكنيسة يجد نفسه هدفا لدعوة الى حملة صليبية .
وفى العمليات الحربية فى اواخر العصور الوسطى وفى الحروب الصليبية بشكل خاص ظهر عامل نفسى مهم فى حالات كانت مالوفة حينما يتفوق المسلمون العرب عدديا على الفرسان الصليبيين وهو العامل الذى يتمثل فى تجمع تشكيلات متراصة باحكام من الفرسان ذوى التدريع الثقيل ويصف احد المؤرخين خلال الحملة الصليبية الثالثة عام 1190 كيف يرتعب الصليبيين حين نظروا الى معسكر قوات صلاح الدين التى بدت لهم بالغة القوة ولكنهم بدأوا يتقربون لكى يلتصقوا كلا منهما بمن الى جواره بالطريقة التى كانوا قد تدربوا عليها واكتشاف العدو استحالة اختراق هذا التشكيل وتم صد الامر الذى ادى الى فك الحصار عن حصن ضاروم وقد ادت مثل هذه التكتيكات الى مساعدة الرجال على التغلب على خوفهم فيشعرون بالامان نسبيا يعرفون ان رفاقهم ودروعهم سوف تحمى حياتهم فاذا ما انكسر التشكيل كان على الرجال ان يحاولوا التجمع ثانيا ليعودوا وحدة متماسكة حول العلم او الراية ولذلك لم يكن العلم مجرد وسيلة لإعطاء اشارة الى القوات كى يتقدموا فى ساحة المعركة وانما كان العلم ايضا رمزا للمقاومة حين ينعكس مسار الاحداث وكانت قواعد فرسان المعبد تنص صراحة على انه اذا فقدت القوات عملها فانها ستصاب بصدمة ويمكن لهذا ان يؤدى لهزيمة مروعة .
وتظهر الحملات الصليبية ايضا لاهمية نفسية لوجود قائد عسكرى قدير ويصف احد المصادر ما حدث فى اثناء الحملة الصليبية الثانية فى غمار الكارثة التى وقعت تجاه دمشق حينما تمكن الامبراطور الرومانى المقدس من توجيه ضربة واحدة الى فارس مسلم مدرع ففصل جنبه كله تقريبا عن جسده ولدى وقوع هذا سقطت قلوب المواطنين الذين رأوا ما وقع بانفسهم او سمعوا بهم من الاخرين فى الخوف حتى يئسوا من المقاومة بل من الحياة نفسها ويعد ريتشارد الاول ملك انجلترا ( قلب الاسد ) مثالا ممتازا اخر فلقد كان رجلا مؤمنا بالنظام والانضباط الى حد الصرامة ولذلك فلقد حرص على ان يدافع رجاله الى السير اكثر من اللازم ولأبعد من اللازم وحرص على ان يضمن انهم مزودون بما يكفى من المؤن ويشرف بنفسه على تنفيذ الاوامر وقد كون حرس ريتشارد الخاص احدى كتائب القتال الرئيسية فى معركة ( ارسوف ) وهؤلاء هم الرجال الذين كان الملك نفسه هو الذى يتولى تسليحهم وامداداتهم وهم الذين كانوا بوسعهم ان يعتمد على ولائهم له ولكنه لم يكن محصنا من اللجوء الى الوحشية اذا اصدر اوامره بضرب اعناق 2700 من الاسرى الاتراك فى عكا حينما تاخر صلاح الدين فى اهداء الصليب المقدس اما تانكريد احد قادة الحملة الاولى وطبقا لما يرويه كاتب سيرة حياته فكان يقوم دائما بواجب الحراسة فى دوره المحدد وكثيرا ما حل بنفسه محل احد الجراحى او المجهدين وحينما لم تكن احدى الحملات تسير تحت قيادة احد الملوك الاوروبيون فان القائد العسكرى كان يختار بالانتخاب بواسطة زملائه القادة او يختار البابا بنفسه وقد جاءت زروة الدعاية الصليبية عام 1213 حين اطلق البابا انوسنت الثالث الصيحة داعيا الى الحملة الخامسة ، ووزع خطاب البابا محتويا ندائه على اتساع العالم المسيحى كله وتم نسخ الخطاب على نطاق واسع وهو الخطاب الذى قدم مجموعة من الارشادات الموجهة التى تضمن وصول الدعوة لهذه الحملة الاخيرة الى جميع ابناء العالم المسيحى بصرف النظر عن الطبقة او الوضع الاجتماعى فيقول : كيف يمكن وصف رجل بانه يحب جاره حبا لنفسه لوصية الرب حينما لا يقوم باى عمل من اجل تحرير اخوته المسيحيين – عقيدة واسما – الواقعين فى ايادى المسلمين الغادرين والذين القوا فى السجون الموحشة خافضين رؤسهم تحت مائدة اثقل انواع العبودية فيكون ( اذا لم يعمل شئ لتحريرهم ) عاصيا لامر ذلك القانون الطبيعى الذى سنه الرب فى الانجيل ، هل تقدم للاخرين ما تود ان يقدمه لك او لربما كنت لا تعرف ان ألوفا كثيرين من المسيحيين اسرى العبودية والسجون فى ايديهم تمزقهم عذابات لا حصر لها .
ثم اشار البابا . ربما لتوقيع الانتقادات من جانب جمهور اجهدته الحرب – الى ان الاراضى المقدسة كانت فى ايدى المسيحيين قبل ان ( يستولى ) عليها المسلمون
ولذلك فلتنهضوا يا ابنائى الاحباء ولتحولوا مشاجراتكم ومنافساتكم حيث يواجه الاخ اخيه الى جمعيات متحدة للسلام والمحبة ولتندفعوا الى خدمة المصلوب . ولا تترددوا فى التضحية بممتلكاتكم وبانفسكم من اجله هو الذى قدم حياته واراق دمه من اجلكم ولتكونوا واثقين ومتاكدين من انكم اذا تمتعتم بالورع الحقيقى فلسوف تحصلون على الراحة الابدية ربحا حلالا مقابل هذا الجهد الدنيوى العارض .
وحتى اولئك الذين لم ينضموا للحملة وانما اكتفوا بالمساهمة فى دفع تكاليفهم وعدوا بان تغفر لهم خطاياهم ، اما كل من اعاقوها ( وقد ضرب المثل باليهود والقراصنة ) فقد تعين طردهم وبيعهم فى سوق الرقيق ويضيف ( ولقد امرنا بان نقرا العبارات التى من هذا النوع علنا وبصوت عال فى ايام الاحاد وايام الاعياد فى جميع المدن البحرية ، كما تعين اقامة مواكب شهرية للصلاة مع الالتزام بما تقتضيه الحكمة ، وهو اعلان ما بؤكده الصليب للناس – فى اثناء سير الموكب – من ضمان الخلاص وذلك بطريقة لطيفة مشجعة وتعين من خلال القداس اليومى ان يطرح كل الحاضرين – رجالا ونساء على السواء – انفسهم ارضا فى تواضع وان ينشد الكهنة بصوت مرتفع المزمور ( ربنا ان الكفار يقتحمون ميراثك ) وتعين على كل كنيسة ان تضع صندوقا حتى يتاح للجميع ان يضعوا صدقاتهم للحملة ، كما تعين على القساوسة ان يكرسوا انفسهم باخلاص وتبتل الصلاة والدعاء ، حتى يعلموا الصليبيين بكل من الكلمة والمثال وكان على رجال الكنيسة ان يهبوا جزءا يساوى واحد على عشرين من دخل كل منهم لمدة ثلاث سنوات ، واصدر البابا امره ايضا بان يتوقف القتال الاهلى داخل العالم المسيحى لمدة اربع سنوات ، وكان من شمول وعمق حملة الدعاية – التى تم تنظيمها للحملة الصليبية الخامسة – ان قام البابا ايضا بتعيين مسؤلين يختصون بالتنبيه بعناية كبيرة وانتباه الى التفاصيل ، الى ما تضمنه التوجيهات من معان ينبغى ان تصل الى الملتقى ( عليكم ان تروجوا لقضية المسيح بحماسة وانتباه الى انكم سوف تشاركون فى الفوائد العديدة والعظيمة التى نعتقد انها سوف تنتج عنها )
ومع ذلك فقد جرت احداث الحملة الخاصة وسط تغيرات ضخمة لحقت بالعمليات الحربية فى القرون الوسطى فقد ادت التحسينات التى لحقت بادارة الدول والمركزية المتزايدة الى مساعدة الملوك على تنظيم جيوشهم وفق اسس اكثر نظامية ، والى تعبئة الجيش الدائمة والمحترفة التى كان تجنيد افرادها وتحديد اجورهم يتم على اساس التعاقد المكتوب ثم بدأ التمييز بين
( الحرب الخاصة ) التى يخوضها افراد – بعضهم ضد البعض – دون ان تلحق سوى اقل ما يمكن من الخسائر بالمجتمع المحيط وبين ( الحرب العامة ) حيث كان من الممكن اخذ اسرى واحتجازهم حتى تدفع فديتهم ، وحيث كان يمكن ايضا انتزاع ممتلكات العدو بوصفها غنائم واخذ تعويضات من السكان المحليين وبدأت الدول القومية الناشئة فى اوروبا الغربية فى استخدام الفلاحين – بشكل اكثر كفاءة – الذين اصبح بالامكان الاتيان بهم الى ساحات القتال بتكلفة منخفضة ، وذلك بفضل ابتكار النشاب CROSS BOW والقوس الطويل على الرغم من احتقار الفرسان الارستقراطيين – فى البداية – لهذا التطور الذى ادى الى زيادة الاعتماد على القتال الجماعى بدلا من القتال الفردى – غير ان المسلمين والنورمان اثبتوا على السواء قيمة الرماة وقيمة الدفاع ضد الهجوم ، وقد فرضت القلاع الحجرية والمدن المحصنة التى شيدها النورمان عبر اوروبا كلها فى القرنين الحادى عشر والثانى عشر ، فرضت تطوير الفنون الحربية والتقنيات الخاصة باعمال الحصار ، كما ان ظهور البارود فى اواخر القرن الرابع عشر واوائل القرن الخامس عشر ادى الى بدء عصر جديد لكل من الاعمال الحربية والدعاية وهو العصر الذى اصبح يرمز اليه بعبارة - الحرب المهلكة ( GUERRE MORTELLE ) حيث تصبح ممتلكات المهزومين وحياتهم تحت رحمة المنتصر
































ملخص القسم الثانى
الدعاية للحرب فى العصور الوسطى
قانون الفروسية
"الدين" و "الحرب" و "الفروسية" كلمات ثلاث لا يمكن فهم عقل العصور الوسطى المتاخرة من دونها وربما كانت الفروسية بعد الدين – بكلمات المؤرخ الهولندى العظيم يوهان هويزنجا – هى الاقوى بين جميع المفاهيم الاخلاقية التى سيطرت على عقل وقلب انسان العصور الوسطى المتاخرة فمنذ القرن الحادى عشر وحتى الخامس عشر كان قانون الفروسية هو ما يحدد اسلوب قتال النبلاء الغربيين وسلوكهم فى ميادين المعارك ، لقد كان مثلا اعلى او مفهوما ينبغى ان يطمح الرجال اليه على الرغم ان قدرتهم على ان يعيشوا طبقا له بالفعل كانت امرا اخر .
لقد كان الفرسان – وهم فى خدمة الملك – اداة لا تقدر بثمن لامتلاك السلطة ، ولقد وجد الفرسان انهم يستطيعون فى بعض الظروف ان يمارسوا عملهم الوحشى ببركة من الرب خاصة بعد عهد البابا جريجورى السابع ( 1073-1085 ).
انه كان دائما عملا سلبيا "العار" الذى يجلل من لا يقاتل وصمة الجبن التى لم تكن لتلحق بالفرد وحده وانما بعائلته باسرها وخاصة اذا ما تناول القصة احد الشعراء او مسجلوا الحكايات والاحداث .
كان من الضرورى ان يقوم المرء باكثر من مجرد الخروج الى القتال ، لقد كان عليه ان يظهر البسالة والشجاعة فى الالتحام ، كانت هذه واحدة من طرق قليلة لحيازة الشرف والمجد فى المجتمع ولكسب المكافآت المالية والترقى الاجتماعى .
ولا يقتصر الامر على تحقيق المجد ... فالحرب كانت سبيلا جيدا لكسب المال . فلقد صاح فارس فقير قبل شن الحملة قائلا ( سينشب قتال هنا ، فالان ساكن غنيا ) وقبيل معركة خدريليوم العام 1097 راح الفرسان يتبادلون التشجيع بكلمات من نوع ( لتكونوا قلبا واحدا فى ايمانكم بالمسيح وبانتصار الصليب المقدس لانكم سوف تكونوا اثرياء اليوم اذا شاء الرب ).
لعب الادب دورا مهما فى تحديد العقلية الفروسية وصياغتها بين اعضاء طبقة النبلاء الارستقراطية .
غير ان القراءة عن الحرب ، وخوض الحرب بالقتال فعلا هما امران مختلفان كل الاختلاف ومن منجزات الرومان التى تعلم منها فارس العصور الوسطى فضيلة النظام والانضباط ولهذا الغرض انشئت الانظمة والجماعات العسكرية الدينية ففى العام 1118 انشئت جماعة فرسان المعبد ( او الهيكل – Templars ) لكى تحرس طرق الحج بين القدس ويافا اما جماعة الاسبتارية Hospital فرسان القديس يوحنا الخيرية فى القدس التى تلقت التصريح البابوى بقيامها العام 1113 – فقد اصبحت ذات نزعة حربية اكثر تشددا العام 1130ثم تشكلت بعد ذلك جماعات علمانية عدة من الفرسان – من خارج رجال الكنيسة – مثل جماعة وسام ربطة الساق Garter التى اسسها الملك البريطانى ادوارد الثالث .
ولقد مزقت الحروب القرنين الحادى عشر والثانى عشر اللذين زودهما بنيران الحرب قانون الفروسية الذى كثيرا ما ادى الى الولع بالحرب للحرب فى ذاتها ، والى نوع من التمجيد الرومانتيكى لمهارات القتال حتى ان معجبا – زائد الحماس – لذلك القانون كتب فى وقت متاخر يقول :
يا للحرب من شئ بهيج ، اعتقد ان الرب بفضل اولئك الذين يخاطرون بحياتهم من خلال استعداهم لشن الحرب حتى يخضعوا للعدالة كل الاشرار والطغاة والغزاة والمتكبرين وكل من ينكرون المساواة الحقة . انك تحب رفيقك فى الحرب كل الحب وتفيض عيناك بالدموع حين تشعر بان خصومتك عادلة وان دمائك تثور كما ينبغى ان تثور ويمتلئ قلبك بشعور عظيم الحلاوة عندما تبصر صديقك وهو يعرض جسمه بكل بسالة لكى ينجز وينفذ امر بارئنا فتكون عندئذ مستعدا لان تنطلق لتموت او تحيا معه ، لئلا تتخلى عنه فى سبيل الحب ، فتنبثق بهجة طاغية لا يستطيع من لا يجربها ان يكون قادرا على وصف اى نوع من البهجة هى . فهل تظن ان رجلا فعل هذا يهاب الموت ؟ لانه يشعر بازدياد قوته وتساميه حتى انه لا يعرف اين هو حقا انه لا يهاب اى شئ ؟ وربما كانت هذه النظرة المصطبغة بالانفعال الوجدانى الى مفهوم العصور الوسطى للشجاعة ربما نصفها وصفا اكثر دقة لو قلنا انها تتحدث عن " التهيج " الذى تثيره المعركة فى النفوس .
وتمدنا اغانى الفروسية بنوع ممتاز من التبصر بما كان يدفع رجال العصور الوسطى الى القتال ولقد لعب الدين – كما تجلى لنا من قبل – دورا مهما فى هذا السبيل – كانت الصلوات العامة
( القداس ) تقام قبل كل معركة حيث يتعين على الجنود ان يمارسوا شعائر التناول والاعتراف
( وربما يحددون وصاياهم ايضا ) وكانت الاغنيات نفسها تنشد لكى تسرى عنهم وتقوى عزائمهم فى مسيراتهم الطويلة بكلمات تذكرهم بواجباتهم الدينية وباسلافهم الامجاد . كانت تلك الاغنيات عاملا مهما من عوامل رفع المعنويات .
























الحروب الصليبية
مع الحروب الصليبية – بشكل خاص – تحصل دراسة الدعاية للحرب على اكثر الادلة خصوبة حتى زمن بداية تلك الحروب ولم تكن لدى فرسان الحملة الصليبية الاولى ( الشعبية ) التى دعا اليها البابا اوربان الثانى فى موعظة له بمدينة كليرمون العام 1095 لم تكن لديهم من معرفة عن خصومهم المسلمين سوى انهم ( كفار ) وكانت الحرب الصليبية حربا مقدسة افتى بها البابا باسم المسيح ، وبذلك فقد كانت عنفا مشروعا او مبررا وتم بناء الدعاية للقسوة الوحشية حول هذه النقطة المخلة فى تبسيطها ، على رغم ان احداثا بعينها – مثل احتراق كنيسة القبر المقدس قبل ذلك بنحو تسعين سنة – قد اثيرت ذكرياته بهدف الهاب مشاعر الناس ولكن لم يمكن العثور على اى عمل وحشى احدث عهدا من ذلك لتبرير الحملة ، او لتبرير نداء البابا اوربان الى ( هبة قلب عظيمة ) ضد الفكرة حقا لقد كان الاتراك يهددون بيزنطة بتقدمهم المتزايد فى اسيا الصغرى ، وقال اوربان فى موعظة له ( لقد اجتاح البرابرة فى نوبات هوسهم كنائس الرب فى الاقاليم الشرقية وخربوها بل لقد استولوا على مدينة المسيح المقدسة التى تزهو بما شهدته من الام المسيح وقيامته وانه لمن المؤكد ان نقول انهم قد باعوها وباعوا كنائسها فى سوق الرقيق المقيت ) ويقدم لنا روبرت الراهب . الذى كان يكتب بعد تلك الاحداث ببضع سنوات نسخة من دعوة اوربان الى حمل السلاح الدعوة التى تحتوى على نوع صارخ من دعاية الاتهام بالقسوة والوحشية ، يقول اوربان ، ان المسلمين العرب : قد ختنوا النصارى ، فإما ينثرون دم المختونين على مزابح الكنائس واما يصبونه فى احواض ( اجران ) المعمودية . ولقد شقوا بطون من شاءوا ان يعذبوهم حتى يموتوا ابشع ميتة وهم يمزقون ابدانهم ويقطعون اعضائهم الحيوية ، بعد ان يوثقوهم فى الاعمدة او يسحلوهم على الارض ، ويسوطوهم بالسياط ، قبل ان يقتلوهم وهم مطرحون على الارض وقد برزت احشاؤهم وقد اوثقوا البعض الى الاعمدة وصوبوا عليهم السهام . وامروا اخرين بان يمدوا اعناقهم عارية لكى يضربوها بالسيوف لكى يروا ان كان يمكن الاطاحة برؤسهم بضرب سيف واحدة . ثم ماذا اقول عن انتهاك النساء المفزع الذى يبدو الكلام عليه اكثر شرا من السكوت عنه ؟ولا تحتوى اى رواية اخرى لموعظة اوربان على مثل هذه الدعاية التصويرية الحية ، ولكن جميع الروايات تؤكد الاهمية النفسية للقدس فى العالم المسيحى . ومع هذا فلا شئ من كل ما تضمنته الموعظة يفسر توقيت الدعوة الى الحرب او يوضحه . ولقد زعم جويبرت مـن نوجنت انه : ( لم تكن باى من رجال الكنيسة حاجة الى ان يستنفر الناس من فوق المنبر لكى يتوجهوا الى القتال فى وقت كان كل رجل فيه يدعو جاره – ليس بالكلمات فقط وانما بالافعال التى تقدم المثال العملى – الى الوفاء بنذر القيام بتلك الرحلة . فلقد كان الجميع يتحرقون شوقا اليها ) ويفسر هذا المصدر المعاصر تلك الموجة من الحماسة العامة للحملة الصليبية الشعبية او حملة الفلاحين ، يفسرها بان الله قد قام – بشكل مباشر – بتعبئة وحشد القلب النصرانى العالمى .
اما فى الواقع الحقيقى ، فربما لعب الطمع والجشع دورا اكثر اهمية فلقد كان الكثيرون ممن اشتركوا فى تلك الحملة ، بعد ان اثارهم الدعاة الخطباء الشعبيون من الفلاحين والفرسان المعدمين – الذين لا يمتلكون اى اراض – والمجموعة المعروفة المتنافرة من المغامرين تحت قيادة والتر المفلس Walter The Penniles وبطرس الناسك Peter The Hesmit والذين افتقدوا كلا من النظام والانضباط ولم يكن من الممكن – لكل ذلك – تجنب القسوة والكارثة ، تلك هى العوامل التى توضح سبب تصرف الصليبيين الاوائل بالوحشية التى عرفت عنهم ، كانت رؤوس الاعداء تقطع وترمى داخل اسوار المدن المحاصرة او ترفع على رؤس الرماح لإخافة الاعداء الاخرين ، فهل كان ذلك مجرد قسوة ام وعيا جادا بدور الحرب النفسية ؟ لربما كان الامر مزيجا من الاثنين معا
ولا بد من تقسيم الحملة الصليبية الاولى – التى بدات بعد سنة واحدة من الحملة الشعبية التى انتهت بمذبحة على ايدى الاتراك فى معركة كيفا Civetot فى اسيا الصغرى – لابد من تفسير تلك الحملة الاولى تفسيرا بعيدا عن فكرة الانتقام او مبادئ الفروسية وقد حدد المؤرخون المحدثون





__________________كل الحقوق ممنوحة__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.communication.akbarmontada.com
المدير
الادارة
الادارة


عدد المساهمات: 1779
تاريخ التسجيل: 08/06/2009
العمر: 26

مُساهمةموضوع: رد: دراسة حول دور الاعلام فى الحروب الحديثة   الإثنين نوفمبر 29, 2010 12:13 pm

اسباب الحملة الصليبية الاولى بانها : تزايد السكان فى الغرب ، وجهود الكنيسة لمنع الحروب المحلية بين الشعوب المسيحية : اضافة الى الاسباب الاقتصادية ومن المؤكد ان الكنيسة كانت حريصة على اقناع طبقة الفرسان بتحويل طاقاتها العدوانية وتوجيهها ضد غير المسيحيين ويتفق هذا مع ما اعلنه ( البابا ) اوربان فى احد خطبه Sadليتحول اولئلك الذين كانوا لصوصا فى يوم ما الى جنود من جنود المسيح ، وليحصل على جائزة الخلود الابدى اولئك الذين كانوا جنودا مرتزقة لقاء قروش زهيدة ) .
ومع امتلاء قلوب الصليبيين بالحماسة الدينية فقد عرفوا ايضا المكاسب المالية للقتال فى الشرق الاوسط الثرى .. وانما نجد فى ( اغنية انطاكية ) الكلمات التالية ( هنالك على الأرض المعشبة اما ان نفقد رؤوسنا واما ان نصبح اثرياء بالفضة والذهب البراق ، حتى اننا لن نكون بحاجة الى الاستجداء من رفاقنا ) ولكن قانون الفروسية كان يفرض ايضا الالتزام ببعض القواعد .. وخاصة حينما يقاتل مسيحى مسيحيا اخر مثله وسرعان ما اتضحت مزايا محاربة الكفرة على ارض بلادهم الغنية ..
وحاولت الحملة الصليبية الثانية التى اعلنها ودعا اليها البابا ايوجينيوس الثالث العام 1146 ان تستغل نجاح الحملة الاولى وقد توافر المبرر لشن تلك الحملة باعادة احتلال الكفار لبعض الاراضى التى كان قد تم غزوها وخاصة مدينة Edessa غير ان الاسباب الحقيقية تتطابق مع تلك التى دفعت الحملة السابقة وحركتها ومع ذلك ففى هذه المرة وجه النداء الى ابناء الصليبيين الاوائل لكى يحرزوا ما حازه اباؤهم من شرف وخلاص ( وحتى تزداد كرامة اسم المسيح فى زمننا وحتى تظل شهرة قوتكم – التى اثنى عليها العالم كله – فوق كل شبهة لا يلوثها شئ ) ومد القديس برنارد الداعى الرسمى الى الحملة الصليبية الثانية نداءه لمقاتلة المسلمين ليس فى الاراضى المقدسة فقط وانما فى اسبانيا ايضا والى مهاجمة قبائل الوثنيين السلاف فى شرق وجنوب شرق اوروبا .
وبعد ان اوقع صلاح الدين الهزيمة بالصليبيين فى موقعة حطين العام 1187 واعاد فتح القدس شنت الحملة الصليبية الثالثة 1189 – 1192 لاستعادة الاراضى المقدسة ، ودعا البابا جريجورى الثامن العالم المسيحى للثار لضحايا ( البرابرة المتوحشين ) وتعين ان تصبح الحجج الدينية اكثر عنفا وقوة .. وبدلا من ( الخلاص الابدى ) راحت الكنيسة تعرض حمايتها للاراضى والممتلكات والسلع التجارية وبدأ التبرير القائل : ( اننا لا نبغى السلام لكى نشن الحرب ولكننا نشن الحرب لكى نحصل على السلام ) .
وقد ادى تعرض الصليبيين للقدرات القتالية التى تمتع بها المسلمون العرب ، ادى بهم فى النهاية وبشكل حتمى الى احترام اعدائهم والى الاعجاب بهم ويحدث هذا فى غالبية الحروب حينما يتبين الجنود ان صورة اعدائهم التى رسمها لهم رجال الدعاية نادرا ما تتفق مع الحقيقة ويعجب المقاتلون بالمقاتلين اذا ما اظهروا فى ميدان المعركة الصفات والميزات التى يستطيعون ان يحترموها وان يدركوا قيمتها بفضل تدريبهم وتجربتهم وقد شهد احد المصادر فى كلامه عن معركة ضوروليوم العام 1097 بانه لو ان المسلمون قد امنوا بالروح القدس لكان من المستحيل ان نجد من هم اكثر منهم قوة او اكثر شجاعة او اكثر مهارة فى فن الحرب .





























الباب الثانى
الدعاية للحرب فى عصر البارود والمطبعة
وعصر الاعمال الحربية الثورية







































القسم الثالث



الدعاية للحرب فى عصر البارود والمطبعة




















5- الفنون الحربية فى عصر النهضة
تزامن ظهور الطبعة فى تطورات مهمة اخرى فى النشاط البشرى وخاصة فى مجال ادارة العمليات الحربية لقد لاحظنا من قبل وصول البارود فى اواخر العصور الوسطى على رغم تاثيره كان تاثيرا نفسيا اكثر منه تاثيرا حربيا او عسكريا ، ولكن استخدامه الحربى فى اواخر القرن الخامس عشر كان قد تم احكامه فى شكل المدفع والاسلحة التى تحمل باليد – وادت هذه بدورها – مثلما رأينا – الى نفى الطابع الشخصى عن القتال وزادت من البعد المادى بين القوات المتحاربة فقللت بذلك من الحاجة الى رفع شجاعة الرجال لكى يندفعوا الى منازلة بعضهم البعض فى الاقتتال المباشر الذى تميزت به المراحل السابقة وازداد حجم الجيوش وظهرت تكتيكات جديدة لعملية خوض المعارك وعمليات الحصار ( مثل ابتكار المعاقل الثقيلة التحصين لمقاومة نيران المدفعية بفاعلية اكبر ) حيث ضاقت المسافة الفاصلة بين الجنود والمدنيين وقد كتب احد الكتاب الانجليز فى العام 1598 قائلا ( اننا نادرا ما نرى فى ايامنا تبادل الرجال للضربات مثلما كانوا يفعلون فى الايام الخالية )
وقد ادت عمليات الحصار الحربية التى ميزت المراحل الاخيرة من حرب المائة عام الى توريط السكان المدنيين الى درجة غير مسبوقة فى بشاعات المعارك اذ اصبح من الضرورى الانتباه الى معنويات اهالى المدن المحاصرة التى تدكها نيران المدفعية تماما مثل سكان المناطق الذين وجدوا انفسهم خاضعين لجيوش الاحتلال الاجنبية وقد ظل سكان مدن النهضة فى ايطاليا – بسبب وعيهم الذاتى بتطورهم الثقافى فى مجالات الفنون والفلسفة – قابلين للتاثر العميق بالافكار العسكرية ، ففى فلورنسا على سبيل المثال اقام الحكام من اسرة الميديتشى MEDICI معارك واعمال حصار تمثيلية ، بل حاكوا مواكب الانتصارات الرومانية لكى يرفهوا عن رعاياهم – ولكى يذكروهم بالطبع – بمن هو المسئول الحاكم ، ان افضل ما يذكر الانسانية بالمدن الايطالية التى ازدهرت فيها النهضة فى القرن الخامس عشر هو منجزاتها الفنية غير ان نظرة سريعة الى الفن سوف تؤدى الى تذكيرنا بان فكرة الحرب والعنف كانت ما تزال حية وفى خير حال فقد كان الغرض من الصور فى الفن كما فى الكتابة هو التسرية والاقناع وكانت القابلية للتصديق والمعقولية ضرورية للنجاح كعهدها على الدوام ومن هنا ياتى انشغال عصر النهضة بالاسلوب ( مثل المنظور ) والمشروعية التاريخية ( التى هيات للعقل اراء وصور للماضى اقل واقعية ولكنها اكثر مصداقية ) وكان فن الخطابة والكتابة النثرية قد بلغ حد الكمال . وفى بعض المدن مثل روما البابوية ، نفذت مشروعات ضخمة لتشييد الابنية الكبيرة لتمجيد انجاز الانسان عبر الحرب وخاصة بعد توقيع اتفاقية لودى للسلام فى العام 1454 التى جاءت لايطاليا بفترة من الهدوء دامت نحو نصف قرن ، واقتداء بالتقاليد الخاصة بالصور الدينية التعبدية والمزارات والذخائر المقدسة فقد استخدمت السلطات المدنية اجساد القديسين وابطال العصور القديمة لخدمة اغراضها الخاصة ( ومن الامثلة المشهورة تمثال داوود لميكل انجلو فى فلورنسا ) لحماية المدن ولإبعاد الاعداء والشرور مما يهئ نقطة تجمع نفسية فى اوقات الازمات واستخدمت اعادة كتابة التاريخ لاستثمار عملية محاكاة امجاد الماضى الرومانى ، ودفعت الاموال للنحاتين كى ينحتوا تماثيل للقادة وهم على صهوات الخيول مثل قيصر ، بينما بدا جنود المشاة الاقل بريقا فى الظهور فى الاعمال الفنية وبخاصة فى اعمال نحات الخشب الالمانى البريخت دورر
وفى العام 1471 كتب محارب قديم من جنود حرب المائة عام يقول :
( اصبحت الحرب مختلفة جدا ففى تلك الايام حينما كان يتوافر لك ثمانية او عشرة الاف رجل كنت تعتقد انهم جيش ضخم للغاية اما اليوم فالامر مختلف تماما فالمرء لم ير ابدا جيشا اكثر عددا من جيش مولاى لورد بورجوندى ولا فى كثرة ما لديه من كل من المدفعية والذخائر من كل الانواع ، فلست معتاد ان ارى كل هذا العدد الضخم من الجنود معا فكيف تستطيع ان تمنع الفوضى والارتباك بين مثل هذه الكتلة الضحمة ؟ )
وكان الفرنسيون هم الذين استثاروا الاندفاع الى زيادة احجام الجيوش بالمثال الذى ضربوه حين اسسوا اول جيش عامل دائم فى اوروبا فيما بين العامين 1445 و 1448 يتيح كيانا دائما ومحترفا يتبع الملك مباشرة ، حيث لم تعد المكانة الاجتماعية هى التى تهيئ المرء بشكل آلى لتولى القيادة واتبعت بورجوندى هذا المثال فيما بين العامين 1465 و 1466 ومرة اخرى ادى هذا التطور الى نسف الافكار الفروسية كما ادى الى المزيد من التخصص فى الجيوش الجديدة غير الارستقراطية وساعد على هذا بشكل اكبر ازدياد استخدام المرتزقة وخاصة من السويسريين والالمان الذين جلبوا معهم اسلحة ومهارات قتالية متخصصة مثل القربينة ( وهى بندقية طويلة المدى ذات ماسورة منتفخة النهاية تساعد على استيعاب شحنة بارود ورصاص كبيرة ) والرمح المستعرض المزود بمخلب جانبى
وحينما قام الملك الفرنسى تشارلس الثامن بغزو ايطاليا فى العام 1494 فبدأ بذلك الحروب الايطالية التى انتشرت عبر اوروبا كلها بسبب المنافسة بين اسرتى هابسبرج ( النمساوية ) وفالوا ( الفرنسية ) واستمرت حتى العام 1599 ، فان جيشه لم يكن يتكون من الفرنسيين فقط وانما كان يضم ايضا مرتزقة من سويسرا واسكتلندا بل ومن ايطاليا نفسها وقد جاءت افضل قوات مرتزقة من بلدان كانت قد تمزقت وتجزات بسبب الفوضى الداخلية فكانوا رجالا لا يملكون شعورا بكبرياء ( وطنية ) وانما كانوا قد اعتادوا على العنف ، فكانوا لذلك مستعدين لأن يبيعوا مهاراتهم لمن يعرض اعلى سعر .
كان المال هو المحرك الاكبر لدى مثل هؤلاء الرجال ، فوجه مستخدموهم دعايتهم فيهم نحو الوعد بالجوائز المالية ولكن هذا لم يكن يفعل مفعوله على الدوام ، فحينما كانت المخاطر تفوق الجوائز كان المرتزقة يظهرون هشاشة ولائهم وضعفه – مثلما حدث فى العام 1525 حينما هجر السويسريون صفوف الفرنسيين قبيل معركة بافيا لانهم لم يكونوا قد حصلوا على رواتبهم وكان من الافضل الاعتماد على من يمكن الوثوق بهم من رجال تم تجنيدهم من الدول القومية البازغة ، رجال يتمتعون باليسير على الاقل مما ندعوه الان بالنزعة القومية او الوطنية ومع ذلك وعلى الرغم من دعوة ماكيافيللى الى انشاء ميليشيا المواطنين فلقد ظل الفارق والتمييز واضحين بين الجندى الذى يعد القتال هو وظيفته وبين المدنى الذى يكون واجبه ان يمول الجندى وان يؤازره .
اما بالنسبة لسؤال محاربنا القديم فان طرقا عدة قد استخدمت لمنع ( الفوضى والارتباك ) او بتغيير اخر بهدف المحافظة على المعنويات لقد حددت شارات ورايات معينة لقادة الوحدات المحترفين الجدد وتعين ان تقاتل حولها الوحدات الاصغر من الرجال ، وعلى حد قول المقال عن الفنون القالية بعنوان ( اصول الحرب ) فانه لا شئ انفع لتحقيق النصر من اطاعة اوامر الراية ، وتكفل ضابط الامدادات بوجود المؤن بشكل افضل على رغم ان وجودهم فى حد ذاته يشير الى ان المعنويات كانت مشكلة كبيرة وخاصة حين يتعلق الامر بمسالة الايواء والتسكين وفرض ارتداءالازياء الرسمية الموحدة لزيادة الاحساس بالهوية الجماعية ولكى تمنح الجنود الثقة بانهم لن يهاجموا من الخلف او يقتلوا بايدى زملائهم فى حمى المعركة ( على رغم ان الازياء الرسمية الموحدة استهدفت تعريف الجنود للاعداء ايضا ) وتطلب وجود هذا العدد الكبير من الرجال فى الميدان ابتكار طرق جديدة لاصدار الاوامر والتعليمات ولذلك حل الشفاهى محل المرئى ( خاصة ما لحق الرؤية الان من تعتيم بسبب دخان البارود ) وذلك بزيادة استخدام قارعى الطبول ونافخى الابواق او المزامير وهو ما يبدو انه كان ابتكار المرتزقة السويسريين والالمان ، وعلى حد ما كتبه احد المصادر فى القرن السادس عشر :
( ان الضجة التى تصنعها جميع الالات كانت تهدف الى اطلاق الاشارة والتنبيه للجنود لكى يضربوا احد المعسكرات او ان يتقدموا اوينسحبوا وكانت تهدف ايضا الى ملئ قلوبهم بالشجاعة والجسارة لكى يهاجموا العدو لدى ابصارهم له وان يدافعوا عن انفسهم برجولة وقوة ذلك ان الجنود يمكن ان يسيروا فى اضطراب وفوضى حتى يصبحوا معرضين لخطر الاجتياح والهزيمة )
وهكذا اصبح عازفوا الموسيقى العسكرية جزءا عضويا من المعنويات القتالية تماما مثلما كانوا فى بعض الجيوش القديمة وعلى حد ما اثبته الاستاذ هيل HALE فان هذه الموسيقى العسكرية – على رغم انتقادها انذاك لأنها ( بالغة التاثير فى اثارة الشهوة الى الدماء ) فقد كونت جزءا من عملية الاعداد الموجة ومن البيئة اللتين كانتا على المستوى ذاته من الاهمية الذى كان للازياء الرسمية وابهة المواكب برموزها او التدريب وذلك فى مجال دفع الجنود الى القتال
ومن الاساليب الاخرى لرفع المعنويات الماخوذة من العصور القديمة يبرز اسلوب الخطب الحماسية السابقة على نشوب المعارك ، وقد التفت ماكيافيللى مثل الكثيرين غيره من معاصريه – الى الوراء نحو بلاد الاغريق وروما بحثا عن الامثلة فكتب يقول :
( قد تؤكد اشياء كثيرة دمار جيش من الجيوش اذا لم يعمد القائد الى تحميس رجاله بالخطب الرنانة كل حين لانه بذلك قد يطرد خوفهم من قلوبهم ويلهب شجاعتهم ويثبت من عزائمهم ويبرز لهم ما وضع فى طريقهم من فخاخ ويعدهم بالجوائز ويعلمهم بالمخاطر وطرق الهروب منها ويوجه اللوم ويستعطف ويهدد ويوبخ ويشجع . )
ولا يوضح لنا احد كيف كان ذلك لم يتم مع قوات جيوش اكبر حجما ومتعددة القومية غير ان دروس قيصر لم تكن – بوضوح – قد ضاعت من ذهن احد القادة الذى صاح فى العام 1544
( زملائى الجنود ، فلنقاتل الان بشجاعة فاذا كسبنا المعركة فلسوف نربح مجدا وشهرة اكثر مما حقق اى واحد من رجالنا من قبل ، ان التاريخ يسجل انه حتى الان وفى كل مرة قاتل فيها الفرنسيون الالمان قتالا مباشرا فاز الالمان بالنصر ولكى نثبت اننا رجالا افضل من اسلافنا فلا بد لنا ان نقاتل بشجاعة مزدوجة لكى نقهرهم او نموت ،ولكى نجعلهم يعرفون اى نوع-نحن-من الرجال )
ثم فى حالة اذا لم يتعرف العدو عليهم من ازيائهم قام لقائد المحنك باعطائهم درسا سريعا فى كيفية الامساك بالرمح السويسرى قبل دفع الاعداء امامهم : ( وسوف ترون كيف سيهربون متعثرين ) ونادرا ما تبدى المصادر المعاصرة شكوكا فى نجاح مثل تلك الخطب ويشهد كلود دى سيسيل – بفاعليتها فيكتب قائلا انها قد غرست ( شجاعة كبيرة فى قلوب الجيش باكملة الى درجة جعلهم شجعانا كالاسود فيما كانوا حتى تلك اللحظة يصيبهم الخوف كالاغنام ) ومهما كان تاثير تلك الاستفسارات فانها اصبحت وسيطا اساسيا لتوصيل الدعاية اذا كان للرجال ان يخاطروا بحياتهم فى سبيل طموحات الملوك المتوارثة فلم يعد بمـقدور مفهــوم
( الحرب العادلة ) القديم ان يحظى بالاحترام خاصة حين قاتل المسيحيون ضد مسيحيين وقد حاول شارلس الثامن ان يبرر غزوه لايطاليا بانه سيكون مقدمة لحملة صليبية جديدة ضد الاتراك عقب انهيار القسطنطينية العام 1452 ولكن هذا لم يكن سوى دعاية فحسب ، فلقد كان الفتح هو هدفه الحقيقى مغلفا مستترا تحت قناع ادعائه المتوارث عن اسرته باحقيته فى امارة نابولى .
غير ان فكرة ( الحرب العادلة ) ظلت صامدة وكذلك الافكار الفروسية عن القتال فلقد ورث خلفاء تشارلس الثامن ،اى لويس الثانى عشر وفرانسيس الاول ( 1515 – 1547 ) ادعاءاته ومطالبه .. وقد وقع فرانسيس الاول بالفعل فى اسر الامبراطور تشارلز الخامس ( 1519 – 1556 ) فى معركة بافيا العام 1525 ودفع فديته حتى اطلق عدوه الاكبر سراحه بعد ذلك بعام وحتى 1535 كان تشارلس الخامس ما يزال يتحدى غريمه للقتال الفردى . غير ان مثل هذه الاعمال كانت فى طريقها الى الزوال تماما مثلما كانت ( المعركة الفاصلة ) التى اختفت – عمليا – من اوروبا طوال ما يقرب من القرن ، ومع ذلك فقد بقيت الصور كما هى مثلما
نرى فى اللوحة المشهورة التى رسمها تيسيان لتشارلس الخامس فى العام 1547 على رغم ان الامبراطور كان قد اصبح – حينذاك – سمينا الى الدرجة التى تمنعه من الجلوس على صهوة جواده . فقد رسمه تيسيان جالسا على جواده فى صورة فارس فاتح مدرع من العصور الوسطى .
وقبل ذلك الحين وعلى الرغم من تاثير الفلاسفة الانسيين HUMANISTS الذين مجدوا كرامة الانسان ومنجزاته الاقل عنفا فقد ظلت الحرب وسيلة مقبولة لحل المنازعات ومصدر لا ينفد للانبهار حتى بالنسبة للانسيين انفسهم فلقد كانت الحرب بالنسبة للبعض وسيلة نافعة لصرف اتجاه القلق الداخلى نحو النشاط ( الصحى اكثر ) المتمثل فى المغامرة فى الاراضى الاجنبية ولتدعيم النسيج المعنوى للسكان وشعر اخرون بالاشتياق الى وسائل بديلة لتسوية المنازعات الدولية ، واصبح المثال الاعلى فى صورة الميثاق الاوروبى الشامل والسلام العالمى اداة استخدمها الملوك للوصول الى اغراضهم الخاصة مع ما صاحب ذلك من نمو الدبلوماسية وادى هذا بدوره الى ظهور الراى القائل بان الحرب الدفاعية هى وحدها المشروعة على رغم ان ما يجعل عملا ما ، عملا ( دفاعيا ) اصبح موضعا للجدل ومصدرا للكثير من الدعاية التبريرية على حد ما كتبه احد الكتاب الانجليز فى العام 1539 :
( اننى اعرف تمام المعرفة ان واجب كل الاخيار ودورهم هو الرغبة فى السلام والوفاق والوئام المخلص بين الامة والامة ومع ذلك فاذا هاجمنا عدو ما فسوف يكون من الجنون المطبق بل سنكون اكثر من المجانين ان لم نجتهد لكى نتجنب ان نذبح اجل على رغم ان هذا قد يكون بذبح الكثيرين من الاخرين ، ان الرب لم يمنح الملوك السيف فقط لكى يعاقبوا رعاياهم حين ينحرفون وانما لكى يدافعوا عنهم ضد قوة اعدائهم العنيفة ، ولحمايتهم من السلب والنهب والعسف والقوى الاجنبية )
غير ان هذه الحجج كما هى العادة ، تعد سلاحا ذو حدين .
ومن المؤكد ان الطباعة قد جعلت تمجيد الحرب يمتد ويتطاول دون حدود ، وذلك كما اشار الاستاذ هيل HALE :
بدلا من المخطوطات التى تنساب قطرة قطرة اصبحت الكتابات التى تتناول الحرب فيضانا من المطبوعات ... واصبحت الحرب موضوع للدراسة والمناقشة عبر الغرب كله ، كلمة بكلمة ، وكتلة من حروف الطباعة وراء كتلة وصورة او لوحة وراء مثيلتها ومن دمى مباريات الرماية الى التشكيلات الكاملة من تماثيل الجنود المصنوعة من الرصاص
غير ان ما انطلق من اعمال وحشية خلال الحرب الايطالية ، خاصة ما انصب منها على السكان المدنيين هيأ اسباب عدة للقلق فعلى سبيل المثال وصف توماس مور نهب روما الوحشى فى العام 1527 بالعبارات التصويرية التالية :





__________________كل الحقوق ممنوحة__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.communication.akbarmontada.com
المدير
الادارة
الادارة


عدد المساهمات: 1779
تاريخ التسجيل: 08/06/2009
العمر: 26

مُساهمةموضوع: رد: دراسة حول دور الاعلام فى الحروب الحديثة   الإثنين نوفمبر 29, 2010 12:13 pm

اما اشراف الرجال القدامى اولئك الهراطقة الذين لم تنصب تماثليهم لكى تعلق على اعضائها الشخصية المستورة ( اجزائها الخاصة ) فقد جذبوا الكثير منها فخلعوها ورموها فى الطرقات واخرجوا البعض ( من اهل روما ) عراه وقد قيدت ايديهم خلف ظهورهم والتف حبل متين ضاغط حول اعضائهم الشخصية وقد اوقفوا لهم فى طريقهم عددا من طغاتهم حاملى الحراب المراكشية .. فيجذبون هؤلاء المساكين من اعضائهم نحو تلك الحراب ثم يكون لهوهم القاسى وضحكهم اما لرؤية الرجال العراة المبهوتين يتلوون من وخذ الحراب التى راحت تمزق اعضاءهم ، او مما يسبق الجذب العنيف من الم الى ان تدفع اجسادهم العارية لتنغرس فيها الحراب
لقد ادت الروايات عن الاعمال الوحشية – مثل هذه – الى تغذية المشاعر المعادية للحرب بين الكثيرين من المثقفين فقد ادان ارازمورس على سبيل المثال استخدام التبرير الدينى للحــرب
( لأنه لا يوجد فى الحرب شئ خير ولا شئ جميل ) واعـترف بحماقـــة استخـدام فكرة
الحرب الدينية العادلة فى عصر تتزايد فيه القوى العلمانية ولأنه ( من الذى لا يعتقد ان قضيته الخاصة هى قضية عادلة ؟ اما ماكيافيللى الاكثر عملية ونفعية فقد امن بان ( الحرب تكون عادلة حين تكون ضرورية ) ولا شك اننا نرى تحول مفهوم ( الحرب العادلة ) مع ما تحملة من تضمينات دينية ، الى مفهوم القضية العادلة ، بتبريراته العلمانية وذلك على الرغم ان الموضوع برمته قد اختلطت جوانبه واضطربت خلال الحروب الدينية التى اشعلها الاصلاح الدينى ، فالهجمات التى استهدفت مشروعية الحرب وجلالها او نبالتها قد قوبلت برد فعل قوى ومنسق اتخذ شكل ( عودة متعمدة الى تضخيم الفضائل العسكرية وانواع ابهتها وصلت الى حد نشوء عبادة ايجابية للحرب) ولا يتجلى هذا فى الادبيات المطبوعة فحسب – التى تضمنت كتب الارشادات العسكرية الاولية والمقالات والبحوث – وانما يتجلى ايضا فى الاعمال الفنية وفى زخرفة المنازل الثرية ، وعلى المقابر وفى التماثيل وقد رأى القرن السادس عشر ايضا تاسيس اولى الاكاديميات الحربية وتجدد الاهتمام بالجماعات والتنظيمات الفروسية والعروض الشعبية الجماهيرية لمسرحيات مثل مسرحية شكسبير : ( هنرى الخامس )
بيد ان هناك اختلافا كبيرا بين النظرية والتطبيق فالفجوة التى تفصل بين المفكرين النظريين فى الحرب والممارسين العمليين للعمل العسكرى هى ما يمثلها الاختلاف بين من يقرا عن الشجاعة ومن يجرب الذعر والفوضى وتتجلى شجاعته فى ميدان القتال ولقد تبين القادة العسكريون المحنكون ان مفتاح المعنويات فى ساحة القتال هو الانضباط والتدريب ولم يكن هذا بالامر السهل مع جيوش تنتمى الى خلفيات متباينة الى هذا الحد ولم تكن المشكلات ناشئة عن مجرد ( التعدد ) اللغوى بين المرتزقة ذوى القوميات العديدية ، فأولئك الذين جندوا من البلد نفسه لم يكن من المحتمل ان يبعثوا فى قادتهم الثقة فى معنوياتهم ، وقد اشتهر جنود القرن السادس عشر بصعوبة تدريبهم ، لأنهم غالبا ما كانوا يجندون فى التجمعات الريفية الفقيرة والامية والمثقلة بميراث العنف ، فكان الهروب والفوضى من الامور الشائعة ، واحتوت كتيبات التعلميات المطبوعة فى اربعينيات القرن السادس عشر على تنبيهات للجنود ، بانهم سيتعرضون لدفع غرامات عقابا على لعب القمار وللشنق عقابا على الفرار والسجن اذا لم يدفنوا برازهم فى التراب ، اما اولئك الذين لم يكونو يستطيعون القراءة ( وربما كانوا هم الاغلبية ) فكان هذه القواعد تتلى عليهم بصوت مرتفع ومن الواضح ان المعنويات كانت تتاثر بمستوى الامدادات والمسيرات الطويلة والامراض وعدم دفع المرتبات ، وغير صحيح ان مواقف قادتهم لم تكن تؤثر فى معنوياتهم اذ يزعم البعض ان تشارلس الخامس – على سبيل المثال – حين اكتشف انه لا يوجد احد من نبلائه بين الموتى الذين راحوا ضحية المرض اثناء حصار ميتز العام 1552 ، يزعم البعض انه قال : ( لا يهم ) ان مات رجاله بما انهم ليسوا سوى ( ديدان الاشجار وجراد الحشائش التى تاكل من نبات الارض )
وهكذا يتعين علينا مرة اخرى ان نطرح السؤال : ما الذى دفع الرجال الى القتال فى هذه الفترة ؟ ان الاستاذ هيل الذى يطرح الفكرة القائلة بان جيوش القرن السادس عشر شكلت مجتمعات عسكرية تميزت على ما كان حولها من المجتمعات وامتازت عنها بفضل قواعدها وسلوكها وتوجيهاتها يكتب قائلا :
( جاءت الخدمة فى الجيش بعد انفصال عن المجتمع المدنى تولد عنه نوع من التحدى ملئ بالمخاطرة ، وانطلاقا من هذا الافتراض وحده يمكننا ان نفهم لماذا امتلكت اعداد كبيرة من الرجال – وليس فقط الافراد ذو الجرأة البالغة – المعنويات التى اعانتهم على خوض القتال ثم خوضه مرة ثانية )
ولو واصلنا اعتبار الحرب ( ظاهرة ثقافية ) فان فهم الامر سيصبح اكثر سهولة ، لقد كان هناك دائما متطوعون وهم رجال يرغبون فى القتال بصرف النظر عما يقال عن بشاعات الحرب او عما يثبط الهمم عن خوضها ، وهؤلاء لا يشغلوننا هنا كما لا يشغلنا اولئك الذين ارغموا على اداء الخدمة العسكرية بسبب بقايا الالتزامات الاقطاعية ، اوبسبب ما تفرضه الدول على رعاياها ، فللمجندين ، مع ذلك دوافع مختلفة وتحثهم عوامل متباينة منها اتاحة الفرصة للسفر والارتحال ووجود قضية ايديولوجية او دينية او الوطنية او البطالة وهؤلاء جميعا - وربما كانوا هم الاغلبية – هم من كانوا قابلين للتاثر بالدعاية للجندية – هؤلاء هم الناس ( من لم تغسلهم مياه البحر ابدا ) الذين كانوا قد حرموا حتى من التعليم الاساسى الذين كان يمكن ان يعلمهم كيف يفكرون لانفسهم فاصبحوا الاكثر قابلية لان يتاثروا بالقيم الاجتماعية والثقافية السائدة ، سواء من خلال الخرافة اومن خلال السلطة ، وهم بهذا الشكل هيأوا تربة خصبة لرجال الدعاية .



































6- حركة الاصلاح وحروب الافكار الدينية

كتب فرانسيس بيكون يقـول ان الطباعة و البارود و والبوصـلة قد غــيرت صورة العالم كله
و حالته " فمن المـؤكد ان المطبعة قـد وفـرت للمدفعــية ما سـاعد على حشـد الصـفوف
و تخطيطها فى حرب دينية بين الافكار ، لم يكن لها مثيل من قبل . و يكتب احد المؤرخين قائلا " كان الاصـلاح الدينى اول حركة دينيـة تحظى بمساعدة المطبعة " و حينما قام مارتين لوثر بتثبيت اطروحاته الخمس و التسعين بالمسامير على باب كنيسة القلعة فى مدينة فيتمبرج العام 1517 ، داعيا الى اصلاح الكنيسة الكاثوليكية ، فانما كان يتصرف مثل اى مخالف عادى فى الرأى من العصور الوسطى يجادل عن رأيه . غير ان فعلته هذه قدر لها ان تكون بداية حـرب شملت قلوب و عقول اوروبا – و ما وراءها – و استخدمت كل ما كان متاحا من وسائط الاقناع . و كان الامر على حد ما كتبه الاستاذ ديكنز .A.G: Dickens .
فيما بين العامين 1517 و 1520 بيعت من مطبوعات لوثر الثلاثين ما يزيد على 300 ألف نسخة .. و بالاضافة الى علاقة هذا بانتشار الافكار الدينية ، فأنه بيدو من الصعب ان نبالغ فى اهمية المطبعة ، و التى من دونهـا ما كان لثـورة بهـذه الضخامة ان تتحقق و تكتمل ذلك انه لاول مرة فى التاريخ الانسانى حكم جمهور قارئ واسع بصحة افكار ثورية من خـلال وسـيط جماهيرى استخدم اللغات المنطوقة ( العامية ) جنبا الى جنب فنون الصحافى و رسام الصورة الساخرة .
حقا انه لمن الصعب المبالغة فى تقدير اهمية المطبعة بوصفها وسيطا لتوصيل دعاية حركة الاصلاح . و قد اعتبر لوثر اختراع جوتنبرج " أسمى عطايا الرب المباركة ، حيث يدفع الى الامام الدعوة الى الانجيل " . و لا يعنى هذا الايحاء ان الوسيط للدعاية فى العصور الوسطى – اى المنبر – قد بدأت مكانته تتدهور . فالحقيقة هى ان العكس تماما هو ما وقع . و خلال القرن السادس عشر انتعشت الدعاية من فوق المنـبر مع الاهتمام بالمواعظ و الخطب من جانب كل من الدعاة الكاثوليك و البرتستانت على السواء .
و جاء الاختلاف من خلال ما اصبح متاحا لرجال الدين من اعمال مطبوعة استخدموها كالادلة المرشدة لرسالاتهم الايدلوجية . و كانت الخطابات البابوية فيما سبق تنسخ بدقة و دأب بواسطة مجموعة منتقاه من الرهبان ، و كانت تقوم بوظيفة "الأدلة " الايدلوجية المرشدة . غير انه بفضل الطباعة اصبحت السيطرة على الرسائل ، من المنبع ، ممكنه ثم توزع على جمهور اوسـع بكثير . و ينبغـى ان نتذكر ان المواعـظ لم تكن تستهدف هدفا دينيـا فحسب ، و انما كانت وسيـلة مهمة لنقل الاخبـار المحليـة و القوميـة والدولية الى السكان ، و لاعلان القوانين و المراسـيم
و لتبرير الضرائب و لاعلان نشـوب الحرب .. و ما الى ذلك . و كانت اوائل ما طبع من الكتب مزودة بالكثير من الرسوم لتوفير الدعم البصرى / المرئى للنص المكتوب فتوسع من جمهور متلقيها بتجاوزها القادرين على القراءة . و قد ساهمت هذه ايضا فى تناقل الافكار عبر الحدود اللغوية و فى تجاوز لها ، بينما كانت الحاجة الى استخدام اللغة اللاتينية تتضاءل اهميتها مع ارتياد رجال الاصلاح البروتستانت لاستخدام الطباعة ، و خاصة طباعة الكتاب المقدس – باللغات المحليـة – و على رغم ان الطباعة و خـاصة طباعة الكتاب المقدس – باللغات المحلية و على رغم ان الطباعة كانت معرضة للكثير من اساءة استخدامها – مثلما كانت الحال فى نشر الكتابات و الصور الفاضحة المكشوفة - فانه لا يمكن التقليل من قيمتها فى تزويد الوعاظ ورجال الدين بمجموعة من الاحكام و الافكار ، الأمـر الذى ساعدهم فى نشر الرسالة الموحدة الى شعوبهم المنتشرة من بيرو الى بادوا مما يؤكد ان هذا الصراع قد صار صراعا عالميا ، و ليس مجرد سلسلة من المعارك المحلية . غير ان هذا – مرة اخرى – يعد سلاحا ذا حدين ، و ما يستطيع احدهما ان يفعله فان الحد الاخر بوسعه ان يعمل على مضاهاته ، و يكتب الاستاذ ايزنشتاين مرة اخرى عن حركة الاصلاح قائلا انها :
كانت اول حركة من اى نـوع ، دينية او علمانية تستخدم المطابع الجـديدة فى الدعاية المكشوفة
و الاثارة ضد مؤسسة مستقرة . و باصدار المنشورات و النشرات التى تهدف الى استنهاض التأييد الشعبى ، و المواجهة الى قراء لم يكونوا يتقنون اللغة اللاتينية فان رجال الاصلاح كانوا - دون ان يقصدوا – رواد الثوريين و مهيجى الشغب .
بل ان لوثر نفسه الذى ادهشه فى البداية المدى الواسع لانتشار الاهتمام بالاطروحات الاكاديمية التى كان قد اعدها لكى تطرح فى المناقشات الكنسية الداخلية قد عاد فنظر الى الطباعة باعتبارها الوسيط الذى اختاره الرب من خلال جوتنبرج لتحرير الشعب الألمانى من فساد روما . و لقد امسك البروتستانت بالقلم باعتباره السلاح الذى كان مقرر له ان يتحدى سطوة السيف و قوته .
و فيما بين العامين 1517 و 1520 كان لوثر قد اصدر ثلاثين كتيبا كبيرا اصبحت مع ترجمة للكتاب المقدس – اكثر الكتب مبيـعا . و قـد ادت هجماته على الفساد البابوى و على ثراء الأديرة و ما تتمتع به من رخاء و تساهلها و على خـرافة تحريم الزواج على القساوسة و بيع المناصب الدينية و شرائها ادت هجماته على كل هذا الى اطلاق شرارة رد فعل عنيف قيض له ان ينتشر بسرعة لافته للنظر فى المجتمع الاوروبى باكمله و لقد ارتكزت معتقدات لوثر حول رايه القائل بان الله قد تحدث الى الانسان مباشرة و ليس من خلال قساوسة محترفين و قال ان الناس جميعا قساوسة و لا ينبغى ان نفرض طقوسهم الدينية عليهم بواسطة بابوية اصابها الفساد. و بذلك فقد انكشف امر الكنيسة الكاثوليكية باعتبارها طاغية و اداة للسيطرة الاجتماعية انكرت على الانسان حقه فى التوجه مباشرة الى خالقه . و على رغم ان لوثر كان فى البداية ثوريا دون ان يقصد الى ذلك فانه قد لقى قبولا من جانب عصر من التغير كان الأفراد قد بدأو يعيدون فيه التفكير فى علاقتهم المادية و الروحية بالعالم من حولهم و سرعان ما كشف لوثر عن مهاراته بوصفة داعية من الطراز الأول و خاصة بعد ان صدر الحكم بحرمانه من الكنيسة فى العام 1520 . فقام لوثر رجل الدعاية – بشكل علنى و فيما يشبه الاحتفال العام – باحراق وثيقـة حرمانه جنبا الى جنب القوانين البابوبة وكتابات معارضيه فى العام 1520 . و بدت السرعة التى تباع بها اصداراته كانها تؤكد رايه الذى يقول فيه ان الرب نفسه يؤيد تعاليمه . اما اولئك الامراء و الملوك – و خاصة فى المانيا – يستطيعون ان ينتزعوا السيطرة على رعاياهم بواسطتها من بابا اجنبى .
و يعد اجتـماع " الدايت " فى وورمز العام 1520 الذى ادان الهطرقه اللوثرية التزم كل من البابا
و الامبراطور بمحاربة البروتستانتية بكل الوسائل المتاحـة بما فى ذلك الاضطهاد و العنف . اما السبب الذى منع الامبراطور تشارلس الخامس من ان يمنح الهرطقة انتباهه – الموزع بشكل دائم – فيرجع الى مجرد الاتساع الجغرافى لامبراطوريته و للمتاعب التى واجهها على جبهات عدة من فرنسا فى الغرب حتى الامبراطويه العثمانية فى الشرق . هذا بينما التجأ لوثر الى الكلمة فكان الأمر مثلما كتب البروفسير ايلتون يقول :
ان كان هناك خيط واحد يجرى عبر حكاية الاصــلاح باسـرها فان التأثـير المتفجر و المجدد
و كثيرا ما يكون التأثير المفكك للكتاب المقدس اذ يوضع فى ايدى الجميع من العاديين من الناس فلا يعود تفسيره مقصورا على تفسيره الى ايمان و اوهام جميع انواع البشر و الى احساسهم السليم العام و هرائهم الفريد .
و بتعبير اخر فان حركة الاصلاح الدينى خرجت من سيطرة لوثر بينما راح اخرون ممن كانوا اقل ترددا منه فى رفـع السيف مثل الامـراء الالمان و الاصـلاحيين المتطرفين يتحدون البابا و الامبراطور فلم يعد تجنب اراقة الدماء ممكنا من ثورة الفلاحين فى العام 1525 الى افراط محاكم التفتيش و تجاوزاتها فى اسبانيا و ما قام به الملك الفرنسى من اعمال اضطهاد بلا شفقة فى فرنسا و قد كتب احد المعلقين من باريس فى العام 1520 عن اصدارات لوثر يقول لا توجد كتب يتلهف الناس عليها مثل هذه .. و قـد باعت احـدى المكتبات 1400 نسخة و يتحدث الناس ببالغ الثناء على لوثر فى كل مكان غير ان سلسلة الرهبان الطويلة " و على رغم الاجراءات الرامية الى كبح التيار حتى فى هذه البلاد الاكثر اخلاصا للكاثوليكية من اى بلد اخر استمر تهريب اعمال لوثر على رغم انه لم يكن فى وسع البروتستانت ان يسيطروا باستمرار على معركة الكتب المتصاعدة . و فى عام 1534 ظهر مثبتا على جدران كل مكان فى باريس بما فى ذلك باب غرفة نوم الملك منشورا مضاد للكاثوليكية كتبه احد القساوسه المتمردين يدعو الى قراءة " المقالات الصادقة عما يحتويه القداس البابوى من انتهاكات شريرة و خطيرة و لا تغتفر تم ابتداعها فى تناقض مبـاشر مـع العشاء الاخير لربنا و شفيعنا الوحيـد و مخلصنا يسوع المسيح " و ثار غضب الملك فرانسيس الأول و ادت " مسالة الملصقات هذه " الى اطلاق رد الفعل الكاثوليكى الا الى صنع " شهداء " روما المسيحيين بروتستانت استثار ورعهم و شجاعتهم فى وجه التعذيب المفزع اعجاب الناس و احترامهم اضافة الى كوكبة كبيرة من الاصدارات التى تشيد بشجاعتهم و تمجدهم بل ان الكاثوليك انفسهم اعجبوا بشجاعتهم و خاصة حينما واصل الكثيرون منهم اطلاق مواعظهم و دعواتهم بينما كانت السنة النيران تلتهمهم و يقول احد الشهود :
لقد بكينا فى تجمعاتنا لدى عودتنا من اعدامه و استأنفنا بحث قضيته بعد موته لا عنين قضاته الظالمين الذين برروا – بالعدل – ادانته و لقد انزلت موعظته ( التى القاها ) من فوق عربة نقل السجناء ثم من فـوق المحرقـة من الاضرار اكـثر مما يستطيعه مائة من القساوسة ".
و قد ادى مثل هذا الاضطهاد الذى بلغ ذروته سيئة السمعة فى محاكم التفتيش ادى الى ارغام الكثير من البروتستانت على التخفى و ساعدتهم الكتب ( اولئك القساوسة الصامتين العاملين من اجل المحرومين من المواعظ ) على المحافظـة على عقيدتهـم فى السر و اخترقت هذه الاعمال التى يسهل اخفاؤها كل طبقات المجتمع منتشرة وسطها تساعدها الطبيعة التبشيرية للبروتستانت غير الهيابين الذين لحنوا المزامير و القوا مواعظهم حيثما اتيحت لهم الفرصة لذلك و قد كتب احدهم عن ناشر كتب من جنيف كان ينقل كتبه الى فرنسا حيث يبيعها كتب يقول :
لقد روى كثير من المؤمنين عنه كيف كان يمضى عبر الريف و كيف كان كثيرا ما ينتظر حتى اللحظة التى يشرع فيها الناس فى الحقول فى تناول وجباتهم و بعدها و يتلو ذلك بان يسأل الفلاحين المساكين ان كانوا يودون ان يصلى للرب من اجلهم و كان البعض يشعر بالراحة العظيمة و النشوة لذلك و كان البعض يدهشون لسماعهم هذا الكلام غير المألوف و اهانه البعض و طردوه لانه اظهر لهم انهم يسيرون فى طريق الهلاك ان لم يؤمنوا بالانجيل .
و لقد ساعدت مثل هذه الانشطة على نشر " الوباء اللوثرى " من مراكز مثل :
ليونز و باريس عبر فرنسا كلها الامر الذى تجلى فى تحطيم التماثيل الدينية و تدمير ايقونات الكنائس و اخـيرا حـروب فرنسا الدينية ( 1559-1598 ) . اما رد الفعل الكاثوليكى و الذى كان بعض الدعاة يمثلون رؤس رماحـه مثل جـون ايك John Eck و فريدريك نوسى Fredrick Nausee فقد دعمه قدر من الاصلاح اصبح فى النهاية " الاصلاح الدينى المضاد " غير ان البابوية لم تكن أقرت بألا تعتمد الا على وسائل الدعاية الايجابية و انما اقــرت بقيمـة الرقابة
و اهميتها فقد ادينت كتب عدة بعينها و فى العام 1527 اصدر البابا " كليمنت السابع " مرسوما يهاجم فيـه اعمال الهرطقة و قراءها . و صدرت اول قائمة من عناوين الكتب المحرمة فى انجلترا العام 1529 و بعد عام تلا ذلك اقر نظام الترخيص بطبع الكتب ( و جينما كان هنرى الثامن ما يزال كاثوليكيا قام باحراق كتب لوثر فى العام 1521 ) . و فى العام 1559 اصدرت البابوية الفهرس الخاص بالكتب المحرمة و كتب جون فوكس قائلا " اما انه يتعين على البابا ان يمحو الطباعة و اما ان تستأصله الطباعة – على المدى البعيد – عير ان التحريم و القمع فشلا فى كبح جماح المد البروتستانتى و لا شك فى ان للأعمال صوتا اعلى من صـوت الكلمات ( بشرط امكان اعلانها عنها بالقدر الكافى ) . و لذلك فالاصلاحات التى وقع اسسها " مجلس ترنت ) فيما بين 1545 و 1563 وحدها هى التى ساعدت الكنيسة الكاثوليكية على ارساء القواعد اللازمة لمحاولة استعادة سيادتها المتفوقة .





ملخص القسم الثالث
الدعاية فى عصر البارود والمطبعة
الفنون الحربية فى عصر النهضة
تزامن ظهور المطبعة فى تطورات مهمة اخرى فى النشاط البشرى وخاصة فى مجال ادارة العمليات الحربية لقد لاحظنا من قبل وصول البارود فى اواخر العصور الوسطى على رغم تاثيره كان تاثيرا نفسيا اكثر منه تاثيرا حربيا او عسكريا ، ولكن استخدامه الحربى فى اواخر القرن الخامس عشر كان قد تم احكامه فى شكل المدفع والاسلحة التى تحمل باليد – وادت هذه بدورها – مثلما رأينا – الى نفى الطابع الشخصى عن القتال وزادت من البعد المادى بين القوات المتحاربة فقللت بذلك من الحاجة الى رفع شجاعة الرجال لكى يندفعوا الى منازلة بعضهم البعض فى الاقتتال المباشر الذى تميزت به المراحل السابقة وازداد حجم الجيوش وظهرت تكتيكات جديدة لعملية خوض المعارك وعمليات الحصار ( مثل ابتكار المعاقل الثقيلة التحصين لمقاومة نيران المدفعية بفاعلية اكبر ) حيث ضاقت المسافة الفاصلة بين الجنود والمدنيين وقد كتب احد الكتاب الانجليز فى العام 1598 قائلا ( اننا نادرا ما نرى فى ايامنا تبادل الرجال للضربات مثلما كانوا يفعلون فى الايام الخالية )
وقد ادت عمليات الحصار الحربية التى ميزت المراحل الاخيرة من حرب المائة عام الى توريط السكان المدنيين الى درجة غير مسبوقة فى بشاعات المعارك اذ اصبح من الضرورى الانتباه الى معنويات اهالى المدن المحاصرة التى تدكها نيران المدفعية .
وكان الفرنسيون هم الذين استثاروا الاندفاع الى زيادة احجام الجيوش بالمثال الذى ضربوه حين اسسوا اول جيش عامل دائم فى اوروبا فيما بين العامين 1445 و 1448 يتيح كيانا دائما ومحترفا يتبع الملك مباشرة ، حيث لم تعد المكانة الاجتماعية هى التى تهيئ المرء بشكل آلى لتولى القيادة واتبعت بورجوندى هذا المثال فيما بين العامين 1465 و 1466 ومرة اخرى ادى هذا التطور الى نسف الافكار الفروسية كما ادى الى المزيد من التخصص فى الجيوش الجديدة غير الارستقراطية وساعد على هذا بشكل اكبر ازدياد استخدام المرتزقة وخاصة من السويسريين والالمان الذين جلبوا معهم اسلحة ومهارات قتالية متخصصة مثل القربينة ( وهى بندقية طويلة المدى ذات ماسورة منتفخة النهاية تساعد على استيعاب شحنة بارود ورصاص كبيرة ) والرمح المستعرض المزود بمخلب جانبى .
كان المال هو المحرك الاكبر لدى مثل هؤلاء الرجال ، فوجه مستخدموهم دعايتهم فيهم نحو الوعد بالجوائز المالية ولكن هذا لم يكن يفعل مفعوله على الدوام ، فحينما كانت المخاطر تفوق الجوائز كان المرتزقة يظهرون هشاشة ولائهم وضعفه .
اما بالنسبة لسؤال محاربنا القديم فان طرقا عدة قد استخدمت لمنع ( الفوضى والارتباك ) او بتعبير اخر بهدف المحافظة على المعنويات لقد حددت شارات ورايات معينة لقادة الوحدات المحترفين الجدد وتعين ان تقاتل حولها الوحدات الاصغر من الرجال ، وعلى حد قول المقال عن الفنون القالية بعنوان ( اصول الحرب ) فانه لا شئ انفع لتحقيق النصر من اطاعة اوامر الراية ، وتكفل ضابط الامدادات بوجود المؤن بشكل افضل على رغم ان وجودهم فى حد ذاته يشير الى ان المعنويات كانت مشكلة كبيرة وخاصة حين يتعلق الامر بمسالة الايواء والتسكين وفرض ارتداءالازياء الرسمية الموحدة لزيادة الاحساس بالهوية الجماعية ولكى تمنح الجنود الثقة بانهم لن يهاجموا من الخلف او يقتلوا بايدى زملائهم فى حمى المعركة ( على رغم ان الازياء الرسمية الموحدة استهدفت تعريف الجنود للاعداء ايضا ) وتطلب وجود هذا العدد الكبير من الرجال فى الميدان ابتكار طرق جديدة لاصدار الاوامر والتعليمات ولذلك حل الشفاهى محل المرئى ( خاصة ما لحق الرؤية الان من تعتيم بسبب دخان البارود ) وذلك بزيادة استخدام قارعى الطبول ونافخى الابواق او المزامير وهو ما يبدو انه كان ابتكار المرتزقة السويسريين والالمان .
وهكذا اصبح عازفوا الموسيقى العسكرية جزءا عضويا من المعنويات القتالية تماما مثلما كانوا فى بعض الجيوش القديمة وعلى حد ما اثبته الاستاذ هيل HALE فان هذه الموسيقى العسكرية – على رغم انتقادها انذاك لأنها ( بالغة التاثير فى اثارة الشهوة الى الدماء ) فقد كونت جزءا من عملية الاعداد الموجة ومن البيئة اللتين كانتا على المستوى ذاته من الاهمية الذى كان للازياء الرسمية وابهة المواكب برموزها او التدريب وذلك فى مجال دفع الجنود الى القتال
ومن الاساليب الاخرى لرفع المعنويات الماخوذة من العصور القديمة يبرز اسلوب الخطب الحماسية السابقة على نشوب المعارك .
ومن المؤكد ان الطباعة قد جعلت تمجيد الحرب يمتد ويتطاول دون حدود ، وذلك كما اشار الاستاذ هيل HALE :
( بدلا من المخطوطات التى تنساب قطرة قطرة اصبحت الكتابات التى تتناول الحرب فيضانا من المطبوعات ... واصبحت الحرب موضوع للدراسة والمناقشة عبر الغرب كله ، كلمة بكلمة ، وكتلة من حروف الطباعة وراء كتلة وصورة او لوحة وراء مثيلتها ومن دمى مباريات الرماية الى التشكيلات الكاملة من تماثيل الجنود المصنوعة من الرصاص )
غير ان ما انطلق من اعمال وحشية خلال الحرب الايطالية ، خاصة ما انصب منها على السكان المدنيين هيأ اسباب عدة للقلق فعلى سبيل المثال وصف توماس مور نهب روما الوحشى فى العام 1527 بالعبارات التصويرية التالية :
( اما اشراف الرجال القدامى اولئك الهراطقة الذين لم تنصب تماثليهم لكى تعلق على اعضائها الشخصية المستورة ( اجزائها الخاصة ) فقد جذبوا الكثير منها فخلعوها ورموها فى الطرقات واخرجوا البعض ( من اهل روما ) عراه وقد قيدت ايديهم خلف ظهورهم والتف حبل متين ضاغط حول اعضائهم الشخصية وقد اوقفوا لهم فى طريقهم عددا من طغاتهم حاملى الحراب المراكشية .. فيجذبون هؤلاء المساكين من اعضائهم نحو تلك الحراب ثم يكون لهوهم القاسى وضحكهم اما لرؤية الرجال العراة المبهوتين يتلوون من





__________________كل الحقوق ممنوحة__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.communication.akbarmontada.com
المدير
الادارة
الادارة


عدد المساهمات: 1779
تاريخ التسجيل: 08/06/2009
العمر: 26

مُساهمةموضوع: رد: دراسة حول دور الاعلام فى الحروب الحديثة   الإثنين نوفمبر 29, 2010 12:14 pm

وخذ الحراب التى راحت تمزق اعضاءهم ، او مما يسبق الجذب العنيف من الم الى ان تدفع اجسادهم العارية لتنغرس فيها الحراب )
لقد ادت الروايات عن الاعمال الوحشية – مثل هذه – الى تغذية المشاعر المعادية للحرب بين الكثيرين من المثقفين فقد ادان ارازمورس على سبيل المثال استخدام التبرير الدينى للحــرب ( لأنه لا يوجد فى الحرب شئ خير ولا شئ جميل ) واعـترف بحماقـــة استخـدام فكرة الحرب الدينية العادلة فى عصر تتزايد فيه القوى العلمانية ولأنه ( من الذى لا يعتقد ان قضيته الخاصة هى قضية عادلة ؟ ) اما ماكيافيللى الاكثر عملية ونفعية فقد امن بان ( الحـرب تكـون عــادلة حـين تكـون ضــرورية ) .
ولا شــك اننا نرى تحول مفهوم ( الحرب العادلة ) مع ما تحملة من تضمينات دينية ، الى مفهوم القضية العادلة ، بتبريراته العلمانية وذلك على الرغم ان الموضوع برمته قد اختلطت جوانبه واضطربت خلال الحروب الدينية التى اشعلها الاصلاح الدينى
فالهجمات التى استهدفت مشروعية الحرب وجلالها او نبالتها قد قوبلت برد فعل قوى ومنسق اتخذ شكل ( عودة متعمدة الى تضخيم الفضائل العسكرية وانواع ابهتها وصلت الى حد نشوء عبادة ايجابية للحرب) ولا يتجلى هذا فى الادبيات المطبوعة فحسب – التى تضمنت كتب الارشادات العسكرية الاولية والمقالات والبحوث – وانما يتجلى ايضا فى الاعمال الفنية وفى زخرفة المنازل الثرية ، وعلى المقابر وفى التماثيل وقد رأى القرن السادس عشر ايضا تاسيس اولى الاكاديميات الحربية وتجدد الاهتمام بالجماعات والتنظيمات الفروسية والعروض الشعبية الجماهيرية لمسرحيات مثل مسرحية شكسبير : ( هنرى الخامس ) .


حركة الاصلاح وحروب الافكار الدينية
كتب فرانسيس بيكون يقـول ان الطباعة و البارود و والبوصـلة قد غــيرت صورة العالم كله
و حالته " فمن المـؤكد ان المطبعة قـد وفـرت للمدفعــية ما سـاعد على حشـد الصـفوف
و تخطيطها فى حرب دينية بين الافكار ، لم يكن لها مثيل من قبل . و يكتب احد المؤرخين قائلا " كان الاصـلاح الدينى اول حركة دينيـة تحظى بمساعدة المطبعة " و حينما قام مارتين لوثر بتثبيت اطروحاته الخمس و التسعين بالمسامير على باب كنيسة القلعة فى مدينة فيتمبرج العام 1517 ، داعيا الى اصلاح الكنيسة الكاثوليكية ، فانما كان يتصرف مثل اى مخالف عادى فى الرأى من العصور الوسطى يجادل عن رأيه . غير ان فعلته هذه قدر لها ان تكون بداية حـرب شملت قلوب و عقول اوروبا – و ما وراءها – و استخدمت كل ما كان متاحا من وسائط الاقناع . و كان الامر على حد ما كتبه الاستاذ ديكنز .A.G: Dickens .
فيما بين العامين 1517 و 1520 بيعت من مطبوعات لوثر الثلاثين ما يزيد على 300 ألف نسخة .. و بالاضافة الى علاقة هذا بانتشار الافكار الدينية ، فأنه بيدو من الصعب ان نبالغ فى اهمية المطبعة ، و التى من دونهـا ما كان لثـورة بهـذه الضخامة ان تتحقق و تكتمل ذلك انه لاول مرة فى التاريخ الانسانى حكم جمهور قارئ واسع بصحة افكار ثورية من خـلال وسـيط جماهيرى استخدم اللغات المنطوقة ( العامية ) جنبا الى جنب فنون الصحافى و رسام الصورة الساخرة .
حقا انه لمن الصعب المبالغة فى تقدير اهمية المطبعة بوصفها وسيطا لتوصيل دعاية حركة الاصلاح . و قد اعتبر لوثر اختراع جوتنبرج " أسمى عطايا الرب المباركة ، حيث يدفع الى الامام الدعوة الى الانجيل " . و لا يعنى هذا الايحاء ان الوسيط للدعاية فى العصور الوسطى – اى المنبر – قد بدأت مكانته تتدهور . فالحقيقة هى ان العكس تماما هو ما وقع . و خلال القرن السادس عشر انتعشت الدعاية من فوق المنـبر مع الاهتمام بالمواعظ و الخطب من جانب كل من الدعاة الكاثوليك و البرتستانت على السواء .
و جاء الاختلاف من خلال ما اصبح متاحا لرجال الدين من اعمال مطبوعة استخدموها كالادلة المرشدة لرسالاتهم الايدلوجية . و كانت الخطابات البابوية فيما سبق تنسخ بدقة و دأب بواسطة مجموعة منتقاه من الرهبان ، و كانت تقوم بوظيفة "الأدلة " الايدلوجية المرشدة . غير انه بفضل الطباعة اصبحت السيطرة على الرسائل ، من المنبع ، ممكنه ثم توزع على جمهور اوسـع بكثير، و ينبغـى ان نتذكر ان المواعـظ لم تكن تستهدف هدفا دينيـا فحسب ، و انما كانت وسيـلة مهمة لنقل الاخبـار المحليـة و القوميـة والدولية الى السكان ، و لاعــلان القوانين
و المراسـيم و لتبرير الضرائب و لاعلان نشـوب الحرب .. و ما الى ذلك .
على رغم ان الطباعة و خـاصة طباعة الكتاب المقدس – باللغات المحلية و على رغم ان الطباعة كانت معرضة للكثير من اسـاءة استخدامها – مثلما كانت الحــال فى نشـر الكتابات
و الصور الفاضحة المكشوفة - فانه لا يمكن التقليل من قيمتها فى تزويد الوعاظ ورجال الدين بمجموعة من الاحكام و الافكار ، الأمـر الذى ساعدهم فى نشر الرسالة الموحدة الى شعوبهم المنتشرة من بيرو الى بادوا مما يؤكد ان هذا الصراع قد صار صراعا عالميا ، و ليس مجرد سلسلة من المعارك المحلية . غير ان هذا – مرة اخرى – يعد سلاحا ذا حدين ، و ما يستطيع احدهما ان يفعله فان الحد الاخر بوسعه ان يعمل على مضاهاته ، و يكتب الاستاذ ايزنشتاين مرة اخرى عن حركة الاصلاح قائلا انها :
كانت اول حركة من اى نـوع ، دينية او علمانية تستخدم المطابع الجـديدة فى الدعاية المكشوفة
و الاثارة ضد مؤسسة مستقرة . و باصدار المنشورات و النشرات التى تهدف الى استنهاض التأييد الشعبى ، و المواجهة الى قراء لم يكونوا يتقنون اللغة اللاتينية فان رجال الاصلاح كانوا - دون ان يقصدوا – رواد الثوريين و مهيجى الشغب .
و فيما بين العامين 1517 و 1520 كان لوثر قد اصدر ثلاثين كتيبا كبيرا اصبحت مع ترجمة للكتاب المقدس – اكثر الكتب مبيـعا . و قـد ادت هجماته على الفساد البابوى و على ثراء الأديرة و ما تتمتع به من رخاء و تساهلها و على خـرافة تحريم الزواج على القساوسة و بيع المناصب الدينية و شرائها ادت هجماته على كل هذا الى اطلاق شرارة رد فعل عنيف قيض له ان ينتشر بسرعة لافته للنظر فى المجتمع الاوروبى باكمله و لقد ارتكزت معتقدات لوثر حول رايه القائل بان الله قد تحدث الى الانسان مباشرة و ليس من خلال قساوسة محترفين و قال ان الناس جميعا قساوسة و لا ينبغى ان نفرض طقوسهم الدينية عليهم بواسطة بابوية اصابها الفساد. و بذلك فقد انكشف امر الكنيسة الكاثوليكية باعتبارها طاغية و اداة للسيطرة الاجتماعية انكرت على الانسان حقه فى التوجه مباشرة الى خالقه .





























القسم الرابع


الدعاية فى عصر الاعمال الحربية الثورية





















7- الصحافة بوصفها اداة للحرية
مثل منحنى صاعد فى رسم بيانى شهد القرن الثامن عشر توسعات فى دور الرأى العام فيما يتعلق بشئون الدولة و شهد ايضا زيادة فى درجة استخدام الصحافة – تبعا لتوسع دور الرأى العام – بوصفها اداة سياسية .
و سارعت حكومات عدة الى ادراك مغزى هذا الوضع و اذا اعتمدنا على السوابق – الحديثة الباكرة – فان تلك الحكومات اسست نظما قـوية للرقابة على تنظيم عملية تدفق الافكار . و فى انجلترا ادى ظهور الحرية البرلمانية و التسامح الدينى اللذين اعقبا " الثورة المجيـدة " التى نشبت فى العـام 1688 ادى الى ايجـاد متنفس للاختـلاف الايدلوجى و اصبحت الصحافة جزءا اساسيا من العملية السياسية الانجليزية .
اما فى فرنسا – فى ظل " النظام القديم " – فعلى الرغم من ازدهار حركة التنوير بعد موت لويس الرابع عشر فى العام 1715 فلم يمكن السماح بمثل ذلك المتنفس للتعبير الشعبى مع ما ترتب على ذلك من نتائج فادحة . و من المؤكد انه ربما امكن رؤية القدرات التحريرية التى عزاها الكثيرون الى المطبعة فى ظهور السياسة الحزبية و الديموقراطية الدستورية الانجليزية حتى انه لا يدهشنا كثيرا ان يصف هوراس و البول الصحافة بانها " مجلس برلمان ثالث " .
لقد حدث قبل قرن كامل – و اثر تاسيس اكثر من اثنى عشر كتابا اخباريا " و مجلة اخبارية اسبوعية – ان استهدفت اجراءاات اوليفر كروميل ترسيخ احتكار الدولة للأخبار التى تسيطر عليها الرقابة الحكومية و بعد اعادة الملكية وضع قانون الطباعة فى العام 1662 الصحافة تحت السيطرة البرلمانية الصارمة و عقب التسوية الثورية 1688 اظهرت الحكومة ميلا اقل لفرض الرقابة غير انه فى العام 1695 انتهى التوقيت المحدد للعمل بقانون التراخيص الذى كان " البرلمان الطويل " السابق قد فرضه و كان معنى هذا ان الصحافة اصبحت الان متحررة من اى رقابة رسمية تسبق النشر و لذلك فانه يمكن القول ان حرية الصحافة كما نفهمها اليوم قد بدأت العام 1695 و هى نظام كان يسمح بنشر اى اخبار و اى اراء فى حـدود متطلبات الامن القومى
و دون ان يكون الناشر عرضة للاتهام الجنائى وفق بنود القانون الا " بعد " النشر و اعقب هذا نمو كثيف فى اعداد الصحف فى كل من لندن و الاقاليم .
و لكن هذا لا يعنى ان البرلمان الانجليزى قد تبنى فجأة فكرة الحرية غير المحدودة للصحافة فالحقيقة انه فى العام 1712 اوجدت وسيلة جديدة للسيطرة على الصحافة مع فرض قانون طابع البريد ( او التمغة – The Stamp Act ) الذى فرض ضريبة على كل مطبوع يحتوى على اخبار عامة او معلومات او ملاحظات على الاحداث . و تزايدت قيمة الضريبة فى تناسب طردى مع حجم المطبوع الذى اصبح من المتعين بحكم القانون ان يحمل اسم الناشر و عنوانه اما تفسير ذلك فهو ان النظام القديم للرقابة السابقة على الناشر قد تبين عدم فاعليته او صعـوبة تطبيقه و هو درس كان على حكومات اوروبيه عدة ان تتعلمه باسلوب صعب و كان قانون التمغة وسلة مكنت الحكومة من السيطرة على الصحافة بفرض اعـباء مالية عليها ادت الى تحجيم حريـة الصحافة
و قد علق جوناثان سويفت بعد ذلك بوقت قصير قائلا : " لقد سقطت ( جريدة ) الاوبزرفاتور Observator و اندمجت جريدتا "ميديلز Medleys " " وفلاينج بوستFlying Post " معا . اما جريدة " اجزامينار Examinaer " فمريضة مرضا مميتا اما جريدة " سبكتاتور Spectator " فانها تقاوم و تضاعف من ثمنها و ازدات المخاوف من احتمال موت الصحافة و اشتدت بسبب تحقق السلام الاوروبى و ما اعقبه من تضاؤل حجم انباء الحرب مع توقيع معاهدة اوترخت العام 1712 التى انهت حرب الوراثه الاسبانية ثم اتفاقية السلام فى مدينة نيسات العام 1721 التى انهت الحرب الشمالية العظمى .
و مع ذلك فقد كانت نتائج قانون التمغة و اثاره قصيرة العمر فقد استمر الطلب على الاخبار الاوروبية بعد تولىجورج الأول – من بيت هانوفر – العرش البريطانى العام 1714 بينما استمر نمو السياسة الحزبيـة و الديمقراطيـة البرلمانيـة فى الداخل دون عائق و اكتشفت بعض الاصدارات الدعائية طرقا لتجنب دفع ضريبة الطابع و كتب احد المراقبين يقول " ان مثل هذه الصحف اذ تبذل كل جهد كى تظل قريبة من ذوق الرعاع فانها تساهم ربما اكثر مما تساهم به المبتكرات الاخرى فى تسميم عقول العاديين من الناس و تحويلها ضد صاحب الجلالة و فى تشوية صورة وزرائة و الحط من قدرهم و ولزعزعة السلام العام و لتلطيخ سمعة كل حكومة جيدة " .
و فى العام 1725 فرض قـانون طابع ( تمغـة ) جديد ثم فرض قانون اخر فى الـعام 1757
و لاشك فى ان مجرد الاحتياج الى اصدار مثل هذا التشريع يعد مؤشرا الى نمو الصحافة فى القرن الثامن عشر و وربما يكون قانون كابع ( التمغة) قد دفع اسعار الصحف الى الارتفاع على رغم انه لم يؤدى الى خفض اعدادها و توزيعها كما ان هذه القوانين لم تكبح نمو الصحف بوصفها الوسيط الرئيسى للدعاية فى القرن الثامن عشر .
و ربما كان افضل مثال معروف " ذا كرافتسمان The Craftsman " و هى الجريدة الرئيسية الناطـقة بلسان المعارضـة لروبرت والبول و التى كانت شعبيتها لا منافـس لها فى عشرينيات
و ثلاثينيات القرن الثامن عشر و قـال احـد المعاصرين " ان هذه الصحيفة كانت توزع ما يتراوح بين 12 و 13 الف نسخـة كل اسـبوع لكى تنـير عقـول شعـب بريطانيا العظـمى
و تحررها من الأوهام " و كانت صحيفة " ويكلى جورنال Weekly Journal " اقل شهرة و لكنها كانت تعادل الصحيفة السابقة فى شعبيتها و قد اسسها ناثيل ميست العام 1716 ووصفها احد المعاصرين بأنها " دكان للفضائح مستعد لتلقى انواع الفتن و الاتجار فيها و لن يمكن طرحها ارضا ما دام وجد عدو للدستور البريطانى قادر على ان يكتب الفضائح بالانجليزية " و اذ حرمت الحكومة من سلاح الرقابة السابقة على النشر فقـد لجـأت الى رفـع دعوى الاتهام اعمالا لقانون التشهير و القذف بل لجأت ايضا الى اسـاليب " البلطجية " المتمثلة فى ارسال " رسل الملك " لكى يحطموا المطابع و اسست الحكومة بالطبع صحفها الخاصة مثل صحيفة ال" ريفيو Review " التى اسسها هيرلى العام 1704 .
و لقد وصـف هـيرلى اخـيرا بانه رائد الدعاية و الدعاية المضـادة الحكومـية البريطانــية
و استكتب كلا من سويفت و دانييل ديفو فى جريدته التى حاولت ان تقوم بوظيفة الاعتدال فى مرحلة من الاراء المتطرفة . و من المؤكد ان ديفو – و هو اعظم صحافى انجليزى فى عصره – قد استخدمته سرا حكومة حزب الويج لكى يكتب لصحف المعارضة ( بما فى ذلك صحيفة ميست ، الويكلى جورنال ) حتى يمكن جعل النقد معتدلا و مخففا و حينما انكشف موقف ديفو الحقيقى – مما دمر سمعته – راحت الحكومة تجرب اساليب جديدة مثل شراء صحف المعارضة ( و صحيفـة لندن جـورنال London Journal من الأمثلة على ذلك ) و تحويلها الى ألسنة رسمية نشيطة . و لقد اولى روبرت والبول عناية خاصة خلال الثلاثينيات و اربيعينيات القرن الثامن عشر لتوجيه و خداع الرأى العام من خلال الصحافة ففى خلال العقد الأخير من عمر ادارته دفعـت الأجهزة السرية 50 ألف جنية استرلينى لمؤلفى الكتيبات و والصحف التى تتفق عليها وزارة الخزانة كما قام والبول بتوزيع كتيبات و صحف عدة مجانا ( مثل لندن جازيت London Gazette ) على الفئات ذات النفوذ و المؤثرة فى المجتمع و وقامت بتوزيعها ادارة البريد التى حاولت – فى مقابل ذلك – اعاقة توزيع صحف المعارضة و موادها الدائية و قد حظيت جريدة " لندن جازيت " بوضع متميز : مثل التمتع باحتـكار الانــباء الرسمية كالبيانات الملكية
و قرارات المجلس الخاص وكانت تدار مباشرة عن طريق الحكومة و مع ذلك فانها لم تحقق نجاحا جماهيريا ثم تدهورت حتى اختفت نهائيا بعد سقوط والبول العام 1742 .
ولا شئ يشجع توزيع الصحف اكثر من الحرب و فى انجلترا ازدات المبيعات زيادة كبيرة خلال حرب السنوات السبع ( 1756 – 1763 ) . و على رغـم ارتــفاع اسـعار الصحف
( و لم تكن تلك الاسعار قد حظيت باى مساعدة من خلال زيادات ضريبة التمغة ) فان الكثـيرين كانوا يشتركون فى شـراء نسخها ، و كانت تقرأ بشكل جماعى و بأصوات مرتفعة فى الأماكن العامـة مثل المقاهى و دكاكين الحلاقين و الحانات و منذ العام 1711 احصى ان كل نسخة يراها اويسمع ما تحويه عشـرون شخصا على الأقـل . و قد كتـب إدموند بيرك ( 1729- 1797 )
و هو محرر مجلة " السجل السنوى Annual Register " قائلا " ان الصحف اداة اكثر اهمية بكثير مما يتخيله الغالبية العظمى من الناس " و على رغم ذلك فان الصحف فى انجلترا كانت تنشر – فعلا – كل ما كانت تريد ان تنشره الأمر الذى جعل بوسع لورد كامدين يعلق – بقدر ملحوظ من الثقة – قائلا " ان الصحف محملة بالكثير من سموم الزيف الى الدرجة التى تجعلنى عاجزا تمام عن تمييز الحقيقة و معرفتها " و لكن مثلما كتب الاستاذ ليفى قائلا : " إن الصحافة التى كانت هـدفا للرقابة ذات يوم قد وضعت الحكومة تحت رقابتها ... و قـد استخدمت ( الحكومة ) الصحافة و اعانتها بالامـوال ووجهت اليها الاتهامـات و لكنها لم تستطع ان تسيطر عليها " . و فى حالات استخدام السياسين للصحافة فى خدمة اغراضهم السياسية الخاصة مثل استخدام جون ويلكيز (1727 – 1797 ) لصحيفة ( نورث بريتون North Briton ) فأن الصحيفة تفصح عن نقده للمرحلة بأكثر مما تعبر عن المرحلة ذاتها ، و لذلك فان على المؤرخين ان يتعاملوا مع مثل هذه المصادر – فى الصحف – بحذر بالغ و ذلك على الرغم مما يزعمه ماكولى من ان " التاريخ الحقيقى لدولة ما يوجد فى صحفها " ففى انجلترا قدمت الصحافة منفذا للإنشقاق على الحكومة الدستورية و انتقادها ، مما يشكل قوة تحريرية دون اللجوء الى التغيير العنيف .

























8- الثورة الفرنسية والحروب النابوليونية

لقد ظهر لنا فى حالة لويس الرابع عشر ان الرقابة الرسمية فى حد ذاتها لا تكفى لمنع تدفق الأفكار الهدامه و خاصة من خارج البلاد . و فى عصر التنوير استخدم مجرد وجود نظام رقابى صارم و قاس فى فرنسا بوصفة بؤرة اضافية يتجمع فيها نقد " النظام القديم " اما فى انجلترا ، فربما كانت الصحافة قد اصبحت حرة نسبيا – بالمقارنة – فى توجيه النقد ، فأصبحت بذلك مصدر ازعاج و مضايقة مستمرة للحكومة و لكنها هيأت متنفسا للآراء المخالفة و المنشقة التى كان من الممكن ان يؤدى احباطها الى استثـارة اعمال اكثر تطرفا و قد اصبح من المعتاد الظن بان غياب مثل هذا التحول " الديمقراطى " فى فرنسا قد ساهم فى انفجار الثورة الفرنسية العام 1789 . غير ان البحوث الحديثة اثبتت انه على الرغم من الرقابة فان صحافة القرن الثامن عشر الفرنسية كانت اكثر نشاطا و فاعلية فى نقل الأفكار السياسية و اشاعتها مما كان معروفا من قبل . و كانت تحديات السلطة الملكية اكثر وضوحا فى الكتب و فى دوريات تلك المرحلة و جرائدها لقد منعت الرقابة الرسمية التوزيع و الانتشار على النطاق الذى عرفناه فى انجلترا غير انه من المؤكد ان الاصـدارات السرية او تلك التى سمح بها قد خدمت – أو اوصلت خدماتها – الى نخبة من الجمهور القارئ الذى خرج من وسط كل من الارستقراطــية و البرجوازية المتعلمة .
و مثلما اظهرت طائفة الجانسنيين بعد العام 1750 ، فان نقاد السلطة الملكية اصبجوا قادرين على نشر الافكار المتعلقة بالنزعة الدستورية و الحاجة الى مؤسسات نيابية وسط جمهور اكثر اتساعا . و قد ردت الحكومة على ذلك بالاسلوب الوحيد الذى تعرفه : بالقمع و بالتعلق بخط دعائى يزداد فراغا باستمرار ، يصر على ان الملكية المطلقة تعرف ما هو الأفضل و الأكثر خيرا لمواطنيها ، و انه لا ينبغى ان يستمر الجدل اكثر من ذلك حول هذا الموضوع .
و قد صـدر مرسـوم ملكى فى العـام 1764 حرم ، على اســاس القانــون " المذكـرات
و المشروعات التى يضعها اشخاص لا صفة لهم يعلنون على العامة بحرية تلك المشروعات بدلا من تسليمها الى الاشخـاص القـادرين – بحكم مراكزهم – على الحكم عليها " . و مع ذلك ففى العام نفسـه قلل فولتير من تأثير الكتب فى " القاموس الفلسفى " الشهير و هو اقرب الى ان يكون دليلا لحركة التنوير . و فى مدخل ( من القاموس ) عنوانه " حرية الصحافة " دافع فولتير عن الحاجة الى وجود رقابة من جانب الدولة ، و استهزأ ساخرا من حـرية الصحافــة فى بريطانيا
و وهولندا التى دفعتها الى " انحلال مرعب " و أصر على ان اكثرية الكتب مضجرة مملـة ضئيلة التأثـير : أوه ، إنك تخـبرنى بأن كتب لوثر و كالفين قد دمرت الدين الرومانى و وقسما من اوروبا . كلا ان روما لم تهزمها الكتب . و انما هزمت لانها دفعت اوروبا الى الثورة بسبب ما كانت تقوم به من نهب و بسبب بيع صكوك الغفران و بسبب حطها من شأن البشر و تحقيرها لهم و برغبتها فى ان تحكم كما لو كانوا حيوانات مستأنسة و بإساءة استخدامها لسلطتها الى درجة مبالغ فيها حتى انه يدهشنا انها تمكنت من الاحتفاظ حتى بقرية واحدة .
و على رغم ان تلك السطور احتوت على درس موجه الى لويس السادس عشر فان مقال فولتير امتلأ يالتناقضات الى درجة عجيبة . ففى المقال نفسه اعترف بان انجلترا و هولندا قد سيطرتا " على تجارة العالم كله " و اشار الى خطورة كتابات سبينوز . و لا يدهشنا ان لويس الخامس عشر لم يستطع – بمثل هذه النصيحة – ان ينظم بيته . فلقد فشلت محاولات الاصلاح – و خاصة للجوانب المالية فشلا ذريعا . و وباختصـار فانـه لم يماثل فشل جهاز الدعايــة و الرقابــة
و الرقابةالتابع للنظام القديم الا فشل حكومته .





__________________كل الحقوق ممنوحة__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.communication.akbarmontada.com
المدير
الادارة
الادارة


عدد المساهمات: 1779
تاريخ التسجيل: 08/06/2009
العمر: 26

مُساهمةموضوع: رد: دراسة حول دور الاعلام فى الحروب الحديثة   الإثنين نوفمبر 29, 2010 12:15 pm


و لقد صح ما تنبأت به مدام دى بيناى فى العام 1771 من ان " ما يحصل عليه الشعب من معرفة لابد ان يؤدى الى الثورة عاجلا او اجلا " .
و قد تلقى نمو الدعاية المناهضة للملكية التى أوصلت الشعب " فقه الادارة " دفعة قوية خلال الثورة الأمريكية حينما سمح الدعاة الحكوميون لكراهيتهم التقليدية لانجلترا بان تعمى ابصارهم عن اخطار الترويج للقضية الجمهورية الأمريكية . و بتعبير اخر فان " النظام القديم" سـاهم – بغباء – فى دعم حجج خصومه فساهم بالتالى فى غروب شمسه و اندثاره . و تحقق ما كتبه مونسكيو و كتابه " روح القوانين " العام 1748 حاملا فى ذهنه مثال انجلترا : انه لأمر قليل غالبا – فى امه حره – مسألة ما اذا كان تفكير الافراد جيدا او ورديئا . اذ يكفى انهم يعقلــون
و يفكرون فمن هنا تنشأ الحرية التى تضمن نتائج هذا التفكير . و وبالمثل فان التفكير جيدا كان او رديئا لأمر ضار و مؤذ الى اقصى حد فى حكومة استبدادية فانه يكفى ان يفكر شخص واحد لكى تهتز القاعدة ذاتها التى تقف عليها الحكومة .
و لقد كان هذا تشخيصا دقيقا فلابد من ان تتساهل الحكومات الديموقراطية فتسمح بصحافة حرة بصرف النظر عما نوجهه لها من نقد و هذا معيار لمدى ديموقراطيتها . اما الحكومات الاستبدادية فلا ترى انه ينبغى لها ذلك . اذ تكون حرية الصحافة علامة علاى ضعفها . و وبذلك فلابد من ان تكون لك سيطرة كاملة على وسائل الاعلام بدعمها الإرهاب أو ان تتضاءل هذه السيطرة الى اقصى حد ممكن و فى حدود متطلبات الامن القومى . ام السبيل الوحيد الذى يمكن حكومة استبدادية من السماح بالنقد و الجدل فهو ان يكون هـذا مصحوبا بالاصـلاح : فاعـادة البناء هو وصف ( أو صفة ) المصارحة و المكاشفة و لقد كان فشل " النظام القديم " فى فرنسا هو فشله فى ان يتبين أو – على الأقل – فى ان يتصرف بشكل حاسم .
فعلى الرغم من تقديم تنازلات عدة لمختلف الأطراف الساخطة فى فرنسا خلال ثمانينيات القرن الثامن عشر مثل زيادة نسبة التمثيل البرلمانى فان السلطة ظلت – و بشكل كامل – فى ايدى الحكومة التى تزايدت مشاكلها بسبب الفضائح المالية . و لذلك فانه حينما دعى مجلس الطبقات العامة ( مجلس طبقات الأمة ) للانعقاد للمرة الأولى منذ العام 1614 فاجتمع فى مايو 1789 مع مضاعفة عدد ممثلى الطبقة الثالثة ( العامة – أو البورجوازية ) لكى تتساوى مع العدد المشترك لكل من الطبقة الاولى ( الارستقراطية ) و الثانية ( رجال الدين ) فقد تحول الاصلاح بسرعة الى ثورة . و انفجر الجدل الاقتصادى متحولا بسرعة الى سيل جارف من الدعاية السياسية الايديولوجية . و ظهرت فى هذا الشهر اكثر من مائة كتيب اكثرها شهرة ذلك الذى اصدره سييس بعنوان " ما هى الطبقة الثالثة ؟ " . ثم ارتفع العدد الى 300 كتيب فى شهر يونيو . و حين حلت نهاية العام كان قد ظهر اكثر من ستين جريدة جديدة لكى توصل خدماتها الىجمهور " احتاج الى التعليم " المتعلق بمختلف القضايا فى تلك الايام المثيرة و السريعة التحرك . و قد صح ما لاحظة – و كتبه – رحالة انجليزى فى فرنسا انذاك – فى قوله : " ان حجم العمل القائم الان فى دكاكين الكتيبات فى باريس حجم لا يصدق . و يقولون ان الرغبة العارمة فى قراءة المقالات السياسية تنتشر فى الأقاليم و لذلك فان جميع مطابع فرنسا مشغولة بالقدر نفسه و تسعة عشر من بين كل عشرين من هذه المنتجات فى مصلحة الحرية وتدافع عنها يشيع فيها العنف – جميعا – ضد الكهنة و النبلاء ... اليس امرا عجيبا انه بينما تموج الصحافة باكثر المبادئ هدما بل اكثرها دعوة الى الفتنة التى لو دخلت حيز التنفيذ لقلبت الملكية ، فإنه لا يظهر شئ يرد عليها و لا يتخذ البلاط اى خطوة لكبح جماح هذا النشر غير الملتزم بأى من قواعد او حدود .
و يمضى هذا الرحالة لكى يصف و هو يبدى دهشة كبرى مقاهى باريس فيقول " انها مزدحمة فى الداخل فقط بل تتزاحم حشود منتظرة على الابواب و النوافذ و هم يصغون ...الى خطباء بعينهم يسعى كل منهم من فوق مائدته اومقعده الى اثارة جمهوره الضئيل .
و لكن الثوريين الفرنسيين لم يكونوا مجرد خطباء غلاظ وسط الغوغاء و انما كانوا مؤمنين كبار باستخدام الرموز وسيلة لنقل و توصيل الافكار المعقدة فى شكل بسيط ، فرمز واحد كان يستطيع ان يثير من الانفعالات و ان يحدد من الولاءات ما لا يحتاج الى تفسير او توضيح و انما يولد الطاعة وحدها و جـاء العلم الثلاثى الألوان من الأحمـر و الأبيـض و والأزرق لكى يمثل مختلف التكتلات الثورية و ارتداه البعض كالوشاح بينما ظهرت أردية اخرى ورموز لكى تمثل الدعوة الى " الحرية و المساواة و الاخاء " . فلقد عرف الثوريون منذ البداية اهمية الرموز بوصفها وسائل للدعاية فقد ارتدت الجماهير القلنسوة الفريجية رمزا للمساواة و ظهرت حزمة مضابض الفؤس الرومانية رمز للإخاء و ظهرت شخصية ماريان النسائية رمزا للحرية و كان اختيار شخصية نسائية بهدف ان تعبر عن تزايد دور النساء فى السياسة و ولكى تعبر من جانب اخر عن فكرة سوف تلقى الرعاية و الحماية فيما بعد وهى فكرة " ام طفل سياسى من نوع جديد " وأصبح سجن الباستيل رمزا للقمع الملكى بينما اصبح اقتحامه فى العام 1789 اشارة رمزية توحى بالتحدى على رغم ان السجن كاد ان يكون خاليا من السجناء و قد درس الاستاذ رودى الكيفية التى سيطر بها الثوار على الجماهير بواسطة المظاهرات المنظمة والموجهة و الألعاب النارية و حرق الصور و التماثيل و خطباء الغوغاء الذين ينشدون " تحيا الطبقة الثالثة " و بينما كان التغير الثورى يستجمع قوة دفعه خرجت الجماهير من قبضة السيطرة و قد حاول احد الخطباء ان يعيد شحنها بشئ من العقل : ايها الفرنسيون انكم تدمرون الطغاة و ان كراهيتكم لمخيفة انها كراهية مذهلة و اننى مثلكم تسلبنى لبى سرعة هذه الاحداث . و لكن فكروا و تخيلوا كم ستكون الحياة كعبيد حياة شائنة مخزية و تخيلوا العذابات التى ينبغى ان تكون عقوبة لما ارتكب من جرائم ضد الانسانية ثم فكروا خيرا و تخيلوا الخير و الرضا و السعادة التى تنتظركم وتنتظر اطفالكم و احفادكم حينما تقيم الحرية المباركة الجليلة معبدها فى وسطكم و مع ذلك فلا تنسوا ان تلك التجاوزات المسرفة تستثير غضب الانسانية و سخطها و تشيع الرعدةفى اعطاف الطبيعة . غير انه كان من الصعب ان يستعيد الثوريون السيطرة على الحشود التى اسكرها خمر نجاحها كأداة للتغير . و مع ذلك فقد تمكن الثوريون بالتدريج من استعادة قدرتهم على اعـادة شئ من القانون و والنظام على رغم انهم ظلوا قابلين لان تخترقهم أهواء الغوغاء و ذلك بعد اصدار اعلان حقوق الانسان فى اكتوبر 1789 و وبعد ان ادمجت الطبقات الثلاث فى مجلس واحد باسم " الجمعية الدستورية " بينما لجأ الاستقراطيون و الكهنة الى الفرار عقب اعلان الدستور فى العام 1791 و اخيرا بعد ان القى القبض على لويس السادس عشر .
و من بين الصحف العديدة التى اسست فى هذه الفترة تستحق اثتان ان تذكرا بشكل خاص بفضل مؤسسيها . كانت الاولى هـى " صـديق الشعب " التى اسسها خطيب الغوغاء و الصحافى مارا . و فى شخصيته بجد الداعية الذى عرف بوضوح ترجمة افكار حركة التنوير و افكار الثورة الى لغة تستطيع الجماهير ان تفهمها . و كانت الجريدة الاخرى هى " الدفاع عن الدستور " التى اسسها روبسبير و قد قام كل من الرجلين بانشاء ناد لغرس افكار التحـرر و الحـرية و مناقشتها
و لخلق بديل عن الدين بطقوسه و وترانيمه ورموزه . و مع ذلك فقد كانت المشكلة هى ان كتلا ثورية عدة راحت الان تتنافس على السيطرة و عكست اصدارتهم المتنوعة اراءهم المختلفة حول اى اتجاه ينبغى ان تتخذه الاحداث . و اصبح واضحا ضرورة اصدار دستور جديد . و فى الوقت ذاته اصبح فى وسع حزب الجيروند ان يتسلموا السلطة بفضل تبنيهم للموقف الوطنى فحاولوا توحيد البـلاد خلفهم تحت راية الحزب . و مع حلول العام 1793 فشل هذا الاسلوب –و استولى اليعاقبه على دفة الامور تحت قيادة روبسبير – بفضل نظرتهم الأكثر وضوحا الى الحلول المحلية و تماسكهم الايديولوجى الاكثر قوة . و قد انتهى عهده القصـير – الذى بدأ بفضـل قـتل مارا
و تنظيم الارهاب للتخلص من خصومه – بتطبيق الأسلوب ذاته على الكثيرين من الارستقراطيين الذين ابغضهم اى انه انتهى على المقصلة .
و بتأسيس جمهورية تحل محل الملكية فى العام 1792 وجد الثوريون انه يتعين عليهم ان يتبعوا اساليب الدعاية التى يتبعها الحكام بدلا من تلك التى يتبعها المحكومون الساخطون . و يشهد مجرد وجود لجنة الارشاد العام على الدور الرئيسى المحورى الذى اولاه الثوار الفرنسيون للدعاية و لقد لقيت مهمتهم عونا عظيما باعلان الدول الاوروبية الحرب على فرنسا بعد ان اثار النظام الجمهورى انزعاجها ثم صدمها اكثر اعدام الملك فى العام 1793 . و لا شئ يوحد امة من الامم بقدر ما توحدها حرب تشنها عليها القوى الاجنبية . و قد ساعدت حرب التحالف الأول ضد فرنسا على تدعيم التأييد الشعبى للجمعية الوطنية الثورية الجديدة . و مع ذلك فبالمثل ايضا لم يوحد اوروبا شئ الى هذه الدرجة مثل المقاومة المشتركة للثورة الفرنسية و خاصة حين اطلقت نداءها للدعوة الى " حملة صليبية جديدة حملة من اجل الحرية للعالم كله " غير ان تدعيم الثورة فى الداخل تطلب – اولا – اسهام الدعاة المتمرس . و حينما ثار النقاش حول رموز النظام الجديد توجه الفرنسيون الى الثورة الامريكية بحثا عن الانموذج الملهم . و تم اختيار " ماريان " بوصفها رمزا للحرية : " حتى يوضح شعارنا و هو ينتشر فى المعمورة بأسرها لجميع الشعوب الصورة المحبوبة لحرية الجمهورية و كبريائها " و صدر تقويم جدي لكى يؤكد فكرة البداية الجديدة مع اعتبار العام 1792 هو العام الاول و اصبح لافايت البطل الفرنسى للثورة الأمريكية بطلا للحرية الفرنسية مع حلـول الصور الجمهورية محل للدعاية الملكية القديمة و ساعدت عمليات اقامة التماثيل الكاملة و النصفية للأبطال القدامى و الجدد و اعياد الحرية و غيرها من الاحتفالات للاشادة بهم ساعدت كلها على ترسيخ فكرة الجمهورية فى مجتمع لم يألف من قبل سوى الحكومة الملكية .
فماذا كان تأثير كل هذا فىالجيش الفرنسى ؟ ان ما كان يحدث فى المجتمع الفرنسى ككل كان ينعكس – عمليا – فى القوات الفرنسية المسلحة . و لقد كان بوسع الجيش الفرنسى ان يقمع الثورة الفرنسية فى العام 1789 و بدلا من ذلك انضمت الغالبية الساحقة من جنوده الى الثورة فصنعوا بذلك سبيكة تحالف عاتيه القوة مع الشعب . و قد قال نداء صادر فى يوليو العام 1789 : " ايها الجنود الشجعان امتزجوا باخوانكم و اختلطوا بهم و تقبلوا احضانهم و قبلاتهم انكم لم تعودوا اتباعا للطاغية و سجانى اخوتكم . انكم اصدقاؤنا مواطنونا الاشقاء و جنود الوطن " نتيجة لذلك فقد لاحظ مراقب اجنبى قائلا – فى العام 1793:
لقد ظهرت قوة تجاوزت كل خيال ففجأة أصبحت الحرب مرة أخــرى هى شغل الشعب الشاغل
و هو شعب من ثلاثين مليونا جميعهم يعتبرون أنفسهم مواطنين .. لقد اصبح الشعب مشاركا فى الحرب و بدلا من الحكومات و الجيوش مثلما كان الوضع حتى الآن القى ثقل الأمة كلها فى كفة الميزان . و قد تجاوزت المواد و الجهود المتاحة للاستخدام الآن كل الحدود التقليدية المعروفة ، فلا شئ الآن يعوق القوة العاتية التى يمكن أن تشن بها الحرب .
و إذ شحن الفرنسيون بالحماسة الثورية – و بالدعاية الثورية بالطبع – فقد تحولوا بسرعة إلى أمة تحت السلاح و قوة عسكرية غير مسبوقة فى الحجم و الكثافة و إذ تشجع النظام بفضل الانتصار فى معركة فالمى – العام 1792 – على جيش الغزو البروسى / النمساوى فقد أعاد هذا النظام تنظيم قوته خلال حكم الإرهاب ( 1793-1795 ) حيث تم التخلص بوحشية من العناصر المعادية للجمهورية ( و من خصوم روبسبير السياسيين مثل دانتون و استدعى كل رجل فرنسى قادر على حمل السلاح للدفاع عن مبادئ الثورة ووجه كل طفل و امرأة بالمثل للعمل فى المستشفيات أو لصناعة أزياء الجنود و ضمادات الجرحى بينما " سـوف يخـرج عجـائز الرجال إلى الميادين العامة لكى يشجعوا الجنود و يرفعوا معنوياتهم و لكى يبشروا بوحدة الجمهورية وكراهية الملوك " و لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد و فقد تبنت الثورة نوعا من حماسة الصليبين فإذا أرغمت على أن تدافع عن الحرية ضد قوات الاستبداد و الحكم المطلق الأجنبى فان الثورة تحولت الآن إلى الهجوم باسم " النزعة الجمهورية العالمية ".
تحقق الانتصار فى فالمى من جوانب عدة بفضل الحظ فقد كانت الثورة بسبب مثلها العليا المتمثلة فى المساواة قد أضعفت الجيش الفرنسى إلى درجـة كبيرة بسبب تآكل الانضـباط و النظــام
و التسلسل القيادى ( وقد انضم 60 فى المئة من الضباط إلى الهجرة الأرستقراطية ) . غير أن دخول بريطانيا الحرب فى العام 1793 حول الحرب إلى صراع شمل أوروبا كلها لم تكن الحماسة الثورية – فى حد ذاتها – كافية لتحريك العاديين من الرجال و النساء و دفعهـم . و قد اصبحوا الآن متورطين فى مواصلة الصراع . و تزايد معـدل التدريب و الانضباط و تطورت الأساليب الفنية للقتال و تحسنت القواعد التعبوية و حتى فى هذه الحالة كانت الجيوش الفرنسية الثورية مختلفة تماما عن الجيوش السابقة عليها فى دوافعها النفسية . فلأول مرة تم الاعـتراف بارتبـاط مصالح الفرد و اهتماماته بمصـالح الأمـة و اهتماماتها . و لقد خاضت هذه الجيوش المؤلفة من مواطنين القتال ليس بهدف الحصول على المال و لا لأنها كانت مجبرة على ذلك إنما قاتلوا فى سبيل قضية ، قضية عامة مشتركة تم الاعتراف فيها بان مصالحهم و اهتماماتهم الفردية هى نفسها مصالح و اهتمامات بلادهم أو " انه ينبغى أن يكون كل مواطن جنديا و كل جندى مواطنا " . و كانت الأجور مجرد مكافأة و ليست حافزا و كان الجندى يفرض النظام على نفسـه
و لا يفرض عليه و كانت الطاعة واجبا لا علامة على الخضوع . و كان تعريف الجيش بأنه " أداة فى يد الشعب " بدلا من اعتباره شيئا منفصلا عن المجتمع ككل ابتعادا كبيرا عن المفاهيم السابقة أو بالأحرى – كان عودة إلى العصور القديمة و اصـبح الاخـتلاف الآن مرتبط بالحجم
و المدى بينما راحت موجه بعد اخرى من المجندين تنضم إلى الجيش الأعظم الجديد .
و بهذه الوحدة المنصهرة التى ضمت الأمة و جيشها امتزجت الدعاية الحربية بالدعاية المدنيـة فدائما ما ضمت احتفـالات البلديات أو " المآدب " الرسمية و حفلات الزواج والتعميد( للأطفال ) الجنود لان الجميع كانوا جنود الثورة . و كانت المآدب الرسمية وسيلة أساسية لتجنيد القــوات و الاحتفال برحيلهم و باعتبارها وسيـلة أيضا لتعميق الإحساس بتطابق الهوية المدنية مع القضية الوطنية الثورية . مع ذلك فبالنظر إلى عدم التثبت من ولاء الكثير من وحدات الجيش بعد أحداث 1789 مباشرة فقد كان لا بد من شن حملات دعائية و تضمنت إحدى هذه الحملات التعريف بالدستور الجديد فى العام 1793 و حلف يمين ولاء جديد . و قد وصف الجنرال القائد فى مدينة كامبارى هذا الحدث بالتالى :
من الضرورى أن تكون جمهوريا لكى تدرك تماما التأثير الذى ولده دخول الموكب إلى حيث توسط القوات التى احتشدت فى الميدان و كان بوسع المرء أن يرى هؤلاء الجنود الشجعان – خلال القراءة – و هم لا يستطيعون إلا بجهد جهيد أن يمنعوا أنفســهم من مقاطعـة القــراءة و التصفيق . لكم كان مؤثرا أن آري هؤلاء المحاربين و هم يمنعون أنفسهم بدافع من الاحترام منتظرين اللحظة التى يستطيعون فيها الانفجار لإشـباع إحساسهم . و لكن لكم زادت سعادة المرء لكونه شاهد على صرخات و صيحات تحيا الجمهورية – ثم ما يتبعها دائما " يحيا الدستور" … الصيحات التى تعالت عند انتهاء هذا الإعلان . ثم بدأ على الفور إنشاد نشيد المارسيلييز . و لا أستطيع أن أتذكر شيئا أسرع من ترديد النشيد الذى تعالت به الأصوات من كل الجوانب مما أشاع شعورا طاغيا صاعقا . و تلاحظ ذلك إنشاد كل الأغاني و كل الشعارات الوطنية و لم تخب حماسة الجنود إلا بعد ساعتين من هذه البهجة الجمهورية .
و على أسـاس اكثر دوامـا و ثباتا أنشأت لجنة الأمن العام نوادى أو جمعيات خاصة ، و طبعت جـرائد خـاصة للجيش فى محاولة للحفاظ على الولاء و تثبيت مبادئ الثورة و يوضح هذا ما تلقاه أحد العملاء الدعائيين :
إن أحد أهداف مهمتك الرئيسية هو توزيع الجرائد الوطنية و أن تنـشر بين إخواننا فى السـلاح و تثبت فى قلوبهم حب الحرية الذى جعلهم يحققون كل تلك الانتصارات و أن تحذرهم من مناورات الأرستقراطية و أن تنزع أقنعة الوطنيين المزيفين الذين لا يريدون سوى كسب ثقة الجنود بهدف خيانة الجمهورية .
و حيثما لم تكن الجرائد المناسبة متاحة فان لجنة الأمن العام كانت تصدر جرائدها الخاصة و على رأسها " لوسوارية دى كامب Le Soiree de Cump " التى كانت توزع على الوحدات 29 ألف نسخة فى اليوم الواحد بينما كانت جريدة أو نشرة الـ " بولتين Le Bulltien " تقوم بوظيفة السجل الرسمى للأحداث فتعلق فى الأماكن العامة أو تقرأ بصوت مرتفع " بالشكل الذى يضمن أن يسمع كل الناس و هى تنتهى بعبارات التهنئة و التشجيع و ليس ما يدعوا إلى العجب أو للدهشة إذا ما صور الجنود الشجعان و المحاربون الأبطال الذين يحاربون من اجل بلادهم فى كل أنواع الدعاية المطبوعة فى تلك الفترة بل لقد كانوا أبطال نحو ثلاثة آلاف أغنية ثورية كتبت فيما بين 1789 و 1799 و طبعت فى كتب الأغاني ووزعت مجانا على الجـنود حتى يستطيـعوا أن يمرحـوا و يقصفقوا فى وضعهم الجديد . و فى وصف أحد المجندين لمزاجه الأكثر رزانة و اتزانا فى مسيرته الأولى فانه يصف كيف " بدأ أصغر رجل فى الكتيبة يغنى فجأة … و رددت الكتيبة بأسرها اللزمات الجماعية فحلت البهجة الهائلة فى صفوفنا محل الحزن " . و قد أبدت لجنة الآمن العام تقديرها الكامل لـ " شعبية الأغاني لإثارة شجاعة المدافعين عن الوطن " تماما مثلما أبدت اللجنة تقديرها للمسرح السياسى الذى قدم مسرحيات من مثل : " الخداع و الحرية " أو " الديموقراطية " .
كل هذه التربية و هذا الشحن كان فى جنب و لكن هل كانت المعنويات تصمد حين يشتد لهيب المعركة ؟ و هذا سؤال من الأسئلة التى تتردد كثيرا و مثلما فعلنا فى الحروب السابقة لا ينبغى لنا أن نقلل من أهمية المناخ الاجتماعي الذى اثر فى المعنويات القتالية و لا شك انه فى خلال الحروب الثورية احتفظت بتأثيرها كثير من الضغوط ذاتها التى دفعت بعض الرجال طوال التاريخ للقيام بأعمال شجاعة فريدة فى ميدان القتال . و قد ذكر أحد الآباء ابنه بقوله " حين تزحـف إلى القتال فلا تنس أبدا انك تقاتل من اجـل أبيك و أمـك و اخوتك و إخوانك و لتعرف كيف تفضل الموت نفسه على العار " . غير أن ما كان يمثل وضــعا مختلفا الآن هو انه كان للجميع أبـناء
و أقارب فى الميدان و لم يعد الجبن عارا عائليا و إنما صار عارا قوميا شاملا و قد عكست الدعاية هذا " لا قيمة للحياة دون الحرية " فالانتصار وحده هو الذى يمكن أن يضمن حياة مجتمع ثورى و حريته . و كان البديل هو عودة الطغيان القديم .
و يوحى كل ذلك بنجاح تاريخى هائل للدعاية و لقد كان الأمر كذلك بالفعل إلى حد كبير . على رغم أن المعارك – لا الكلمات – هى العامل الحاسم الأخير و النهائى فى الحرب فان من الصعب أن نتجاهل الذى ساهمت به الدعاية الثورية فى شحن معنويات الأمة التى أصبحت تحت السلاح فى هذه الفترة و لا يستطيع المرء إلا أن يعجب من نجاح الجيوش الفرنسية التى كانت تتكون – ربما – من نحو مليون رجل الثورة معهم إلى كل ركن – حرفيا – من أركان أوروبا ، لقد تفوقوا على أعدائهم بالأرقام وحدها ، وعاشوا على ما يأخذونه من الأرض ، وتحركوا بسرعة وتنقلوا خفافا ولقد كانت تعبئة المجتمع الفرنسى لمساندة هذا المجهود هى اقرب الأشياء إلى الحرب الشاملة السابقة على القرن العشرين غير أن الحرب أخذت ضريبتها مع تتابع الأزمات الداخلية وفى الجيش كان الفرار وعدم الانضباط ابعد ما يكونان عن الاستئصال وظلت الخسائر مرتفعة ومع حلول العام 1798 اصبح من الضرورى فرض التجنيد الإجباري مع استمرار الخدمة العسكرية الإجبارية لمدة خمس سنوات ومع ذلك فعلى الرغم من الإجراءات اليائسة التى اتخذتها حكومة الإدارة ( الديكتوار ) فقد حدث خلال هذه الفترة أن ظهر نابليون بونابرت فبرر بوصفه – فى الوقت ذاته – قائدا لثورة ضلت طريقها وللجيش الثورى معا .
وقد كانت المعنويـات الجيدة – بالنسبة لنابليون بونابرت هى جوهــر النـجاح ( فهو القائل : ) ( فى الحرب تمثل المعنويات ثلاثة أرباع القوة ، أما توازن القــوة المادية فلا يمثل إلا الربع الباقى ) وبعد أن عين قائدا لجيش إيطاليا العام 1796 وهو فى السادسة والعشرين من عمره ، فقد برز نابليون بعد عودته من حملته المصرية – التى أعقبت ذلك – بوصفه رجل دعاية حربية لا يقهر ، مضخما للغاية من انتصاراته وقادرا على التهوين من هزائمه ، ولدى عودته إلى فرنسا فى العام 1802 اصبح قنصلا مدى الحياة ثم أعلن إمبراطورا فى العام 1804 . وكان نابليون واعيا بنقاط التشابه – فى صعوده السريع إلى السلطة – بما حدث فى حياة قيصر ، وقد فعل مثلما فعل قيصر إذ كتب ذكرياته – يمتدح فيها نفسه ويثنى عليها – بعد حملاته العسكرية . وقد أعيد الفنان ديفيد الذى كان قد فقد الحظوة لدى سقوط روبسبير إلى مركز الداعية الأول – للدعاية المرئية – لكى ينتج صورا وتماثيل لنابليون بالأسلوب الذى اتبعه القياصرة الرومان بينما شيدت أقواس النصر وغيرها من النصب التذكارى فى كل مكان من باريس والأقاليم ومع تتويجه إمبراطورا بدأ نابليون عملية تأسيس دعاية إمبراطورية قدر لها أن تدعم مركزه السياسى لمدة عقد من السنين ولكنها تمكنت من التأثير فى الحياة الأوروبية لمدة طويلة وبعد موته .
فى ظل نابليون أصبحت فرنسا أول دولة حديثة تقوم بالفعل على الدعاية . ومن الأمثلة التى تبين الدرجة التى بلغها دعاته فى السيطرة على كل جوانب الحياة الفرنسية وتوجيهها ما حدث اثر اغتيال النمساويين للمندوبين الفرنسيين العام 1699 ، قد أعلن عن يوم للحداد القومى أعلمت السلطات المحلية بأنه يتعين أن يكون موضوع ذلك اليوم هو الانتقال :
ولا تفوته فرصة لإعطاء الاحتفالات طبيعة جليلة ملهمة وليضع الفنانون على كل قبر أو ضريح أو شاهد قبر أو عامود جنائزى أغصان زيتون مكسورة ملطخة بالدم فالطبيعة تكسو وجهها بخمار الحزن والإنسانية تذرف الدموع … واظهروا الطغيان وهو يجمع دمائهم فى كأسهم وصوروا كل الشرور التى تأتى فى إثره : المجاعة والنار والحرب والموت وصوروا الجمهوريين وهم يندفعون إلى سلاحهم لكى يصدوا الوحش …. ولتتبع الموسيقى الجنائزية ذات الحزن المفجع لحظة صمت ثم لينكسر هذا الصمت فجأة بصيحة تصرخ : الانتقام .
وبمثل هذا الاهتمام بالتفاصيل ( بما فيها التعليمات بكتابة التقارير عن رد الفعل الجماهيرى ) يتضح لنا إننا نتعامل هنا مع شئ جديد فى تاريخ الدعاية : الدعاية الشاملة . وقد آمن نابليون بأنه : ( ينبغى أن يخاف المرء من ثلاث صحف معادية اكثر مما يخاف من ألف حرب ) … ولذلك فقد اغلق 64 صحيفة من الـ73 صحيفة فرنسية التى كانت موجودة فى العام 1800 – 1801 ، وكان من المقرر لنظامه النقابى أن ينجح حيث فشل نظام لويس الرابع عشر بفضل شموله الكامل وحده .
وكان نابليون قد تعرض للمتاعب على أيدي الصحافيين المعادين الذين كانوا يعملون لحساب الصحافة الثورية كثيفة الانتشار خلال حملته فى إيطاليا . وعلى رغم أن الصحافة قدمت خدمات مجيدة لحملاته الحربية برفضها نشر أخبار قد تكون ذات قيمة للأعداء فان آراءها هى ما كان نابليون يخشاه اكثر من اى شئ أخر ، ولذلك فقد طلب مراقبتها بانتباه ، فقد شارك هو ووزراؤه بشكل منتظم فى كتابة لما تبقى من الصحف وللإصدارات ( غير السياسية ) التى نالت تشجيعه أصبحت جريدة الـ ( مونيتور Moniteur ) الناطق الرسمى بلسان الحكومة وكانت توزع مجانا على الجيش وظهرت صورته على قطع النقود المعدنية وعلى ( الميداليات ) وعلى شكل رسوم وتماثيل ، وظهر الحرف اللاتينى ( N ) فى كل مكان مع إعادة تشكيل مظهر باريس المعمارى فيما بين العامين 1804 و 1813 بفضل موجة هائلة من أعمال إقامة المبانى العامة ، وحينما كانت إحدى الصحف تثير غضب نابليون مثلما حدث فى العام 1807 حين انتقض الشاعر شاتوبريان الحكومة فى مقال نشرته صحيفة ( ميركور دى لافرانس Mercure de la france ) كأنه كان يغلق تلك الصحيفة ( حتى انه فى العام 1810 لم تكن قد بقيت فى فرنسا سوى أربع صحف فقط وكتب يقول : ( لو أنني سمحت بصحافة حرة لما بقيت اكثر من ثلاثة اشهر وفى العام 1812 كان الرأي البريطانى فى سيطرة نابليون على الصحافة يقول ( الحقيقـة المميتة هى انه قـد انزل من الإساءات بواسطة ( صحيفة ) مونيتور باريس ما هو اكثر جدا مما حققه على الإطلاق بواسطة الجهود المشتركة للمدفع والسيف ) .
ولقد أثرت سيطرة نابليون فى الفكر الفرنسى فى جميع جوانب الحياة الفرنسية وفى العام 1810 أسس ( الإدارة العامة للطباعة والمكتبات Direction Generale de L’impreimerie et de le liberaires ) لكى تشرف على جميع الأنشطة الثقافية وتوجيهها بينما تمت تعبئة الفنانين والكتاب لتمجيد حكمه ومن خلال قائد شرطته
طلب من كل مؤلف أن يسلم نسختين من كل كتاب لفحصه قبل النشر وطلبت الإجراءات ذاتهـا من نصوص المسرحيات والمحاضرات بل و من الملصقات واللافتات ، وتوجـب على الناشرين أن يحصلوا على تراخيـص وان يؤدوا يميـنا أو قسـما معيـنا ، و أعيـدت كتابة التاريــخ
و خاصة تاريخ الحملات الحربية بوحى من اعتـقاد نابليون بان التاريخ مجــرد أسطــورة
يختار الناس أن يصدقوها وقد اصبح نابليون نفسه أسطورة اختار الناس تصديقها ، وقد انفق 16 ألف جنيه إسترليني كل عام على صوره وتماثيله و أمر ببناء مبانى لافتة للنظر بسبب أحجامها لا بسبب أساليبها المعمارية أعاد صياغة النظام التعليمى واستخدم المؤامرات التى كانت تحاك ضد الدولة لكى يدعم مركزه ( أحيانا كانت المؤامرة تخترع لهذا الغرض ) كما استخدم الانتخابات لإظهار شعبيته وباختصار كان نابليون أستاذا وواحد من اعظم رجال الدعاية فى التاريخ فى كل مجال بدءا من فرض الرقابة الصارمة الدقيقة إلى استعراض الصورة الإيجابية إلى الدعاية السوداء .
واحد العناصر الأساسية التى صنعت قوة نابليون كان صورته بوصفه : الجندى الإمبراطور التى تم تصنيعها بعناية ، وبينما تواصل انتشار الأعياد القومية والاحتفالات العام فإنها راحت تقع اكثر – بالتدريج – تحت سيطرة الموضوع العسكرى بينما قام نابليون بتحويل فرنسا إلى دولة عسكرية .
وحينما انهار التحالف الأول مع لجوء بروسيا إلى السلام العام 1795 وتبعتها النمسا العام 1797 وقفت بريطانيا وحيدة ( عمليا ) فى الحرب ضد فرنسا ، وتشكل تحالف جديد هو التحالف الثانى فى العام 1798 ولكنه كان اكثر تميزا بالخلافات والتشتيت وليس بالوحدة والتناسـق و قد صدق ما كتبه كليف امزلى فى قوله : ( واجهت حكومة بيت مشاكل المحافظة على المعنويات ومحاولة رفعها وكما هى العادة الأبدية واجهت مشكلة تدبير الأموال والرجـال لخـوض الصراع ) وأسست جريدة الموالية والهجومية للتحالف ( انتى جاكوبان Anti Jacobin ) فى العام 1797 للمعاونة فى ذلك السبيل ولمحاربة الكتلة المعادية بالحرب بزعامة تشارلس فوكس ، ونشرت أنشودة حرب بريطانية جديدة قالت :
دعوا فرنسا تغنى فى صعودها الوحشى وتنشد لثورته الدموية ، فنحن نعتز ببلادنا ونحب مليكنا ، نمجد دستورنا لأجلهم سوف نواجه كل خطر ، ونترك أعمالنا العادية المجهدة ، ستخلى محاريثنا مكانها لزناد البندقية ، ومناجلنا ستتحول إلى سيوف ، أما أنشودتنا فستكون فى درع سابغة ، أقول يارب اعطنا الموت … أو الانتصار .
وبينما كانت المخاوف تتصاعد من وقوع غزو فرنسى امتلكت الإنجليز موجة من الوطنية فيما راحت جريدة ( انتى جاكوبان ) وغيرها من الإصدارات تستحضر روح معارك كريسى واجنيكورت وتستعيد ذكرى الارمادا الاسبانى ثم عثرت على بطل قومى جديد فى شخص هور اشيو نيلسون الذى دمر الأسطول الفرنسى فى معركـة خليج أبى قير البحــرية العام 1798 .
و أعيدت طباعة وتوزيع رسوم جيمس جيلراى السياسية الساخرة التى تهاجم الفرنسيين وحزب فوكس على نطاق واسع وخاصة سلسلة رسومه التى وصفت ( عواقب غزو فرنسى ناجح ) وقد ركبت الحكومة تلك الموجة فراحت تضطهد الجماعات المعادية للحرب و أوقفت العمل بقانون
( الجسد الموجود ) أو (Habias Corpus Act ) و ألقت القبض على المتآمرين وعلى الدعاة المعادين . غير أن تصاعد تكلفة الحرب وسوء المحاصيل المتدهورة وتزايد السخط الشعبى فى الداخل اقترن بانسحاب الروس ثم النمساويين من التحالف فتم توقيع صلح أميين العام 1802 .
ولكن كان السلام قصير العمر فلم يعش سوى اربعة عشر شهرا فى الحقيقة وشهد تجدد الأعمال الحربية بين فرنسا وإنجلترا استمرارا للمخاوف من الغزو غير انه بينما ظل نابليون متفوقا على اليابسة فان انتصار نلسون فى معركة الطرف الأغر فى العام 1805 كانت تذكره بتفوق بريطانيا فى البحر وتم إنشاء حلف ثالث وشيدت التحصينات الساحلية ونشطت الدعاية الوطنية وامتدح الشاعر ويليام ووردزورث و ( رجال كنت ) الذين كانوا يقفون الآن فى خط المواجهة الأول ضد الغزو وقال ( فى بريطانيا قولة واحدة فى نفس واحدة : إننا الآن معكم من الساحل إلى الساحل يا رجال كنت وانه النصر أو الموت ) وابتكر جلراى شخصيته ( لتل بونى ) أو ( النحيل الضئيل ) التى تهزأ بنابليون ، وعرضت المسرحيات المعادية للفرنسيين بما فيها مسرحية ( شكسبير ) هنرى الخامس العتيقة التى لا تبلى وامتدحت الأغاني الوطنية جهود جون بول وشخصيته بل لقد تعالت من فوق منابر الكنائس أصوات المواعظ المعادية للإمبراطور الفرنسى و أظهرت الصحف والكتيبات صور جيوش نابليون البربرية ومعاملتهم الوحشية للسجناء والمدنيين وغيرها من الأعمال الهمجية . وظهرت أغان للأطفال لتهدئتهم تقول :
طفلـى طفلـى الشــقى
اسكت أيهـا الشئ الباكى أقـول لك
اسكت بكائك وإلا فانه ربما
يكون بونابرت سائرا فى هذا الطريق
وكان معنى المشاركة المحتملة من جانب السكان بأسرهم فى مقاومة غزو فرنسى هو أن توجه الدعاية إلى جميع فئات وطبقات الرجال والنساء والأطفال ، وحينما تضائل هذا التهديد فان الحرب نفسها استمرت وبدت الأزمة الاقتصادية المستمرة والسخط الشعبى المتصاعد باعتبـارهم عنصرين موازنان – و يحجمـان تأثير – اى قدر من الدعاية الوطنية و مع ذلك فبحلول العام 1812 كان نابليون قد طرد مهزوما من موسكو و كان دوق ويلنجتون يستعد للزحف على فرنسا من أسبانيا و فى إبريل العام 1814 و إذ وجد نابليون نفسه و قد أحاطـت به قــوات بريطانيا
و النمسا و بروسيا و روسيا فقد ( ألقى المنشفة ) مستسلما و تنازل عن عرشه و لكنه عاد إلى باريس خلال العام نفسه و كان من الضرورى استيـعاب الابتهـاج الحماسى الطاغى الذى استقبله و رحب بفراره من ( جزيرة ) إلبا حتى هزيمته النهائية فى ووترلو .
و قد تحولت (ووترلو) على الرغم من محاولة ويلنجتون بعدها لان " نترك المعركة فى حدودها " … تحولت إلى بؤرة للكبرياء قومية هائلة و إلى موضوع لما لا نهاية من المدائح و عمليات صنع الأساطير و على جـانبى الأطلنطي أدت الروايات المشبعـة بالانفعالات و دوافع التلوين
و التى تضمنت قصائد ملحمية كتبها بيرون و فيكتور هيجو و الرسوم الضخمة التذكارية أدت إلى الترويج لووترلو باعتبارها واحدة من اكثر المعارك حسما فى التاريخ أما بالنسبة لما ترمى إليه هنا فان مغزى ووترلو يكمن فى درجة ما أظهرته من ولاء الجـنود الفرنسيين لامبراطورهم
و مدى استخدام نتيجة المعركة فى الترويج للرأى القائل بأن الاستبداد و الطغيان الثورى قد هزما فى أخر الأمر .









__________________كل الحقوق ممنوحة__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.communication.akbarmontada.com
المدير
الادارة
الادارة


عدد المساهمات: 1779
تاريخ التسجيل: 08/06/2009
العمر: 26

مُساهمةموضوع: رد: دراسة حول دور الاعلام فى الحروب الحديثة   الإثنين نوفمبر 29, 2010 12:16 pm




ملخص القسم الرابع
الدعاية فى عصر الاعمال الحربية الثورية
الصحافة بوصفها اداة للحرية
مثل منحنى صاعد فى رسم بيانى شهد القرن الثامن عشر توسعات فى دور الرأى العام فيما يتعلق بشئون الدولة و شهد ايضا زيادة فى درجة استخدام الصحافة – تبعا لتوسع دور الرأى العام – بوصفها اداة سياسية .
و سارعت حكومات عدة الى ادراك مغزى هذا الوضع و اذا اعتمدنا على السوابق – الحديثة الباكرة – فان تلك الحكومات اسست نظما قـوية للرقابة على تنظيم عملية تدفق الافكار . و فى انجلترا ادى ظهور الحرية البرلمانية و التسامح الدينى اللذين اعقبا " الثورة المجيـدة " التى نشبت فى العـام 1688 ادى الى ايجـاد متنفس للاختـلاف الايدلوجى و اصبحت الصحافة جزءا اساسيا من العملية السياسية الانجليزية .
اما فى فرنسا – فى ظل " النظام القديم " – فعلى الرغم من ازدهار حركة التنوير بعد موت لويس الرابع عشر فى العام 1715 فلم يمكن السماح بمثل ذلك المتنفس للتعبير الشعبى مع ما ترتب على ذلك من نتائج فادحة . و من المؤكد انه ربما امكن رؤية القدرات التحريرية التى عزاها الكثيرون الى المطبعة فى ظهور السياسة الحزبية و الديموقراطية الدستورية الانجليزية حتى انه لا يدهشنا كثيرا ان يصف هوراس والبول الصحافة بانها " مجلس برلمان ثالث " .
ولا شئ يشجع توزيع الصحف اكثر من الحرب و فى انجلترا ازدات المبيعات زيادة كبيرة خلال حرب السنوات السبع ( 1756 – 1763 ) . و على رغـم ارتــفاع اسـعار الصحف
( و لم تكن تلك الاسعار قد حظيت باى مساعدة من خلال زيادات ضريبة التمغة ) فان الكثـيرين كانوا يشتركون فى شـراء نسخها ، و كانت تقرأ بشكل جماعى و بأصوات مرتفعة فى الأماكن العامـة مثل المقاهى و دكاكين الحلاقين و الحانات و منذ العام 1711 احصى ان كل نسخة يراها اويسمع ما تحويه عشرون شخصا على الأقل .
و قد كتـب إدمــوند بيرك ( 1729- 1797 ) و هـو محــرر مجــلة " السجـل السنوى Annual Register " قائلا " ان الصحف اداة اكثر اهمية بكثير مما يتخيله الغالبية العظمى من الناس " و على رغم ذلك فان الصحف فى انجلترا كانت تنشر – فعلا – كل ما كانت تريد ان تنشره الأمر الذى جعل بوسع لورد كامدين يعلق – بقدر ملحوظ من الثقة – قائلا " ان الصحف محملة بالكثير من سموم الزيف الى الدرجة التى تجعلنى عاجزا تمام عن تمـييز الحقيقة
و معرفتها " و لكن مثلما كتب الاستاذ ليفى قائلا : " إن الصحافة التى كانت هدفا للرقابة ذات يوم قد وضعت الحكومة تحت رقابتها... و قد استخدمت ( الحكومة ) الصحافة و اعانتها بالامـوال ووجهت اليها الاتهامـات و لكنها لم تستطع ان تسيطر عليها " . و فى حالات استخدام السياسين للصحافة فى خدمة اغراضهم السياسية الخاصة مثل استخدام جــون ويلكيز
(1727 – 1797 ) لصحيفة ( نورث بريتون North Briton ) فأن الصحيفة تفصح عن نقده للمرحلة بأكثر مما تعبر عن المرحلة ذاتها ، و لذلك فان على المؤرخين ان يتعاملوا مع مثل هذه المصادر – فى الصحف – بحذر بالغ و ذلك على الرغم مما يزعمه ماكولى من ان " التاريخ الحقيقى لدولة ما يوجد فى صحفها " ففى انجلترا قدمت الصحافة منفذا للإنشقاق على الحكومة الدستورية و انتقادها ، مما يشكل قوة تحريرية دون اللجوء الى التغيير العنيف .






الثورة الفرنسية والحروب النابوليونية
لقد ظهر لنا فى حالة لويس الرابع عشر ان الرقابة الرسمية فى حد ذاتها لا تكفى لمنع تدفق الأفكار الهدامه و خاصة من خارج البلاد . و فى عصر التنوير استخدم مجرد وجود نظام رقابى صارم و قاس فى فرنسا بوصفة بؤرة اضافية يتجمع فيها نقد " النظام القديم " اما فى انجلترا ، فربما كانت الصحافة قد اصبحت حرة نسبيا – بالمقارنة – فى توجيه النقد ، فأصبحت بذلك مصدر ازعاج و مضايقة مستمرة للحكومة و لكنها هيأت متنفسا للآراء المخالفة و المنشقة التى كان من الممكن ان يؤدى احباطها الى استثـارة اعمال اكثر تطرفا و قد اصبح من المعتاد الظن بان غياب مثل هذا التحول " الديمقراطى " فى فرنسا قد ساهم فى انفجار الثورة الفرنسية العام 1789 . غير ان البحوث الحديثة اثبتت انه على الرغم من الرقابة فان صحافة القرن الثامن عشر الفرنسية كانت اكثر نشاطا و فاعلية فى نقل الأفكار السياسية و اشاعتها مما كان معروفا من قبل . و كانت تحديات السلطة الملكية اكثر وضوحا فى الكتب و فى دوريات تلك المرحلة و جرائدها لقد منعت الرقابة الرسمية التوزيع و الانتشار على النطاق الذى عرفناه فى انجلترا غير انه من المؤكد ان الاصـدارات السرية او تلك التى سمح بها قد خدمت – أو اوصلت خدماتها – الى نخبة من الجمهور القارئ الذى خرج من وسط كل من الارستقراطــية و البرجوازية المتعلمة .
و مثلما اظهرت طائفة الجانسنيين بعد العام 1750 ، فان نقاد السلطة الملكية اصبجوا قادرين على نشر الافكار المتعلقة بالنزعة الدستورية و الحاجة الى مؤسسات نيابية وسط جمهور اكثر اتساعا . و قد ردت الحكومة على ذلك بالاسلوب الوحيد الذى تعرفه : بالقمع و بالتعلق بخط دعائى يزداد فراغا باستمرار ، يصر على ان الملكية المطلقة تعرف ما هو الأفضل و الأكثر خيرا لمواطنيها ، و انه لا ينبغى ان يستمر الجدل اكثر من ذلك حول هذا الموضوع .
– و كتبه – رحالة انجليزى فى فرنسا انذاك – فى قوله : " ان حجم العمل القائم الان فى دكاكين الكتيبات فى باريس حجم لا يصدق . و يقولون ان الرغبة العارمة فى قراءة المقالات السياسية تنتشر فى الأقاليم و لذلك فان جميع مطابع فرنسا مشغولة بالقدر نفسه و تسعة عشر من بين كل عشرين من هذه المنتجات فى مصلحة الحرية وتدافع عما يشيع فيها من العنف – جميعا – ضد الكهنة و النبلاء ... اليس امرا عجيبا انه بينما تموج الصحافة باكثر المبادئ هدما بل اكثرها دعوة الى الفتنة التى لو دخلت حيز التنفيذ لقلبت الملكية ، فإنه لا يظهر شئ يرد عليها و لا يتخذ البلاط اى خطوة لكبح جماح هذا النشر غير الملتزم بأى من قواعد او حدود .
ويمضى هذا الرحالة لكى يصف و هو يبدى دهشة كبرى مقاهى باريس فيقول " انها مزدحمة فى الداخل فقط بل تتزاحم حشود منتظرة على الابواب والنوافذ و هم يصغون ...الى خطباء بعينهم يسعى كل منهم من فوق مائدته اومقعده الى اثارة جمهوره الضئيل .
و لكن الثوريين الفرنسيين لم يكونوا مجرد خطباء غلاظ وسط الغوغاء و انما كانوا مؤمنين كبار باستخدام الرموز وسيلة لنقل و توصيل الافكار المعقدة فى شكل بسيط ، فرمز واحد كان يستطيع ان يثير من الانفعالات و ان يحدد من الولاءات ما لا يحتاج الى تفسير او توضيح و انما يولد الطاعة وحدها و جـاء العلم الثلاثى الألوان من الأحمـر و الأبيـض و والأزرق لكى يمثل مختلف التكتلات الثورية و ارتداه البعض كالوشاح بينما ظهرت أردية اخرى ورموز لكى تمثل الدعوة الى " الحرية و المساواة و الاخاء " . فلقد عرف الثوريون منذ البداية اهمية الرموز بوصفها وسائل للدعاية فقد ارتدت الجماهير القلنسوة الفريجية رمزا للمساواة و ظهرت حزمة مضابض الفؤس الرومانية رمز للإخاء و ظهرت شخصية ماريان النسائية رمزا للحرية و كان اختيار شخصية نسائية بهدف ان تعبر عن تزايد دور النساء فى السياسة و ولكى تعبر من جانب اخر عن فكرة سوف تلقى الرعاية و الحماية فيما بعد وهى فكرة " ام طفل سياسى من نوع جديد " وأصبح سجن الباستيل رمزا للقمع الملكى بينما اصبح اقتحامه فى العام 1789 اشارة رمزية توحى بالتحدى على رغم ان السجن كاد ان يكون خاليا من السجناء و قد درس الاستاذ رودى الكيفية التى سيطر بها الثوار على الجماهير بواسطة المظاهرات المنظمة والموجهة و الألعاب النارية و حرق الصور و التماثيل و خطباء الغوغاء الذين ينشدون " تحيا الطبقة الثالثة " و بينما كان التغير الثورى يستجمع قوة دفعه خرجت الجماهير من قبضة السيطرة و قد حاول احد الخطباء ان يعيد شحنها بشئ من العقل : ( ايها الفرنسيون انكم تدمرون الطغاة و ان كراهيتكم لمخيفة انها كراهية مذهلة و اننى مثلكم تسلبنى لبى سرعة هذه الاحداث . و لكن فكروا و تخيلوا كم ستكون الحياة كعبيد حياة شائنة مخزية و تخيلوا العذابات التى ينبغى ان تكون عقوبة لما ارتكب من جرائم ضد الانسانية ثم فكروا خيرا و تخيلوا الخير و الرضا و السعادة التى تنتظركم وتنتظر اطفالكم و احفادكم حينما تقيم الحرية المباركة الجليلة معبدها فى وسطكم و مع ذلك فلا تنسوا ان تلك التجاوزات المسرفة تستثير غضب الانسانية و سخطها و تشيع الرعدة فى اعطاف الطبيعة ) . غير انه كان من الصعب ان يستعيد الثوريون السيطرة على الحشود التى اسكرها خمر نجاحها كأداة للتغير . و مع ذلك فقد تمكن الثوريون بالتدريج من استعادة قدرتهم على اعـادة شئ من القانون و والنظام على رغم انهم ظلوا قابلين لان تخترقهم أهواء الغوغاء و ذلك بعد اصدار اعلان حقوق الانسان فى اكتوبر 1789 و وبعد ان ادمجت الطبقات الثلاث فى مجلس واحد باسم " الجمعية الدستورية " بينما لجأ الاستقراطيون و الكهنة الى الفرار عقب اعلان الدستور فى العام 1791 و اخيرا بعد ان القى القبض على لويس السادس عشر .
و بتأسيس جمهورية تحل محل الملكية فى العام 1792 وجد الثوريون انه يتعين عليهم ان يتبعوا اساليب الدعاية التى يتبعها الحكام بدلا من تلك التى يتبعها المحكومون الساخطون . و يشهد مجرد وجود لجنة الارشاد العام على الدور الرئيسى المحورى الذى اولاه الثوار الفرنسيون للدعاية و لقد لقيت مهمتهم عونا عظيما باعلان الدول الاوروبية الحرب على فرنسا بعد ان اثار النظام الجمهورى انزعاجها ثم صدمها اكثر اعدام الملك فى العام 1793 . و لا شئ يوحد امة من الامم بقدر ما توحدها حرب تشنها عليها القوى الاجنبية . و قد ساعدت حرب التحالف الأول ضد فرنسا على تدعيم التأييد الشعبى للجمعية الوطنية الثورية الجديدة . و مع ذلك فبالمثل ايضا لم يوحد اوروبا شئ الى هذه الدرجة مثل المقاومة المشتركة للثورة الفرنسية و خاصة حين اطلقت نداءها للدعوة الى " حملة صليبية جديدة حملة من اجل الحرية للعالم كله ".
ان ما كان يحدث فى المجتمع الفرنسى ككل كان ينعكس – عمليا – فى القوات الفرنسية المسلحة و لقد كان بوسع الجيش الفرنسى ان يقمع الثورة الفرنسية فى العام 1789 و بدلا من ذلك انضمت الغالبية الساحقة من جنوده الى الثورة فصنعوا بذلك سبيكة تحالف عاتيه القوة مع الشعب .
و إذ شحن الفرنسيون بالحماسة الثورية – و بالدعاية الثورية بالطبع – فقد تحولوا بسرعة إلى أمة تحت السلاح و قوة عسكرية غير مسبوقة فى الحجم و الكثافة و إذ تشجع النظام بفضل الانتصار فى معركة فالمى – العام 1792 – على جيش الغزو البروسى / النمساوى فقد أعاد هذا النظام تنظيم قوته خلال حكم الإرهاب ( 1793-1795 ) حيث تم التخلص بوحشية من العناصر المعادية للجمهورية ( و من خصوم روبسبير السياسيين مثل دانتون ) و استدعى كل رجل فرنسى قادر على حمل السلاح للدفاع عن مبادئ الثورة ووجه كل طفل و امرأة بالمثل للعمل فى المستشفيات أو لصناعة أزياء الجنود و ضمادات الجرحى بينما " سـوف يخـرج عجـائز الرجال إلى الميادين العامة لكى يشجعوا الجنود و يرفعوا معنوياتهم و لكى يبشروا بوحدة الجمهورية وكراهية الملوك " و لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد و فقد تبنت الثورة نوعا من حماسة الصليبين فإذا أرغمت على أن تدافع عن الحرية ضد قوات الاستبداد و الحكم المطلق الأجنبى فان الثورة تحولت الآن إلى الهجوم باسم " النزعة الجمهورية العالمية ".
غير أن دخول بريطانيا الحرب فى العام 1793 حول الحرب إلى صراع شمل أوروبا كلها لم تكن الحماسة الثورية – فى حد ذاتها – كافية لتحريك العاديين من الرجال و النـساء و دفعهـم .
و قد اصبحـوا الآن متورطـين فى مواصلة الصراع . و تزايد معـدل التدريب و الانضباط
و تطورت الأساليب الفنية للقتال و تحسنت القواعد التعبوية و حتى فى هذه الحالة كانت الجيوش الفرنسية الثورية مختلفة تماما عن الجيوش السابقة عليها فى دوافعها النفسية . فلأول مرة تم الاعـتراف بارتبـاط مصالح الفرد و اهتماماته بمصـالح الأمـة و اهتماماتها . و لقد خاضت هذه الجيوش المؤلفة من مواطنين القتال ليس بهدف الحصول على المال و لا لأنها كانت مجبرة على ذلك إنما قاتلوا فى سبيل قضية عامة مشتركة تم الاعتراف فيها بان مصالحهم
و اهتماماتهم الفردية هى نفسها مصالح و اهتمامات بلادهم .
و بهذه الوحدة المنصهرة التى ضمت الأمة و جيشها امتزجت الدعاية الحربية بالدعاية المدنيـة فدائما ما ضمت احتفـالات البلديات أو " المآدب " الرسمية و حفلات الزواج والتعميد( للأطفال ) الجنود لان الجميع كانوا جنود الثورة .
أنشأت لجنة الأمن العام نوادى أو جمعيات خاصة ، و طبعت جـرائد خـاصة للجيش فى محاولة للحفاظ على الولاء و تثبيت مبادئ الثورة و يوضح هذا ما تلقاه أحد العملاء الدعائيين :
إن أحد أهداف مهمتك الرئيسية هو توزيع الجرائد الوطنية و أن تنـشر بين إخواننا فى السـلاح و تثبت فى قلوبهم حب الحرية الذى جعلهم يحققون كل تلك الانتصارات و أن تحذرهم من مناورات الأرستقراطية و أن تنزع أقنعة الوطنيين المزيفين الذين لا يريدون سوى كسب ثقة الجنود بهدف خيانة الجمهورية .
و حيثما لم تكن الجرائد المناسبة متاحة فان لجنة الأمن العام كانت تصدر جرائدها الخاصة و على رأسها " لوسوارية دى كامب Le Soiree de Cump " التى كانت توزع على الوحدات 29 ألف نسخة فى اليوم الواحد بينما كانت جريدة أو نشرة الـ " بولتين Le Bulltien " تقوم بوظيفة السجل الرسمى للأحداث فتعلق فى الأماكن العامة أو تقرأ بصوت مرتفع " بالشكل الذى يضمن أن يسمع كل الناس و هى تنتهى بعبارات التهنئة و التشجيع و ليس ما يدعوا إلى العجب أو للدهشة إذا ما صور الجنود الشجعان و المحاربون الأبطال الذين يحاربون من اجل بلادهم فى كل أنواع الدعاية المطبوعة فى تلك الفترة بل لقد كانوا أبطال نحو ثلاثة آلاف أغنية ثورية كتبت فيما بين 1789 و 1799 و طبعت فى كتب الأغاني ووزعت مجانا على الجـنود حتى يستطيـعوا أن يمرحـوا و يصفقوا فى وضعهم الجديد .
غير أن ما كان يمثل وضــعا مختلفا الآن هو انه كان للجميع أبـناء و أقارب فى الميدان و لم يعد الجبن عارا عائليا و إنما صار عارا قوميا شاملا و قد عكست الدعاية هذا " لا قيمة للحياة دون الحرية " فالانتصار وحده هو الذى يمكن أن يضمن حياة مجتمع ثورى و حريته . و كان البديل هو عودة الطغيان القديم .
و يوحى كل ذلك بنجاح تاريخى هائل للدعاية و لقد كان الأمر كذلك بالفعل إلى حد كبير . على رغم أن المعارك – لا الكلمات – هى العامل الحاسم الأخير و النهائى فى الحرب فان من الصعب أن نتجاهل الذى ساهمت به الدعاية الثورية فى شحن معنويات الأمة التى أصبحت تحت السلاح فى هذه الفترة و لا يستطيع المرء إلا أن يعجب من نجاح الجيوش الفرنسية التى كانت تتكون – ربما – من نحو مليون رجل حملوا الثورة معهم إلى كل ركن من أركان أوروبا ، لقد تفوقوا على أعدائهم بالأرقام وحدها .
وقد كانت المعنويـات الجيدة – بالنسبة لنابليون بونابرت هى جوهـر النـجاح ( فهو القائل : )
( فى الحرب تمثل المعنويات ثلاثة أرباع القوة ، أما توازن القــوة المادية فلا يمثل إلا الربع الباقى ) وبعد أن عين قائدا لجيش إيطاليا العام 1796 وهو فى السادسة والعشرين من عمره ، فقد برز نابليون بعد عودته من حملته المصرية – التى أعقبت ذلك – بوصفه رجل دعاية حربية لا يقهر ، مضخما للغاية من انتصاراته وقادرا على التهوين من هزائمه ، ولدى عودته إلى فرنسا فى العام 1802 اصبح قنصلا مدى الحياة ثم أعلن إمبراطورا فى العام 1804 . وكان نابليون واعيا بنقاط التشابه – فى صعوده السريع إلى السلطة – بما حدث فى حياة قيصر ، وقد فعل مثلما فعل قيصر إذ كتب ذكرياته – يمتدح فيها نفسه ويثنى عليها – بعد حملاته العسكرية . وقد أعيد الفنان ديفيد الذى كان قد فقد الحظوة لدى سقوط روبسبير إلى مركز الداعية الأول – للدعاية المرئية – لكى ينتج صورا وتماثيل لنابليون بالأسلوب الذى اتبعه القياصرة الرومان بينما شيدت أقواس النصر وغيرها من النصب التذكارى فى كل مكان من باريس والأقاليم ومع تتويجه إمبراطورا بدأ نابليون عملية تأسيس دعاية إمبراطورية قدر لها أن تدعم مركزه السياسى لمدة عقد من السنين ولكنها تمكنت من التأثير فى الحياة الأوروبية لمدة طويلة وبعد موته .
فى ظل نابليون أصبحت فرنسا أول دولة حديثة تقوم بالفعل على الدعاية . ومن الأمثلة التى تبين الدرجة التى بلغها دعاته فى السيطرة على كل جوانب الحياة الفرنسية وتوجيهها ما حدث اثر اغتيال النمساويين للمندوبين الفرنسيين العام 1699 ، قد أعلن عن يوم للحداد القومى أعلمت السلطات المحلية بأنه يتعين أن يكون موضوع ذلك اليوم هو الانتقام :
ولا تفوته فرصة لإعطاء الاحتفالات طبيعة جليلة ملهمة وليضع الفنانون على كل قبر أو ضريح أو شاهد قبر أو عامود جنائزى أغصان زيتون مكسورة ملطخة بالدم فالطبيعة تكسو وجهها بخمار الحزن والإنسانية تذرف الدموع … واظهروا الطغيان وهو يجمع دمائهم فى كأسهم وصوروا كل الشرور التى تأتى فى إثره : المجاعة والنار والحرب والموت وصوروا الجمهوريين وهم يندفعون إلى سلاحهم لكى يصدوا الوحش …. ولتتبع الموسيقى الجنائزية ذات الحزن المفجع لحظة صمت ثم لينكسر هذا الصمت فجأة بصيحة تصرخ : الانتقام .
وبمثل هذا الاهتمام بالتفاصيل ( بما فيها التعليمات بكتابة التقارير عن رد الفعل الجماهيرى ) يتضح لنا إننا نتعامل هنا مع شئ جديد فى تاريخ الدعاية : الدعاية الشاملة . وقد آمن نابليون بأنه ( ينبغى أن يخاف المرء من ثلاث صحف معادية اكثر مما يخاف من ألف حرب ) … ولذلك فقد اغلق 64 صحيفة من الـ73 صحيفة فرنسية التى كانت موجودة فى العام 1800 – 1801 ، وكان من المقرر لنظامه النقابى أن ينجح حيث فشل نظام لويس الرابع عشر بفضل شموله الكامل وحده .
وكان نابليون قد تعرض للمتاعب على أيدي الصحافيين المعادين الذين كانوا يعملون لحساب الصحافة الثورية كثيفة الانتشار خلال حملته فى إيطاليا . وعلى رغم أن الصحافة قدمت خدمات مجيدة لحملاته الحربية برفضها نشر أخبار قد تكون ذات قيمة للأعداء فان آراءها هى ما كان نابليون يخشاه اكثر من اى شئ أخر ، ولذلك فقد طلب مراقبتها بانتباه .
أعيدت كتابة التاريخ و خاصة تاريخ الحملات الحربية بوحى من اعتـقاد نابليون بان التاريخ مجرد أسطورة يختار الناس أن يصدقوها وقد اصبح نابليون نفسه أسطورة اختار الناس تصديقها.































الباب الثالث
الدعاية فى الحرب الشاملة
دور الاعلام المصرى فى حرب اكتوبر 1973





































القسم الخامس

الدعاية فى عصر الحرب الشاملة




















9- الحرب وثورة الاتصالات
شهد القرن العشرون ظهور نوع مختلف اختلافا اساسيا من الاعمال الحربية " الحرب الشاملة " . و على الرغم من ان الحروب النابليونية وحرب الاستقلال الامريكية كانتا نذير بوصول هذه الظاهرة بسبب حجم و مستوى المشاركة الشعبية فان الحروب العالمية فى القرن العشرين اختلفت بقدر ملحوظ عن الصراعات السابقة ليس فقط فى مدى اتساعها و انما ايضا فى درجة تأثر المدنيين بها و مساهمتهم المباشرة فى احداث خطها الاول . لقد اصبحت الحرب شأنا يهم كل واحد من السكان و نضالا من اجل البقاء القومى لا بد من تعبئة جميع موارد الأمـة – العسكرية
والاقتصادية و الصناعية و البشرية و النفسية – بهدف تحقيق النصر فيه او تجنـب الهزيمـة .
و قد لا ينتج العجز عن التعبئة الى المدى الاقصى – مثلما اظهرت تجربة الثورة الروسية العام 1917 – مجرد الهزيمة العادية وحدها و انما الدمار الكامل للنظام القديم .
و لقد جاءت فنون الحرب الحديثة بالمعارك لكى تكون اشد قربا من حياة المواطنين العاديين منها فى اى وقت مضى سواء كان ذلك فى شكل تشغيل النساء فى المصانع او فى شكل تعرض المدنيين للقصف بالقنابل . و اصبح كل من التجنيد الاجبارى و الانذارمن الغارات الجوية و تقنين و تحديد كميات الطعام المسموح بها جميعا من العوامل الحيوية المؤثرة . ووجد الرجال و النساء العاديون الذين لم يكونوا ليتأثروا من قبل الى حد كبير بالحرب التى يخوضها جنود محترفون فى ارض بعيدة وجدوا انفسهم يتأثرون مباشرة بما يقع فى الجبهة من احـداث . و فى الحقيقة اصبـح الناس انفسهم هـم جبهة القتال الجديد . و اصبح الرجال و النساء و الاطفال هم الجيوش الجديدة . و بالتالى اصبحت روحهم المعنـوية و ارادة القتـال و المقاومة لديهم على الصعيد الجماعى الشامل رصيد عسكريا و حربيا مهما . و لقد كانت هذه بالتأكيد هى طبيعة الصراعين اللذين نشبا فيما بين 1914 و 1918 و كان هـذا هـو حجم و مدى كل منهما بالمعنى القومى
والعالمى و النفسى و كانت تلك هى تكلفة كل منهما على صعيد الدمار الانسانى و الخراب المادى الى الدرجة التى جعلت من غير الممكن ابدا النظر ثانية الى الحرب باعتبارها رياضـة الملـوك
والنبلاء . بل انها قد اصبحت – على حد قول كليمنصو رئيس الوزراء الفرنسى – " أمرا اكثر خطورة من ان يترك للجنرالات " .
و فضلا عن ذلك فقد رأى القرن العشرون ايضا ظهور وسائل الاتصال الجماهيرية الحديثة و كان العام 1896 عاما بارزا كالعلامة المميزة لأنه شهد ثلاث مستحدثات جديدة . الأولى هى ان لورد نورثكليف اسس فى بريطانيا اول صحــيفة يومــية ذات تـوزيــع جماهــيرى كثيف هى الديلى ميل Daily Mail لكى تخدم و تهتم بالجيل الجديد من الناس العاملين المتعلمين القارئين . ذلك انه عقب صـدور قوانين التعليم فى سبعينيات القرن و ما تلاها و نتج عنها من تحسينات اجتماعية فان العاملين العاديين من الناس لم يصبحوا فقط اكثر تعليما بشكل متزايد و انما راحوا





__________________كل الحقوق ممنوحة__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.communication.akbarmontada.com
المدير
الادارة
الادارة


عدد المساهمات: 1779
تاريخ التسجيل: 08/06/2009
العمر: 26

مُساهمةموضوع: رد: دراسة حول دور الاعلام فى الحروب الحديثة   الإثنين نوفمبر 29, 2010 12:17 pm

ايضا يستمتعون بفوائد الاصلاحات الليبرالية الفيكتورية التى تصاعد ما وفرته لهم من اجور افضل ووقت فراغ اطوال . و لم تكن الجرائد قبل هذا قد قدمت و لا اهتمت الا بالقسم المتعلم الصغير نسبيا من المجتمع . غير ان جريدة ديلى ميل كسرت هذه القاعدة و سرعان ما تبعتها الجرائد التى قلدتها فى العالم الصناعى باسره و فى امريكا بدأ راندولف هيرست الظاهرة التى عرفت بأسم " الصحافة الصفراء " غير انه بالنسبة لأولئك الذين لم يرغبون فى الاستـفادة من قدرتهـم المكتسبة حديثا على القراءة و هم من يعتقد المرء انهم الاغليبة فان العام 1896 شهد اول عرض سينمائى تجارى قدمه الاخوان لوميير فى باريس ( على الرغم من ان المخترعين الحقيقيين للسينما و التوقيت الأصلى لذلك الحـدث لايزال موضوعا للكثير من الجدل التاريخى ) و قد نشأ فن التصوير السينمائى بدافع من الفضول العلمى لمعرفة الحياة البرية ( من رغبة العلماء – على سبيل المثال- فى دراسة حالة الطيور اثناء الطيران حتى يستطيع الانسان ان يحاكى هذه العملية ) و قد ادت البحوث التى اجريت فى انحاء شتى من العالم و كان كل منها يجرى منفصلا عن الأخر فى الغالب – ادت الى تحويل فن التصوير السينمائى الى اقوى و اقدر وسائل الاتصال الجماهيرية فى النصف الأول من القرن العشرين . و فى العام 1896 وقع حادث ثالث مهم حينما اظهر جوجليلمو ماركونى امكان التطبيق العملى للإرسال البرقى اللاسلكى فى سـهل سالزبرى .
و لذلك فأنه فى سنة واحدة بارزة فى التاريخ ظهرت الى الوحود الوسائط الرئيسية للاتصالات الجماهيرية هو ما اعطى الدعاية الحديثة للحرب اهميتها و تأثيرها فى القرن العشرين .
و فى البداية كان تأثير الوسائط الجديدة على اداء الدعاية للحرب ضئيلا نسبيا . غير انه من المؤكد فى اثناء حرب البوير( 1899 – 1902 ) اصبحت الصحافة الشعبية ذات صبغة وطنية متعصبة متطرفة بينما راحت حشود الجماهير تستمتع – ايضا – بحربها من خلال اغانى صالات اللهو و الاستماع . غير ان تلك الحرب و ما جلبته من صور الفزع كانت بعيدة – ماديا – على الرغم من التغطية الاخبارية التى حصلت عليها من خلال فرق صنع النشرات الاعلامية المتزايدة و فى امريكا اثبت هيرست انه لا يقل قدرة على صك الشعارات المتعصبة و المتطرفة فى الحرب الاسبانية الامريكية ( العام 1898 ) بالصيحة التى اطلقها تقول : " تذكروا ألمين " … مشير الى سفينة حربية امريكية اغرقها الاسبانيون فى بداية الحرب . غير ان الحرب الروسية اليابانية فى العام 1905 هى التى حظيت بمتابعة تميزت باهتــمام خـاص من جانـب السلطات السياسية
والعسكرية على السواء مما يؤكد دور وسائل الاتصال الحديثة فى تقرير نتيجة صراع ما بين القوى الكبرى . و فى خلال عقد واحد من السنين كان من المقدر ان تختبر الدروس التى عرفت فى ذلك الصراع من خلال اكثر نضال دموية عرفته البشرية حتى ذلك الحين .

























10- الدعاية والحرب الباردة وعصر التليفزيون
لم تكن " اعـادة التربية السياسية " لالمانيا سوى عنصر واحد من عناصر الصـراع بين الغرب
والشرق . فمع هزيمة دول المحور تحلل " الاسمنت " الذى كان يربط حلفاء زمن الحرب بعضهم ببعض . و سرعان ما تحول العداء المتبادل بين الدولتين العظمتين الى " الحرب الباردة ": حرب بين ايديولوجيات حيث اصبحت الاسلحة فيها اقل اهمية من الكلمات و عادت الى السطح الخلافات الايديولوجية الجذرية العميقة بسبب التخلص من العدو المشترك و بسبب احتلال الجيش الاحمر لاوروبا الشرقية و قمعه لها و بسبب عملية " امركة " أوروبا الغربية بواسطة مشروع مارشال . و اصبحت العلاقات السوفيتية – الامريكية هى المركز المحورى الذى تدور حوله افكار ما بعد الحرب العالمية المتعلقة بالحرب و السلام و ذلك لان تلك العلاقات ظلت تهدد – بشكل دورى – بان تنفجر فى شكل حرب ساخنة مثلما حدث العام 1948 مع حصار برلين و فى العام 1963 مع ازمة الصواريخ الكوبية . و مع ذلك فعلى الرغم من الصدمات الاقليمية الخطيرة التى انتشرت حول العالم و بخاصة فى كوريا ( من 1950 الى 1953 ) و فى الشرق الاوسط ( 1967 ، 1973 ) و فيتنام ( 1963 – 1975 ) فقد تجنبت القوتان العظيمتان شن حرب عالمية ثالثة يمكن ان تهدد بدمار الكوكب بأسره . فقد اسفرت الاسلحة النووية عن نشوء موقف جديد تماما لم تعد معه مخاطر شن الحرب مساوية بوضوح للمكاسب المحتمله ففى صراع نووى لا يحتمل ان يخرج احد الاطراف منتصرا فائزا بشكل واضح و تعبر الحروف الاولى للكلمات الانجليزية التى سميت بها نظرية " الدمار المؤكد المتبادل – Assured Destruction Manual " او " Mad " ( التى تعنى : مجنون ) تعبر عما اسفرت عنه تلك الاسلحـة النووية . و على الرغــم من الصــدام
والاحتكاك المتكرر بين الدولتين العظمتين من اجل السيطرة و المكانة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية فان واحدة منها لم تخاطر ببدء صراع جديد الا اذا كانت على استعداد – ببدئها – ان تعمل على فنائها هى . و تشير نظريات الشتاء النووى الى ان جزء واحد من ترسانة الاسلحة النووية الموجودة فى العالم يكفى لتدمير الغلاف الجوى للكوكب و مناخه حتى انه لو قيض لاحد الطرفين ان " يفوز " فى الصراع فانه سيخسر كل شئ فيما بعد .
و فى مثل هذه الظروف برزت الدعاية بوصفها بديلا للحرب الحقيقية اذا ليس من المؤكد انه من المقبول اكثر ان تصيح كل دولة من الدولتين العظمتين و تصرخ فى وجه الاخرى بدلا من ان تتبادلا التراشق بالصواريخ النووية ؟ . و مع هذا فان الدعاية ذاتها تعتبر تهديدا للسلام . فكيف اذن ترتبط الظروف الجديدة للعصر النووى بالنظرية القديمة القائلة بان الدعاية هى احد الاسباب المؤدية الى الحرب ؟ . و فى العام 1964 كلف " المركز العالمى لحكم القانون " كلا من جون هويتون John Whitton و ارثر لاسون Arthur Larson ان يدرسا ذلك السلوك فبدأ البحث الذى شمل تقريرهما بالعبارة التالية :
" الدعاية من الاسباب المؤدية الى الحرب " . و اضافا بعد ذلك يقولان : " ان القول بان الدعاية فى حد ذاتها من مخاطر الحرب ليس من قبيل الكلام النظرى او الانشاء المنسق . و هناك دليل تاريخى مقنع يدل على التعجيل الفعلى بنشوب الحرب بواسطة وسائل دعائية متعمدة " .
و يمضى هويتون و لارسون للإشارة الى العديد من الامثلة التى حدث فيها مثل ذلك فى محاولة لتكريس فكرة " نزع السلاح فى حرب الكلمات " . فمن اذا يمكن ان يشك فيما حاول هذا البحثان يبينه من ان الدعاية كانت احد العوامل المكونة لاصول الحــروب – عبر التاريـخ – و اسبابها
وأساليب ادارتها ؟ . غير ان هذا يتجاوز الهدف و يبتعد عنه بمعنى ما . فالدعاية لا تتسبب وحدها فى الحرب و لا هى حتى احد اسبابها الرئيسية انما يتسبب فيها اصحاب السلطة الذين يوازنون بين المخاطر الممكنة و المكاسب المحتملة حتى يحققوا اهدافهم بوسائل مختلفة عن الوسائل السلبية لقد قال كلوزفيتز : ان الحرب هى استمرار للسياسة بوسائل مختلفة . ان السياسيين هم من يشنون الحرب و سياستهم هى التى تسببها .و صنعتهم هى فن الممكن . و الدعاية لا تعمل فى فراغ منفصل عن الحقائق الاجتماعية او السياسة . انها وسيلة اساسية يحاول القادة بواسطتها ان يكسبوا التأييد العام من الجمهور بسياستهم او ان يتجنبوا بواسطتها المعارضة لتلك السياسات . و يتوقف نجاحهم – او ما يخالف ذلك – فى اجاز هذا الهدف ، على مقدار مهارتهم فى استغلال فن الدعاية و لكن مجرد ازدياد الدعاية زيادة حادة كبرى فى القرن العشرين لا يجعل نشوب الحروب اكثر احتمالا ، و انما يعنى ان الدعاية قـد جعلت من فن السياسـة ممكنا اكثر مما كان . و فى الحرب الباردة اصبحت الدعاية استمرار للسياسة بوسائل اخرى … و فى العصر النووى ، عندما اصبــحت الأولـــوية لـــدى الدولتـــين العظمـــتين هــى المحافــظة عـلى
" التوازن النووى " بهدف ردع الطرف الاخر عن بدء الحرب ، اصبحت الدعاية وسيلة اساسية تحارب الدولتان العظميان احداهما الاخر بها بواسطة الكلمات بدلا من الحرب المادية … و دائما ما بث هذا الخوف فى القلوب الواهنة . فعلى سبيل المثال لا يستطيع الا المجنون ان يستنتج ان المكاسب المحتملة الناتجة من توجيه ضربة اولى " سوف تفوق مخاطر الابادة النووية . و مع هذا فان " القدرة عل توجيه الضربة الاولى " تظل عنصر مهم فى الحرب النفسية التى تصاحب سباق التسلح النووى . ولو سئل احد الطرفين ان كان يغضل ان يسدد هو الضربة الأولى ، فلابد ان يستبق لنفسه خيار ان يقول : " اجل " خوفا من ان يستفيد الطرف الاخر من قول " لا " . انها مبارة فى الشطرنج بين القوتين العظمتين حيث ينبغى ان تقابل كل حركة بحركة مضادة . و بعد ما يقرب من نصف قرن من الممارسة اصبح من الممكن ان يقال ان دور الدعاية فى دفع الطرف الاخر الى التخمين – هو حتى الان – المساعدة فى حفظ السلام .
و فى هذا الجدل النووى ترتفع حدة الانفعالات مع تزعم جماعات الضغط المناهضة – بالكلام – للتسليح النـووى و الطاقة النـووية حمـلة دعائية تلعب على اوتار المخاوف و الهموم الحقيقية التى يتقاسمها كل من يعيشون فى العصر النووى و فى هذا كما فى مجالات عدة اخرى تمتع المتخصصون السوفييت فى الدعاية بميزات كبيرة بالمقارنة مع نظرائهم الغربيين . فهم يستغلون الاختلاف الديموقراطى الصحى لكى يضغطوا بشكل مستمر على الحكومات الغربية حتى تنزع سلاحها محتمين بما يعرفونه من عدم وجود او اتاحة متنفسات مشابهة فيما وراء الستار الحديدى و قد انجز انتصار كبير فى السبعينيات حينما وقف الرآى العام الغربى ضد فكرة انتاج قنبلة نيترونية بوصفها " سلاحا رأسمالى غير انسانى " لانه يقضى على البـشر و لكنه يـترك المبانى
والاشياء سليمة و ترد الحكومات الغربية بتأكيد الحاجة الى " رادع " ضد ما ثبت انه نظام ديكتاتورى عدوانى فتشير الى ما حدث فى المجر العام 1956 و فى تشيكوسلوفاكيا العام 1968 و فى افغانستان فيما بين 1979و 1988 و يظل الاتحاد السوفيتى هو " العدو " الذى ينبغى ان يستعد الغرب للدفاع عن نفسه ضده تطبيقا للعقيدة القائلة : " ان من يستحق السلام يجب ان يكون مستعدا للحرب " كان الكاتب الرومانى فيجينيوس هو الذى كتب تلك الكلمات فى القــرن الرابع
ولكنها اكتسبت المزيد من الاهمية و المغزى فى ضوء تجربة الثلاثينيات حين وجدت الدول الديموقراطيه غير المسلحة نفسها مضطرة لان تقبل مطالب الديكتاتوريين الطغاة . و لا يعد هذا المزج من التبرير التاريخى و النظرى للحفاظ على التوازن النووى فى عالم ما بين الحرب العالمية الثانية سوى منطقة واحدة من المناطق التى تزدهر فيها معركة الدعاية ، سعيا الى كسب قلوب الناخبين المحبين للسلام و دافعى الضرائب و عقولهم . ان الخوف هو اصل هذه المعركـة
وجذرها فلا شك فى ان الخوف من القنبلة يغذى العقلية الانهزامية – السلامية – التى تحض نصيحة فيجنوس و تكذبها . و لذلك لا بد من ان تصنع الخوف من " العدو " فما دام " العدو " امتلك " القنبلة " فان محبى السلام سوف يخشونه على الدوام سواء كانوا من السوفييت او من الامريكيين . و تستغل الدعاية تلك المخاوف فى كل من المعسكريين لتبرير الانفاق على التسلح . و لا بد ان ترسم صورة الطرف الاخر بحيث يبدو عدوانيا عسكرى النزعة و قمعيا ، و باعتبار تهديدا حقيقيا لنوايا موسكو او واشنطون . انه صراع من اجل الاستيلاء عل المراكز الحيوية المؤثرة فى المنازعات الدولية حتى يضمن من يفوز بها التأييد الداخلى ، و تأييد الرأى العام فى بلاد حلفائه . و قد قال الرئيس نيكسون ذات مرة " قد يبدو تعبيرا مليودرامى القول ان الولايات المتحدة وروسيا يمثلا الخير و الشر . و لكننا لو فكرنا فى الامر بهذه الطريقة لاعاننا هذا على توضيح منظورنا الذى ننظر من خلاله الى الصراع العالمى " . ان مواقف من هذا النوع هى التى تنتج الدعاية التى تساعد بدورها على التسبب فى الحرب و لذلك فان القضية هى كيفية النزول بصورة الخصوم المحتملين لابعادها عن موضع " العـدو " الذين يحتلونـه فى العقلية العامـة .
ويمدنا مثال الولايات المتحدة فى اواخر الاربعينيات و اوائل الخمسنيات حين كانت خطوط القتال فى الحرب الباردة قد تحددت ، يمدنا بصورة ممتازة لاخطار الدعايـة التى تحركـها الكراهـية و تدفعها . لقد خلقت الحملة المعادية للسوفييت التى تخللت جميع جوانب الحياة الامريكية و التى تمثل رأس مال حريتها فى لجنة النشاط المعادى لامريكا فى مجلس النواب و توجتها عملية مطاردة للخصوم اشبه بمطاردة السحرة تحت تأثير النزعة الماكارثية فى اوائل الخمسينات ، خلقت مناخا من الخوف لم يكن من من الممكن فى ظله التسامح مع اى تعاطف مع " العدو " . و غذيت عملية تحول حليف سابق فى زمن الحـرب الى عدو فى زمن السلم عن طريق عرض احداث ما بعد الحرب باسلوب و فى ضوء عدائيين بصورة حادة . و لم يكن التهديد الاحمر وقفا على اوروبا و جنوب شـرق اسـيا و انما كان يهدد اسلوب الحياة الامريكية ذاتــه . و تولت الكتب والمجلات و جماعات المراقبـة و المتابعـة الساهرة ككلاب الحراسـة و التى غالبا ما كان يمـولها و يشجعها مكتب التحقيقات الفيدرالى ( F.B.I ) تولت تغذية و الهاب مناخ لم يكن ليسمح باى رأى فى الروس سوى انهم الاعداء . لقد كانت تلك حملة جعلت حملات الحرب العالمية الثانية عن وجود طابور خامس نازى تبدو باهته بلا قيمة و اصبح العدو الكامن فى الداخل الجديد هو جميع ابناء المجتمع الامريكى الذين ابدو فى اى وقت من حياتهم اى نوع من التعاطف مع القضايا الشيوعية او الاشتراكية او الليبرالية حتى لو كان ذلك قد حدث فى اثناء فترة الحرب نفسها و لكن ما هو اكثر شؤما و ما انذر بالسؤ هو وصم كل من احتج على اى اجراء حكومى بأنه مخرب فصار الامر كما يبدو مما ذكرته احدى الجرائد السينمائية فى تغطيتها لاعمال الاحتجاج العامة فى نيويورك العام 1949 بقولها لقد كان ميدان اليونيون ( الاتحاد ) مسحا لهذه المشاهد من العنف الاحمر فمن بين صفوفهم سوف يأتى المخربون و الجواسيس و الهدامون اذا ما فرضت الحرب العالمية الثالثة على امريكا و جاء التليفزيون هذا الوسيط الاعلامى الجديد بالتهديد ذاته الى غرفة معيشة الامريكيين العاديين اللذين لم يكونوا يهتمون من قبل بالشئون السياسية و امتلئت الصحافة و التلفزيون بالجواسيس السوفييت و العناصر الهدامة من الامريكيين واستغلت هوليـود بدورها هذا المزاج الهيستيرى بافلام من نوع " امرأة على الرصيف رقم 13 " و كان اسمـه فى الاصل تزوجت شيوعيا " . بل ظهر فيلم من نوع الخيال العلمى يدعى ( هم ) الذى دار حول نمل احمر و هو لون ذو المغزى المهم و الموحى – يطير فيستقر فى شبكة الصرف الصحى بمدينة لوس انجيلوس و يستولى عليها . و حينما قام الروس بتجربةاول قنبلة ذرية العام 1949 اتخذ التهديد ابعاد وبائية فى وسائل الاعلام الجماهيرى خاصة مع انتشار الاعتقاد بان السر النووى قد سرقة الجواسيس من امريكا .
و ما كان لمعركة ان تقتصر على الامريكيين وحدهم فقد حرص مقاتلو الحرب الباردة على ان يحملوا المعركة الى الاتحد السوفييتى . و فى احد الرامج التليفزيونية و كان يدعى " مرصد لونجينوس : جريدة تليفزيونية عن قضايا الساعة المهمة " – قال ايمانويل سبللتر عضو الكونجرس بمجلس النواب :
لا شك فى ان روسيا تكسب الان معركة الدعاية . و لو سمح لى لقلت اننى اود ان تستخدم " قنبلة حرف الحاء " اى قنبلة الحقيقة و ان افجرها فوق اوروبا بأسرها و خاصة حيث يسيطر الشيوعيون ... اننى افضل الاقتصاد و لكن حين تصل الامور الى شن الحرب بدلا من السلام فلن يكفى ما ننفقه مهما كان حجمه .
هكذا شنت " الحرب الصليبية من اجل الحرية " بدافع ظاهرى هو تدعيم قدرة شعوب شرق اوروبا المحبة للحرية على التخلص من النير العسكرى السوفييتى و ذلك عن طريق امدادهم بالاخبار " الموضوعية " و المعلومات من خلال اذاعة " راديو اوروبا الحرة " الجديدة ثم اذاعة " راديو التحرير " التى تغير اسمها الى " راديو الحرية " فيما بعد .
و على حد ما قال المغنى الشعبى المحبوب بينج كروسبى فى احد الافلام حينما كان يدعو فى دور السينما الى مساهمة الجماهير فى التمويل :
اريد ان اخبركم بما اكتشفه فى اوروبا . ان لنا اصـدقاء كثيرين ممتازين وراء الستار الحديـدى و ربما بلغ عددهم 50 او 60 مليونا . و هم بالطبع ليسوا من الروس و ليسوا شيوعيين انهم اناس محبون للحرية يعيشون فى البلدان الأسيرة و يرفضون ان يصدقو الاكاذيب الحمراء الكبيرة التى يرويها لهم الشيوعيون . و هل تعرفون لماذا لا يصدق هؤلاء الناس تلك الاكاذيب ؟ لاننا ، انت وانا و ملايين غيرنا من الافراد الامريكيين قد وجدنا طريقة لاختراق الستار الحديدى بواسطة الحقيقة و تلك هى اذاعة " راديو اوروبا الحرة " اقوى سلاح فى الحملة الصليبية من اجل الحرية و انتم تعرفون اننا نساعد فى منع الحرب العالمية الثالثة . و لكنها تتطلب دولارات ... و هذا ما نستطيع ان نقدمه : دولارات الحقيقة .
و لم تكن المساهمة العامة كافية للانفاق على الحملة الصليبية التى تدعمها وكالة الاستخبارات الامريكية بشكل سرى . و حال رونالد ريجان ان يضيف تأييده الخاص بقوله :" ان الحملة الصليبية من اجل الحرية هى فرصتك و فرصتى لمحاربة الشيوعية فانضم الينا الان بارسال مساهمتك ... او انضم الى الجماعة المحلية حيث تقيم " .
و قد اصبح استدعاء و رفع الدعم الجماهيرى العام امرا اساسيا بالنظر الى الاعتقاد الذى انتشر فى امريكا عن ان الروس اختلسوا لانفسهم قصب السباق فى الصراع الدولى الدعائى الذى اعقب الحرب . و فى العام 1948 صدر قانون " سميث – موندت " لكى يعيـد الى الحياة من جـديد ادارات الاستعلامات الامريكية لما بعد الحرب " من اجل ترويج فهـم افضل للولايات المتحـدة فى البلاد الاخرى . و لزيادة الفهم المتبادل بين شعب الولايات المتحـدة و شعـوب العالم الاخرى " . و يعد هذا تعريفا تقليديا عريقا لـ " الدعاية الثقافية " او الديبلوماسية الثقافية – مثلما يفضل البريطانيون والفرنسيون ان يدعوها – غير ان هدفها كان سياسيا بشكل واضح فى مناخ الحرب الباردة . و قد وضح هذا كل الوضوح حين شن الرئيس ترومان حملته " من اجل الحقيقة " ضد الشيوعية عقب انفجار الحرب الكورية مع رصد الكونجرس لميزانية – لهذه الحملة – تبلغ 121 ميون دولار . و فى العام 1951 انشأ الرئيس الامريكى " هيئة الاستراتيجية النفسية " من اجل تقديم المشورة لمجلس الامن القومى . و فى العام 1953 كان هناك مستشار شخصى فى الحرب النفسيه يعمل فى البيت الابيض لمعاونة الرئيس ايزنهاور . ان الدرجة التى بلغها التعاون يد بيد بين كل من الدعاية و الحرب النفسية – من جانب – و السياسة الامريكية فى اعلى المستويات ، ان هذه الدرجة يعكسها اعتقاد ايزنهاور الذى تعبر عنه كلماته حيث يقول :
اننا نخوض الان حربا باردة . و لا بد لهذه الحرب الباردة من هدف ما و الا كانت بلا معنى . اننا نخوضها – و نقودها – على اساس الاعتقاد بانه اذ لم تكم هناك حرب و اذا سمح لنظامين مختلفين من الحكومات ان يعيشا جنبا الى جنب ، فان نظامنا نحن هو من سيفوز فى المدى الطويل لانه صاحب الجاذبية الاعظم للناس فى كل مكان و للبشرية كلها و ان نظامنا نحن هو من سينزل الهزيمة بكل انواع الحكومات الديكتاتورية لانه صاحب الجاذبية الاعظـم للنفس الانسانية
و للقلب الانسانى و للعقل الانسانى ...
و فى سبيل هذا الهدف راحت اذاعة " صوت امريكا " ( Voice of America أو V.O.A – الاذاعة الخارجية الامريكية الرسمية ) تبث برنامجا يوميا مدتة 28 ساعة فى 34 لغة مختلفة حول العالم و فى هذا العام 1955 اصبحت هذه الاذاعة تبث 850 ساعة اسبوعيا كجزء من حملة دعائية دولية شاملة تديرها ادارة خدمة الاستعلامات الامريكية و لقد سعت هذه الجهود الى تحويل امريكا الى وضع الهجـوم بوصفها بطلا للحرية و للديموقراطية و مع ذلك فلا يسع المرء الا ان يخرج بالانطبـاع الذى يقـوم الوثائق المعاصرة المتاحة – و الذى يؤكد ان السوفييت هم اللذين امتلكوا – فى الحقيقة – المبادرة طوال العقد الذى اعقب الحرب العالمية الثانية . اما الهجوم الدعائى الساحق للاتحاد السوفييتى ، الذى قامت بتنسيقه و قيادته ادارة لجنة الاثارة و الدعاية التابعـة للجنـة المركزية للحرب الشيوعى ، و الكومينفورم ( الذى اسس العام 1947 لكى يحل محل الكومينترن المنحل ) ... اما هذا الهجوم فقد تراوح بين الكتب و الكتيبات و النشرات و الاذاعات و الافلام . و اعتمادا على خبرة السنيين و نظام الرقابة الشمولى الصارم و الدعاية النشطة فى الداخل ، كانت الدعاية السوفيتية ايضا قادرة على استغلال الحرية النسبية التى تتمتع بها وسائل الاعلام الغربية لكى تنقل انباء الشئون السوفيتية على رغم ان جميع الاخبار التى تخرج الكتلة الشرقية كانت تعالج و تصاغ صارمة من قبل خروجها . و لسوف تكون هذه العوامل كافية دائما لكى تمد نظاما شموليا " مغلقا "بميزة دعائية يتفوق بها على الانظمة الديموقراطية . فلم يحصل المواطنون السوفييت الا على نظرة احادية الجانب الى القمع الروسى للانتفاضة المجرية فى العام 1956 . و كان السبيل الوحيد الذى يستطيعون بواسطته ان يحصلوا على وجهة نظر بديلة – بالنظر الى ان السفر الى الخارج كان محدودا بصرامة شديدة – هو ان يستمعوا الى الاذاعات المحظورة التى تبثها اذاعات :صوت امريكا و راديو اوروبا الحرة و الاذاعة العالمية التى تبثها الـ " بى.بى.سى " و فى الداخل شدد الحزب الشيوعى سيطرته على وسائل الاعلام المحلية بشكل اكثر قوة فى العام 1957 حينما وضع الراديو و التليفزيون تحت اشراف لجنة الدولة للبث الاذاعى و التلفزيونى . و حينما اقيم سور برلين فى العام 1961 اكتملت تقريبا قدرة النظام السوفييتى على تصوير الولايات المتحدة فى صور المعتدى و تقديمها بهذه الصورة لجمهور دعايته فى ازمة الصواريخ الكوبية فى العام التالى حتى عندما احجمت الولايات المتحدة عن تصعيد الازمة.
و فى ذلك الحـين كانت جبهـة القتـال قد انتقلت الى منطقتين جديدتين :العالم الثالث و الفضاء الخارجى فبينما راحت عملية تصفية الاستعمار تتقدم بخطو متسارع فى الخمسينيات مع انسحاب الامبراطويات الاوروبية القديمة من مناطق فتوحاتها التاريخية حاول السوفييت ان يملأوا الفراغ الذى نشـأ – بذلك الانسحاب – فى كل من افريقيا و اسيا و امريكا اللاتينية .و قد كان الامريكيون مستعدين للوصول الى حافة الابادة النووية بسبب كوبا لكى يثبتوا انهم لا يزالون يعتبرون امريكا الوسطى و الجنوبية " فنائهم الخلفى " حيث لا ينبغى ان يتجاسر شيوعى حتى على الرغم من ان أسوأ مبالغات العهد الماكارثى كانت قد ولت . و لذلك فقد اعتمد السوفييت – منذ ذلك الحين – على التسلل و الدعاية . و فى العام 1962 كان الراديو السوفييتى يبث 1200 ساعة اسبوعيا للبلدان الاجنبية و لم يكن موجها منها الى اوروبا الغربية سوى 250 ساعة فقط . ثم اصبح لراديو موسكو منافس يتمثل فى راديو بكين و لكن العداء الروسى – الصينى كان عند الاميركيين ثانوية بالنسبة للزيادة الكثيفة فى الدعاية الشيوعية الدولية . و اذ كانوا قد رسموا الخط بانفسهم فى امريكا اللاتينية : عند كوبا فانهم كانوا سوف يرسمون الخط بانفسهم – فى اسيا – عند فيتنام .
وقد برهن الرئيس كينيدى انه تميز فى استخدام الوسيط التليفزيونى الجديد . فلقد بلغت مهارته بوصفه " سياسيا يعتمد على وسائل الاعلام " و اكثر السياسيين فى هذا المجال كفاءة منذ روزفلت حتى ان الكثير من الاساطير التى تحاك عن ادارته ما تزال تتحدى السجل التاريخى الفعلى . لقد ساعده شبابه و صورته النشطة اضافة الى قدرته على العثور على العبارة الموجزة النافذة المناسبة امام الات التصوير ساعده كل هذا فى تقديم نفسه فى صورة زعيم جذاب للعالم الغربى فيما كان هـذا العالم سيعى الى وقف تقدم الشيوعية . و سرعان ما ادرك كينيدى ان سباق الفضاء سوف ينظر الناس اليه باعتباره مجالا لتأكيد المكانة و القوة من خلال الانجاز التكنولوجى فأطلق البرنامج الفضائى الامريكى حتى يسرق الدوى الذى صنعه و احتكره السوفييت اثر اطلاقهم للقمر الصناعى " سبوتنيك " فى العام 1957 . غير انه لم يقدر له ان يرى فوز امريكا بهذا السباق اثر النزول الامريكى على القمر العام 1969 كما لم يقدر له – بسبب اغتياله فى دالاس فى العام 1963 – ان يرى النتيجة المفجعة للحرب التى بذل الكثير لكى يزيدها اشتعالا فى جنوب شرق اسيا .
و لم يزحف الصراع الفيتنامى على شاشات التليفزيون الامريكى الا بالتدريج و بشكل يعكس خطوات التورط الامريكى فى الحرب . فى العام 1963 كان هناك فى فيتنام 16 ألف جندى امريكى و نحو عشرين مراسلا حربيا خارجيا . و عندما حل العام 1968 كانت هذه الارقام قد بلغت نصف مليون رجل و 637 صحفيا . كانت تلك اول حرب تدور اما الات تصوير التليفزيون وكان تأثيرها فى الرآى العام الامريكى ( و العالمى ) و فى الحكومات – تأثيرا عميقا لقد ظهرت الصور التليفزيونية للرهبان المحترقين و الاطفال المقتولين بالنبالم و مقاتلى الفيتكونج فى اثناء اعدامهم و طائرات القتال المروحية ... ظهرت كل هذه الصور – وغيرها – كل ليلةفى غرف المعيشة و فى منازل المدنيين البعيدة بعدا قصيا عن جبهة القتال فجعلت الحرب الفيتنامية اكثر حرب " مرئية " فى التاريخ فهل كان يمكن ان تستمر الحرب العالمية الاولى طوال المدة التى استمرتها لو ان التليفزيون كان متاحا انذاك ؟ . و مع ذلك فقد استمرت الحرب الفيتنامية مدة اطول بكثير من تلك التى دامها ذلك الصراع على الرغم من التليفزيون . و مع ذلك فانه لن يكون اسرافا فى الخيال ان نقول ان التليفزيون لعب دور كبير فى التسبب فى اول هزيمة عسكرية بالغة و دائمة الاثر فى التاريخ الامريكى .
و من وجهة النظر الدعائية يمكن تقسيم هذا الصراع الى ثلاث مراحل اساسية : المرحلة الاولى من 1941 الى 1963 حيث لم يلعب الامريكيون سوى دور ثانوى من خلال عدد قليل من المستشارين العسكريين و هو دور لم يحظ الا بالقليل النادر من الاهتمام الاعلامى . و المرحلة الثانية من 1963 الى 1968 التى شهدت تصعيدا كثيفا فى التورط الامريكى على يدى ادارتى الرئيس كينيدى و الرئيس جونسون و زيادة مماثلة فى التغطية الاعلامية و فى خلال تلك المرحلة اسس " المكتب المشترك للشئون العامة للولايات المتحدة : Joint United States Public Affairs Office " أو ( JUSPAO ) لتلبية احتياجات رجال الصحافة و الاعلام الذين ايدت غالبيتهم الحرب فقد كان من السهل ان يتعامل المكتب المذكور مع – وان يسيطر على – جماعات من الصحافيين عديمى الخبرة الذين كانوا يحاولون ان يحققوا لانفسهم الشهرة و استغل المكتب اعتمادهم على الاخبار الواردة من جبهات القتال فى الشمال . و لم يكن ظهور الرقابة العسكرية محسوسا على رغم اتساع فجوة التصديق حين بدأ عدد قليل من الصحافيين فى مراجعة و فحص " الحقائق " التى





__________________كل الحقوق ممنوحة__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.communication.akbarmontada.com
المدير
الادارة
الادارة


عدد المساهمات: 1779
تاريخ التسجيل: 08/06/2009
العمر: 26

مُساهمةموضوع: رد: دراسة حول دور الاعلام فى الحروب الحديثة   الإثنين نوفمبر 29, 2010 12:18 pm

كانت المصادر الرسمية تصدرها فى سايجون فوجدوا تضاربا كبيرا بين الروايات الرسمية عن المعارك التى يصدرها المكتب و ارقام الخسائر البشرية عما لاحظوه بأنفسهم و استغلت هانوى تلك الثغرة فى قابلية الروايات الامريكية الرسمية للتصديق و راحت هانوى تسمح للصحافيين بان يرو ما تريدهم ان يـروه فقط . و تبين للشـمال انه على الرغـم مـن تدنى مسـتوى معداتـه وتكنولوجيته العسكرية فان تراث الدعاية الحربية الشيوعى يستطيع ان يستغل الحريات الديموقراطية العزيزة و المقدسة . فلو استطاعت هانوى ان تكسب الصحافيين الى صفها او ان تجعلهم – على الاقل – يشكون فى قدرة امريكا على كسب الحرب اذن لكسبت هانوى الحرب فى نيويورك وشيكاغو و لوس انجلوس و سان فرانسيسكو .
وقدر للهجوم الفيتنامى الذى عرف باسم " هجوم تيت The Tet Offehisive " فى العام 1968 ان يكون نقطة تحول حاسمة و عكست التغطية الاعلامية تصاعدا عداء الصحافيين الامريكيين للتورط الامريكى . و اكد الجنرال ويستمورلاند القائد الامريكى فى العام 1979 :
لقد اساءت وسائل الاعلام الامريكية توجيه الشعب الامريكى و ضللته بشأن " هجوم تيت " و حين تبينوا انهم اساؤوا الحكم على الموقف – و انه كان فى الحقيقة انتصارا امريكيا – فانهم لم يكونوا يملكوا الشجاعة و لا الامانة لكى يعترفوا بذلك .
غير ان الصور التليفزيونية فى ذلك الوقت رسمت شيئا مختلفا كل الاختلاف ... لقد راح وولتر كرونكايت _ المذيع الرئيسى البارز و المحترم لمحطة " سى.بى.اس " C.B.S الاخبارية – راح يراقب الشاشة بفزع بينما مقاتلوا الفيتكونج يجتاحون السفارة الامريكية فى سايجون ثم يصيح " ماذا يحدث بحق الجحيم ؟ لقد كنت اظن اننا نكسب الحرب ! " ... كانت ثغرة المصداقية قد وصلت الى امريكا نفسها . و كان الرئيس ليندون جونسون قد فقد تأييد الامريكيين متوسطى الاعمار بينما نزل الامريكيون الشبان و الفتيات الى الشوارع يحتجون فقرر ان لا يدخل انتخابات الرئاسة للعم 1968 . و حاول الرئيس الجديد ريتشارد نيكسون ان يكسب الحرب بان يمدها الى لاوس و كمبوديا و بواسطة القصف الجوى المكثف للشمال . و خفض عدد القوات الامريكية المشاركة فى الحرب بالتدريج كتنازل للرآى العام بينما قدم القصف الجوى الامل فى النصر مثلما فعل فى الاعوام من 1940 الى 1943 . و مع ذلك فان القصف الجوى – مثلما ثبت فى الحرب العالمية الثانية و حتى اذا بلغ المدى الذى كان الامريكيون مستعدين لبلوغه فى الاعوام من 1969 الى 1973 – لم يدمر معنويات العدو بل ربما الحقيقة هى ان العكس هو ما حدث . ان محاولة ترمى الى ان يثبت للرأى العام ان العسكريين قادرون على ضرب العدو فيما كانوا يخسرون المعركة الدعائية . غير ان قلوب الامريكيين و مشــاعـرهم كانت قد انصـرفت عن الحرب .
و انحنى نيكسون للنتيجة الحتمية و فى 1975 سحب اخر الجنود الامريكيين من سايجون و لا تزال الولايات المتحدة تحاول استيعاب هزيمتها فى فيتنام .
و هو ما يعكسه طوفان الافلام التى تنتجها هوليود حول هذا الموضوع عقب خمس سنوات من الصمت الفعلى ازاء القضية . و لكن ما الدرس الذى ينبغى استخلاصه من تجربة اول حرب تليفزيونية فى التاريخ ؟ لقد كتب ويليام سمول مدير القناة التليفزيونية الاخبارية " سى.بى.اس " C.B.S فى واشنطون يقول :
حينما قام التليفزيون بتغطية اول حروبة فى فيتنام فقد اظهر للحرب حقيقة مرعبة بدرجة و اسلوب لم تألفها كتلة المتفرجين الكبيرة . و لقد قامت بذلك حالة جديدة لا بد من دراستها بكل تأكيد و هى ان هذه التغطية و ما تكشفه من حقيقة الحرب المرعبة كانت حاسمة فى دفع الامريكيين الى رفض هذه الحرب و فى غرس الشك فى امريكا فى صور الكثيرين و فى تدمير اسس بقاء ليندون جونسون رئيسا للبلاد .
لا شك – اذن – فى ان عرض حرب حقيقية كل يوم طوال عشر سنوات بالالوان الطبيعية على مائة مليون جهاز تليفزيونى – فى طول امريكا و عرضها – لا بد ان يكون سببا فى كارئة فيما يتعلق بالمعنويات الداخلية . و مع ذلك فلقد تشكك الكثيرون فى هذه المقولة . و تكشف استطلاعات الراى ان اغلبية المشاهدين قبل العام 1968 كانوا متحمسين - بفضل التغطية الاعلاميـة – لتأييد جهود ابنائهم " هناك " و لكن الكثيرين – بعد ذلك و بعد التعرض لمدة طويلة لمشاهدة البشاعات المختلفة – اصبحوا معرضين عن المشاهدة مشبعين ضدها يتحولون بأذهانهم بعيدا عن اجهزة التليفزيون . و لكن هل يمكن ان نصرف النظر بهذه السهولة عن دور التليفزيون مع وجود كل هذه الصور للصراع المغروسة بقوة فى قلب ووعى القرن العشرين ؟.
ان " فيتنام " تكشف بالتأكيد اخطار الحرب على التليفزيون ، لقد كان المراسلـون الصحافــيون
و المصورون عاجزين عن تقديم صورة " صادقة " للحرب بسبب الظروف التى كانوا يعملون فى ظلها فاذ كانوا يحملون بسرعة بالطائرات المروحية الى داخل او خارج مناطق القتال فانهم كانوا يبحثون عن الصور و عن اللحظات المثيرة التى يطلبها رؤساء تحريرهم دون سعى الى السياق الذى ينبغى رؤية تلك الحظات فى اطاره . و التأثير البصرى من خلال شاشة صغيرة لا يؤدى دائما الى اعلام " صحافى " دقيق او كاف خاصة مع تنافس شركات التليفزيون – هناك فى الوطن – على توسيع التغطية الاخبارية فى " نشرات " سريعة مختصرة نافذة و حادة و من الطبيعى تماما ان يؤثر التحيز على ما تم تصويره من خـلال كيفية معالجته " بالمونتاج " و كيفية عرضه و ما عرض منه بالفعل . و على رغم ضآلة القيود الرقابية – نسبيا – على ما كان بوسع الصحفيين تغطيته فانهم تصرفوا دائما كما لو كانوا رقباء على انفسهم بالامتناع عن ادخال مواد – على نشراتهم – قد تثير امتعاض جمهورهم و نفوره و مع ذلك فان صورة قتل محارب من الفيتكونج يبدو لو ان رئيس شرطة سايجون فى اثناء هجوم تيت او صورة فتاة صغيرة عارية تصرخ من الام حروق النبالم التى اصابتها لهى المادة ذاتها التى تصنع منها الدعاية عن الاعمال الوحشية فى اثناء الحرب و كانت المشكلة هى ان الامريكيين و حليفهم هم من كانوا يرتكبون هذه الاعمال الوحشية وليس الاعداء مثلما اثبتت مذبحة ماى لاى . و كان معنى النقص النسبى للمادة الموازية عن الطرف الاخر هو ان الامريكيين بدأوا يتقاتلون فيما بينهم حـول الفــضائل النسبية للحرب
و حسناتها و لم يكن بوسع الاكثرية الا ان تخرج باستنتاج واحد . و يمكن القول بايجاز ان التليفزيون ساعد على تبسيط حرب معقدة لانه اعتمد – بحكم طبيعته ذاتها – على الاثارة و التعتيم و الانتقاء فاكد الخرافة القائلة بان " الكاميرا لا تكذب ابد " .
لقد اكد روبين داى المذيع البريطانى المرموق فى العام 1970 قائلا :
ينطوى التليفزيون على نوى فطرى من التحيز كامن داخله ازاء تصوير اى صراع فيما يتعلق بالوحشية التى يمكن ابصارها . و يمكنك بالطبع ان تقول هذه هى الحرب – الوحشية و الصراع و التجويع و الاقتتال – و لكن كل ما اود قوله هو ان ثمة قضايا اخرى تؤدى الى ظهور تلك الاعمال و تتسبب فيها و ان التليفزيون لا يعالجها ( تلك الاسباب ) المعالجة الكافية و ان المرء ليتساءل ان كان سيصبح فى المستقبل فى وسع اى دولة ديموقراطية لم تكبح التغطية التليفزيونية – فى كل منزل – ان تخوض اى حرب مهما كانت دربا عادلة .
و قد استطاعت مرجريت تاتشر ان تجيب على هذا السؤال فى العام 1982 . فقد اتاح الصراع الذى نشب فى جنوب المحيط الاطلنطى عقب غزو الارجنتين لجزر فوكلاند اتاح نموذجا لاى حكومة ديموقراطية ترغب فى القيام بدعاية للحرب فى عصر التليفزيون... ولم يكن ذلك دون مشاكل و لكنه اصبح نجاحا مقررا و خاصة فى الولايات المتحدة .
فبينما كان الديبلوماسيون البريطانيون يعملون بجد فى كل من واشنطون و نيويورك لكى يضمنوا تمرير الامم المتحدة للقرار رقم 502(الذى يدعو الى انسحاب القوات الارجينتينية قبل اجراء المزيد من المفاوضات حول مسألة السيادة ) عبئت و حشدت بسرعة حملة عسكرية من الاسطول الملكى ( البريطانى ) و ارسلت الى جنوب الاطلنطى . و كان من المهم للبريطانيين ان تسمح الامم المتحة لبريطانيا بالتصرف – على اساس ان الامم المتحدة هى الهيئة المعبرة عن الرأى العام العالمى – اذا كان لحكومة تاتشر ان تدير فى وطنها حربا عادلة . و قدم الارجنتينيون بوصفهم غزاة انتهكوا القانون الدولى و تخلوا عن عملية المفاوضات و انه لا يمكن ان تكون ثمـة مهـادنة مع الديكتاتوريين الطغاة و انه ليس للأرجنتينين ادعاءات تاريخية فى جورجيا الجنوبية و لكن هـذا لم يمنعهم من الغزو فكان ذلك برهانا على التصرفات العدوانية من جانب نظام شمولى يمينى ينتهك حقوق الانسان . و منذ ان شن الرئيس كارتر حملته المناهضة للسوفييت فى السبعينيات و التى ركزت على الدعاية الدولية و منذ احتلال الايرانيين للسفارة الامريكية فى طهران و احتجازهم للرهائن الامريكيين فيها فقد اصبح السياسيون المريكيون متيقظين منتبهين للأنظمة التى تلجأ الى هذا النوع الجديد من الارهاب . لم يكن الارجنتينيون يحتجزون الان 1800 من اهالى جزر فوكلاند ضد رغبتهم ؟ و لم تترك للأمريكيين فرصة للشك فى انه ينبغى لتعاطفهم ان يكونوا مع شركائهم فى حلف الاطلنطى و هذا الحليف نظام ديموقراطى يكافح تجاوزات ديكتاتورية و هو حليف تربطهم بهم – بالامريكيين – صـلات تاريخية فى هذا الصدد . و كان التعاون الامريكى بالنسبة للبريطانيين امرا حيويا و خاصة فى مجال المخابرات حتى ولو كان ذلك على حساب المخاطرة بحملة الرئيس ريجان ضد الشيوعية فى امريكا اللاتينية والتى كان يفترض ان تكون الارجنتين هى طليعتها . و لذلك فلم يكن اقناع الامريكيين بان يتخذوا جانب البريطانيين عملا مباشرا فكانت الحملة ( الدعائية ) البريطانية فى الولايات المتحة فى ابريل العام 1982 ناجحة بالقدر نفسه لنجاح الحملتين المظفرتين فيما بين 1914 و 1917 او فيما بين 1939 و 1941 .
و مع مرور القرار رقم 502 بامان من الامم المتحدة بتأييد امريكى تعين على حكومة تاتشر ان تواجه مسـألة المعنويات فى حرب حقيقية تدور على بعد ثمـانية الاف ميل من البلاد . و كان من الضرورى الا يكون هناك " تأثير فيتنامى " فى الصراع فحينما حاولت الـ " بى.بى.سى" معاملة وجهة نظر العدو باسلوب متكافئ ( مع معاملة وجهة النظر البريطانية ) انتقدها الحكومة لانها " متوازنة بدرجة غير مقبولة " و قالت السيدة تاتشر للبرلمان :
اننى لأعلم مدى قوة شعور الكثيرين من الناس بأن القضية التى يحارب من اجلها اولادنا لم تطرح بما يكفى من القوة فى بعض – و لا اقول فى كل – برامج الـ " بى.بى.سى" و قد اكد لنا رئيس الـ " بى.بى.سى " و شدد بقوة على ان الـ" بى.بى.سى " ليست محايدة فيما يتعلق بهذه المسـألة و انا امل ان ينتبه ال كلماته الكثيرون من المسئولين عند الحديث حول قواتنا العاملة حول اولادنا حول شعبنا و قضية الديموقراطية .
و لا شك فى ان تشرشل – لو كان حيا – لامتلأ زهوا و فخرا بها . وكانت الحكومة الاكثر سعادة بالموقف الذى اتخذته الصحافة الشعبية التى القت بثقلها وراء الحكومة على الرغم من ان تجاوزاتها ( مثل العنوان الرئيسى الذى تصدر صحيفة " ذاصن " مرحبا باغراق الطراد الارجنتينى بلجرانو و الذى قال فى كلمة واحدة : قفشتك Gotcha " ) كانت اقرب الى طبيعة صفحات الفضائح التى كانت تطبع فى القرن الثامن عشر منها الى التقاليد الصحافية البريطانية الحديثة .
و قد ساعد قصر المدة التى استغرقتها الحرب – اذ لم تدم سوى شهرين فحسب – على الحفاظ على المزاج الوطنى الذى اجتاح البلاد . غير ان الحكومة حظيت ببعض المميزات فيما يتعلق بترتيباتها للتغطية الاعلامية للحرب . اذ لم يسمح الا لعدد محدود من الصحافيين بمصاحبة القوة القتالية المتوجهة الى الحرب و ادت القيود الفنية الى استحالة ارسالهم الصور مباشرة من السفن الى المملكة المتحدة . و فيما كان الاسطول يبحر جنوبا اصبح واضحا ان الصحافيين اصبحوا جزءا طبيعيا من القوات التى يسافرون معها و ادى هذا التطابق او هـذه الوحـدة فى المخاطـر و الاهتمامات المشتركة الى ان اصبحت الرقابة الضرورية فى البداية على رغم وجود سبعة من الرقباء لفحص ما يكتبه الصحفيون الثمانية و العشرون فضلا عن ان الوقت التى كانت تستغرقة الافلام للوصول الى لندن على السفن او الى الطائرات العائدة اتاح للحكومة متنفسا مريحا من الوقت يضمن ان تصدر وزارة الدفاع ما يمكن تسميته بالرأى الصواب عن الاحداث و قيدت الاحكام الامنية تقارير كلا من الاذاعة و الصحافة اضافة الى رغبة الصحافيين فى عدم الافصاح لعدو عن مكان تواجد وحدات القوة القتالية التى كانوا يعملون من فوقها و نتج عن هذا ان اضطرت وسائل الاعلام فى الوطن الى استخدام صورة تأتى من مصـادر فى امريكا الجنـوبية و بما ان هذه بدورها كانت تحت سيطرة الدول المعنية و الدعائية بشكل فاضح فانها ادت الى اثارة غضب الحكومة و خاصة اذا ما استخدمت هذه المواد باسلوب غير انتقادى فى النشرات الاخبارية السريعة فاصبحت البرامج التحليلية فقط – بجمهورها الاقل عددا – هى القادرة على مواجهة تأثير دعاية العدو الصادرة عن الشاشات البريطانية الصغيرة غير ان الحالة المزاجية المرحة التى تميزت بها الرسائل الواردة من الاسطول اضافة الى ان النزعة الوطنية المتعصبة التى غلبت على الصحف الصغيرة الشعبية ( قال احـد العناوين الرئيسية فى "سن" : ابتهجوا مذبحة ) ساعدت فى رفع معنويات المدنيين .
وحالما بدأ اطـلاق النـار الفعلى فى اوائل مايو ادى الاهتمام الحقيقى بسلامة القوات البريطانية وخاصة بعد خسارة الطراد البريطانى " شيفيلد " الى المـزيد من الاتهامات الاكـبر ضخــامة والادانات الاكثر حدة . فبينما وجه الاتهام الى الـ"بى.بى.سى" بابتلاع الدعاية القادمة من الارجنتين ووجهت الاتهامات الى الصحــف الشعبية بانها تبالغ فى اثـارة التعصـب الوطنى و التعطش الى الدماء فقد اتهمت وزارة الدفاع بانها لا تصرح بما يكفى من المعلومات للصـحافة و يكشف هذا عن الجدل الخلافى الابدى بين العسكريين و وسائل الاعلام فى زمن الحرب السرية ضد العلنية و قد جسد المتحدث باسم وزارة الدفاع ايان ماكدونالد السرية التى يفضلها العسكريون بشكل تقليدى ( و كان اسلوبه البطئ الموجه و الخالى من التعبير فى ظهوره كل ليلة فى التليفزيون – قد جعله شخصية مشهورة على الصعيد القومى و اكسبه اسم الشهرة الذى اطلق عليه الة الكلام حسب الوزن او كل واحد يتكلم حسب وزنه Speak Your Weight Machine ) و لكن سياسته كانت تتلخص فى قاعدة : لا تكذب عامدا ابدا و لكن لا تعرض سلامة القوات للخطر ابد . و كان يعرف ايضا ان الارجنتينيين يشاهدونه فاذا ما ساعده الانكار على خداع العدو فاهلا ومرحبا وزادت الرقابة المصاحبة للقوة القتالية و حينما وقع غزو الجزر وضع القادة احتياجات الصحافيين فى اخر قائمة اولوياتهم وهو امر ليس شاذا او غير طبيعى و كانت النتيجة ان حصل الجمهور البريطانى على القليل من المعلومات عما كان يدور حينما كان يدور بالفعل وعلى الرغم من تقارير صوتية عدة من العمليات فلم يكن هناك سوى القليل جدا بشكل ملحوظ من صور الحرب الى ان انتهى كل شئ .
و مع ما كان رد فعل الحكومة ازاء التجربة الامريكية فى فيتنام مبالغا فيه . بالنظر الى ان غالبية وسائل الاعلام البريطانية كانت مؤيده للحرب وعلى حد ما جاء فى تعليق هنرى كيسينجر وزير الخارجية الامريكة الاسبق بقوله لو اننا تمكنا من ان تحظى سياستنا فى فيتنام بما حظيت به رئيسة الوزراء من تأييد سياسته فى جزر فوكلاند لكنت قد صبحت اسعد رجل فى العالم و لكن لم تكن السيدة تاتشر لتتقبل شيئا اقل من التأييد الكامل التام الخالى من اى نقض فوقعت فى الخطأ ذاته الذى وقع فيه بطلها السياسى وينستون تشرشل من حيث عدم الثقة فى وسائل الاعلام الديموقراطية فى زمن الحرب فليس هناك صحافى وطنى خاصة ذلك الذى يعمل الى جانب الجنود المقاتلين يريد ان يكشف معلومات قد تكون ذات قيمة للعدو . غير انه فى دولة ديموقراطية يريد ( هذا الصحافى ) ان يحتفظ لنفسه بحقه فى ابداء رأيه النقدى . و هو يعرف منذ زمن " راسل " فى حرب القرم و ما تلاها ان لانبائه تأثير مهما فى معنويات المدنيين و مع ذلك فهو يحتفظ بالحق فى ان ينتقد . و الحكومات التى تحاول ان تراقب و ان تحـظر الرأى كشئ متميز عـن الاخــبار و مختلف عنها هى اعداؤه الطبيعيون و فى الصراع حـول جـزر فوكلاند خلطت حكومة تاتشر بين المصالح القومية و المصالح السياسية و جمعت بينهما فجعلتهما واحد فيما تتطلب الدولة الديموقراطية الصحية السليمة ان تفصل بينهما و الاسهل و ربما الاكثر قبولا هو القيام بذلك الفصل فى زمن الحرب حين تعمل وسائل الاعلام كانها السلاح الرابع من اسلحة الدفاع القومى اما اخطار التضييق على التدفق الطبيعى للرأى نقديا كان او غير نقدى فى زمن السلم فهو التحدى الذى ينبغى للديموقراطية ان تقاومة .
ان التليفزيون بطبيعته ذاتها وسـيط قـادر على الاقناع و تكمن قوته فى انه يسبك الرأى و يقولبه حسب صياغة خـاصة فيستثير النقد الذى تخشاه الحكومات و فى الانظمة الشمولية تسيطر الدولة على هذه القوة و لا شك فى ان هذا يقيم قضية خاسرة لا يمكن الدفاع عنها فالتضيق على تدفق الارآ يعكس خوفا من الشعب و هو ما يمثل احد الاسباب التى تجــعل من سياسة المكاشفــة و المصارحة Glasnost مهما كانت محددة ما تزالتمثل تغيير جذريا للنظام السوفيتى الذى اعتمد فى الحفاظ على نفسه على قيادته للرأى العام و ليس على اتباعه له . اما السياسيون الديموقراطيون فلا يحتاجون الى الخوف من الرأى العام على الرغم انهم دائما ما يفعلون ام الزعم بان الرأى العام ساذج سهل الانخداع و التأثر بمختلف المؤثرات فيكذبه تزايد استخدام السياسيين للعلاقات العامة و الوكالات والوكلاء الصحافيين و وكالات الاعـلان امـا السياسيون المهرة مثل كينيدى و ريجان وتاتشر و جـورباتشوف فيعرفون ان السياسة الحديثة تعتمد على الصورة بقدر ما تعتمد علىالجوهر و المضمون فاذا جمعت بين الاثنين بنجاح فسوف يكون لديك سياسى ناجح . و السياسة مثل السلع و المنتجات الاخرى ينبغى ان تباع لجمهور المستهلكين .
و التعايش السلمى منتج يحتاج لأن يباع للرأى العــام العالمى و الخــلافات فى الرأى بين الافراد و بين الامم هى امر حتمى و لا يمكن تجنبه غير انه لا يمكن ان يظل جانبا صحيا من جوانب المجتمع المتحضر الا اذا امكن تجنب العنف و الحرب . ان الخوف و الجهل هما العاملان الرئيسيان للسلام و للتعايش السلمى و لقد كانت الوظيفة الرئيسية للدعاية هى امداد ذلك الخـوف
و ذلك الجهل بالوقود الذى يزدهما اشتعالا فاكتسبت لنفسها بهذا سمعة سيئة و لكنها تستطيع ان تكون ادة لتحقيق هدف بناء و سلمى و متحضر وربما تكون بحاجة الى اسم اخر على الرغم ان الكلمات العلنية او " الاعلان " Publicity أو " التنوير Puplic enlightenment " او " اعادة التربية Re - education" و ما الى ذلك قد استخدمت فى العادة لذلك الغرض لكى تكون وسيلة لاخفاء النوايا الحقيقية . ولقد بدأ هذا البحث فى الاشارة الى ان ماتحتاج الى الفحص و التدقيق حقا هى النوايا الكامنة وراء الدعاية و ليست الدعاية ذاتها ان النوايا هى ما تسببت فى الحروب و هى التى اطالت امدها و النوايا هى التى تستطيع منعها .
و مهما كان المصطلح الذى نستخدمه فان عصرنا هذا هو عصر الدعاية وليس فى هذا ما يخيف الدول اليموقراطية اذا كان للمرء ان يتقبل ان الدعاية ليست الا عملية اقناع . اننا نحتاج الى المزيد من الدعاية لا الى التقليل منها و نحن نحتاج الى المزيد من المحاولات التأثير فى ارآئـنا والى استثارة مشاركتنا النشطة فى العملية الديموقراطية التى تعتمد على الرآى العام لكى تظل باقية و فضلا عن ذلك فاننا – فى العصر النووى – نحتاج الى متخصصين فى الدعايـة للسلام و ليس الى متخصصين فى الدعـاية للحـرب : اناس وظيفتهم التواصل والتفهم و الحوار بين الناس المختلفين و بين العقائد المختلفة . و مع ذلك فثمة خصيصتان مهمتان : فلابد ان يصحب المزيد من الدعاية المزيد من التعليم و لابد ان يصاحبها ايضا المزيد من فرص الوصول الى المعلومات التى يمكن ان يتشكل الرأى العام المتعلم علىاساسها . فليس من المقبول ان نسمح بان يتعرض الراى العام للقصف بالاخبار و الاراء الصادرة عن عدد محدد من المصادر المحكومة . فذلك كان هو الطريق الذى سارت عليه النزعة العسكرية الرومانية و الملكيات الاستبدادية التى اعتمدت الحكم المطلق و الشمولية الستالينية و الديكتاتوية النازية . اما الرأى العام الحديث فيحتاج الى فرص اعظم للحصول على الوسائل التى يستطيع بواسطتها ان يتعلم اتخاذ قراره بدلا من ان يتخذ هذا القرار له . ولابد من ان نتخلص من خرافة " القادرين على الوسوسة فى العقول من مخابئهم " حتى نستطيع ان نتبين مقدار تأثيرهم فى مدركاتنا و مفاهيمنا . و لابد ان نركز على الرسالة لا على الوسيط الذى ينقلها و لكى نفعل هذا فاننا بحاجة الى تعليم اكثر و افضل عن كيفية عمل الوسيط و ماذا تعنيه الرسالة . و نحتاج الى المزيد من فرص التعرف على المجتمعات الاخرى حتى نتخلص من انواع الخوف و الجهل و التعصب التى تسببت فى الحروب طوال التاريخ .
ولابد ان يكون السياسيون مسؤلون عن اعمالهم و ان يساءلوا فيحكم عليهم- او لهم – فى ساحة الرأى العام الذى يعملون باسمه . و لابد ان يتبينوا ان الدعاية هى عملية اقناع وان الاقناع وسيلة ضرورية و موضوع ترحيب لصياغة الاتفاق الديموقراطى فى عالم متحضر تهدده الابادة النووية الممكنة بالفعل . فإذا اختلفوا مع الجمهور كان عليهم ان يقنعوا الجمهور بمزايا موقفهم غير انه لا بد ان تتاح للجمهور فرص معرفة ارائهم و حق ان يكون موضع ثقة فى ان يستجيب باسلوب مسؤول . و التعليم ( التربية Education ) هو الشرط الاساسى فى هذا السبيل و ليس الا بواسطته نستطيع ان نقيم بأنفسنا ميزات اى رسالة بعينها بالمقارنة مع رسالة اخرى فلا نتيجة تتحقق و لا معنى لمحاكمة الملك كانيوت فتحاول ايقاف المد المتزايد للمعلومات و الاقناع . ان وسائل الاتصالات بعيدة المدى و تكنولوجيا الاقمار الصناعية تمدنا بالفعل بالمزيد من الانباء و الاراء بدرجة تفوق اى عصر سابق و سوف تستمر هذه العلمية فى القرن القادم . فوسائل الاعلام اداة قوية من ادوات الحرية و الديموقراطية . و يمكن التحدى فى ان نضمن الا يحتكر مصدر واحد للدعاية بالمعلومات و الصور التى تشكل افكارنا . فاذا حدث هذا فسوف يعود المتخصص فى الدعاية للحرب الى العمل مرة اخرى .

ملخص القسم الخامس
الدعاية فى عصر الحرب الشاملة
الحرب وثورة الاتصالات
شهد القرن العشرون ظهور نوع مختلف اختلافا اساسيا من الاعمال الحربية " الحرب الشاملة " . و على الرغم من ان الحروب النابليونية وحرب الاستقلال الامريكية كانتا نذير بوصول هذه الظاهرة بسبب حجم و مستوى المشاركة الشعبية فان الحروب العالمية فى القرن العشرين اختلفت بقدر ملحوظ عن الصراعات السابقة ليس فقط فى مدى اتساعها و انما ايضا فى درجة تأثر المدنيين بها و مساهمتهم المباشرة فى احداث خطها الاول . لقد اصبحت الحرب شأنا يهم كل واحد من السكان و نضالا من اجل البقاء القومى لا بد من تعبئة جميع موارد الأمـة – العسكرية
والاقتصادية و الصناعية و البشرية و النفسية – بهدف تحقيق النصر فيه او تجنـب الهزيمـة .
و قد لا ينتج العجز عن التعبئة الى المدى الاقصى – مثلما اظهرت تجربة الثورة الروسية العام 1917 – مجرد الهزيمة العادية وحدها و انما الدمار الكامل للنظام القديم .
و لقد جاءت فنون الحرب الحديثة بالمعارك لكى تكون اشد قربا من حياة المواطنين العاديين منها فى اى وقت مضى سواء كان ذلك فى شكل تشغيل النساء فى المصانع او فى شكل تعرض المدنيين للقصف بالقنابل . و اصبح كل من التجنيد الاجبارى و الانذارمن الغارات الجوية و تقنين و تحديد كميات الطعام المسموح بها جميعا من العوامل الحيوية المؤثرة . ووجد الرجال و النساء العاديون الذين لم يكونوا ليتأثروا من قبل الى حد كبير بالحرب التى يخوضها جنود محترفون فى ارض بعيدة وجدوا انفسهم يتأثرون مباشرة بما يقع فى الجبهة من احـداث . و فى الحقيقة اصبـح الناس انفسهم هـم جبهة القتال الجديد . و اصبح الرجال و النساء و الاطفال هم الجيوش الجديدة . و بالتالى اصبحت روحهم المعنـوية و ارادة القتـال و المقاومة لديهم على الصعيد الجماعى الشامل رصيد عسكريا و حربيا مهما . و لقد كانت هذه بالتأكيد هى طبيعة الصراعين اللذين نشبا فيما بين 1914 و 1918 و كان هـذا هـو حجم و مدى كل منهما بالمعنى القومى
والعالمى و النفسى و كانت تلك هى تكلفة كل منهما على صعيد الدمار الانسانى و الخراب المادى الى الدرجة التى جعلت من غير الممكن ابدا النظر ثانية الى الحرب باعتبارها رياضـة الملـوك





__________________كل الحقوق ممنوحة__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.communication.akbarmontada.com
المدير
الادارة
الادارة


عدد المساهمات: 1779
تاريخ التسجيل: 08/06/2009
العمر: 26

مُساهمةموضوع: رد: دراسة حول دور الاعلام فى الحروب الحديثة   الإثنين نوفمبر 29, 2010 12:19 pm

والنبلاء . بل انها قد اصبحت – على حد قول كليمنصو رئيس الوزراء الفرنسى – " أمرا اكثر خطورة من ان يترك للجنرالات " .
















الدعاية والحرب الباردة وعصر التليفزيون
لم تكن " اعـادة التربية السياسية " لالمانيا سوى عنصر واحد من عناصر الصـراع بين الغرب
والشرق . فمع هزيمة دول المحور تحلل " الاسمنت " الذى كان يربط حلفاء زمن الحرب بعضهم ببعض . و سرعان ما تحول العداء المتبادل بين الدولتين العظمتين الى " الحرب الباردة ": حرب بين ايديولوجيات حيث اصبحت الاسلحة فيها اقل اهمية من الكلمات و عادت الى السطح الخلافات الايديولوجية الجذرية العميقة بسبب التخلص من العدو المشترك و بسبب احتلال الجيش الاحمر لاوروبا الشرقية و قمعه لها و بسبب عملية " امركة " أوروبا الغربية بواسطة مشروع مارشال . و اصبحت العلاقات السوفيتية – الامريكية هى المركز المحورى الذى تدور حوله افكار ما بعد الحرب العالمية المتعلقة بالحرب و السلام و ذلك لان تلك العلاقات ظلت تهدد – بشكل دورى – بان تنفجر فى شكل حرب ساخنة مثلما حدث العام 1948 مع حصار برلين و فى العام 1963 مع ازمة الصواريخ الكوبية . و مع ذلك فعلى الرغم من الصدمات الاقليمية الخطيرة التى انتشرت حول العالم و بخاصة فى كوريا ( من 1950 الى 1953 ) و فى الشرق الاوسط ( 1967 ، 1973 ) و فيتنام ( 1963 – 1975 ) فقد تجنبت القوتان العظيمتان شن حرب عالمية ثالثة يمكن ان تهدد بدمار الكوكب بأسره . فقد اسفرت الاسلحة النووية عن نشوء موقف جديد تماما لم تعد معه مخاطر شن الحرب مساوية بوضوح للمكاسب المحتمله ففى صراع نووى لا يحتمل ان يخرج احد الاطراف منتصرا فائزا بشكل واضح و تعبر الحروف الاولى للكلمات الانجليزية التى سميت بها نظرية " الدمـار المــؤكد المتبادل – Assured Destruction Manual " او " Mad " ( التى تعنى : مجنون ) تعبر عما اسفرت عنه تلك الاسلحـة النووية . و على الرغــم من الصــدام والاحتكاك المتكرر بين الدولتين العظمتين من اجل السيطرة و المكانة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية فان واحدة منها لم تخاطر ببدء صراع جديد الا اذا كانت على استعداد – ببدئها – ان تعمل على فنائها هى . و تشير نظريات الشتاء النووى الى ان جزء واحد من ترسانة الاسلحة النووية الموجودة فى العالم يكفى لتدمير الغلاف الجوى للكوكب و مناخه حتى انه لو قيض لاحد الطرفين ان " يفوز " فى الصراع فانه سيخسر كل شئ فيما بعد .
و فى مثل هذه الظروف برزت الدعاية بوصفها بديلا للحرب الحقيقية اذا ليس من المؤكد انه من المقبول اكثر ان تصيح كل دولة من الدولتين العظمتين و تصرخ فى وجه الاخرى بدلا من ان تتبادلا التراشق بالصواريخ النووية ؟ . و مع هذا فان الدعاية ذاتها تعتبر تهديدا للسلام . فكيف اذن ترتبط الظروف الجديدة للعصر النووى بالنظرية القديمة القائلة بان الدعاية هى احد الاسباب المؤدية الى الحرب ؟ . و فى العام 1964 كلف " المركز العالمى لحكم القانون " كلا من جون هويتون John Whitton و ارثر لاسون Arthur Larson ان يدرسا ذلك السلوك فبدأ البحث الذى شمل تقريرهما بالعبارة التالية :
" الدعاية من الاسباب المؤدية الى الحرب " . و اضافا بعد ذلك يقولان : " ان القول بان الدعاية فى حد ذاتها من مخاطر الحرب ليس من قبيل الكلام النظرى او الانشاء المنسق . و هناك دليل تاريخى مقنع يدل على التعجيل الفعلى بنشوب الحرب بواسطة وسائل دعائية متعمدة " .
و يمضى هويتون و لارسون للإشارة الى العديد من الامثلة التى حدث فيها مثل ذلك فى محاولة لتكريس فكرة " نزع السلاح فى حرب الكلمات " . فمن اذا يمكن ان يشك فيما حاول هذا البحثان يبينه من ان الدعاية كانت احد العوامل المكونة لاصول الحــروب – عبر التاريـخ – و اسبابها
وأساليب ادارتها ؟ . غير ان هذا يتجاوز الهدف و يبتعد عنه بمعنى ما . فالدعاية لا تتسبب وحدها فى الحرب و لا هى حتى احد اسبابها الرئيسية انما يتسبب فيها اصحاب السلطة الذين يوازنون بين المخاطر الممكنة و المكاسب المحتملة حتى يحققوا اهدافهم بوسائل مختلفة عن الوسائل السلبية لقد قال كلوزفيتز : ان الحـرب هـى استمــرار للسياسـة بوسائل مختلفة .
ان السياسيين هم من يشنون الحرب و سياستــهم هى التى تسببها .و صنعتــهم هى فن الممكن . و الدعاية لا تعمل فى فراغ منفصل عن الحقائق الاجتماعية او السياسة . انها وسيلة اساسية يحاول القادة بواسطتها ان يكسبوا التأييد العام من الجمهور بسياستهم او ان يتجنبوا بواسطتها المعارضة لتلك السياسات . و يتوقف نجاحهم – او ما يخالف ذلك – فى اجاز هذا الهدف ، على مقدار مهارتهم فى استغلال فن الدعاية و لكن مجرد ازدياد الدعاية زيادة حادة كبرى فى القرن العشرين لا يجعل نشوب الحروب اكثر احتمالا ، و انما يعنى ان الدعاية قـد جعلت من فن السياسـة ممكنا اكثر مما كان .
و فى الحرب الباردة اصبحت الدعاية استمرار للسياسة بوسائل اخرى … و فى العصر النووى ، عندما اصبحت الأولوية لدى الدولتـين العظمـــتين هــى المحافــظة عـلى " التوازن النووى " بهدف ردع الطرف الاخر عن بدء الحرب ، اصبحت الدعاية وسيلة اساسية تحارب الدولتان العظميان احداهما الاخر بها بواسطة الكلمات بدلا من الحرب المادية … و دائما ما بث هذا الخوف فى القلوب الواهنة . فعلى سبيل المثال لا يستطيع الا المجنون ان يستنتج ان المكاسب المحتملة الناتجة من توجيه ضربة اولى " سوف تفوق مخاطر الابادة النووية . و مع هذا فان " القدرة عل توجيه الضربة الاولى " تظل عنصر مهم فى الحرب النفسية التى تصاحب سباق التسلح النووى . ولو سئل احد الطرفين ان كان يغضل ان يسدد هو الضربة الأولى ، فلابد ان يستبق لنفسه خيار ان يقول : " اجل " خوفا من ان يستفيد الطرف الاخر من قول " لا " انها مبارة فى الشطرنج بين القوتين العظمتين حيث ينبغى ان تقابل كل حركة بحركة مضادة . و بعد ما يقرب من نصف قرن من الممارسة اصبح من الممكن ان يقال ان دور الدعاية فى دفع الطرف الاخر الى التخمين – هو حتى الان – المساعدة فى حفظ السلام .
و مهما كان المصطلح الذى نستخدمه فان عصرنا هذا هو عصر الدعاية وليس فى هذا ما يخيف الدول اليموقراطية اذا كان للمرء ان يتقبل ان الدعاية ليست الا عملية اقناع . اننا نحتاج الى المزيد من الدعاية لا الى التقليل منها و نحن نحتاج الى المزيد من المحاولات التـأثير فى ارآئنا و الى استثارة مشاركتنا النشطة فى العملية الديموقراطية التى تعتمد على الرآى العام لكى تظل باقية . و فضلا عن ذلك فاننا – فى العصر النووى – نحتاج الى متخصصين فى الدعاية للسـلام و ليس الى متخصصين فى الدعـاية للحـرب : اناس وظيفتهم التواصل والتفهم و الحوار بين الناس المختلفين و بين العقائد المختلفة . و مع ذلك فثمة خصيصتان مهمتان : فلابد ان يصحب المزيد من الدعاية المزيد من التعليم و لابد ان يصاحبها ايضا المزيد من فرص الوصول الى المعلومات التى يمكن ان يتشكل الرأى العام المتعلم علىاساسها . فليس من المقبول ان نسمح بان يتعرض الراى العام للقصف بالاخبار و الاراء الصادرة عن عدد محدد من المصادر المحكومة . فذلك كان هو الطريق الذى سارت عليه النزعة العسكرية الرومانية و الملكيات الاستبدادية التى اعتمدت الحكم المطلق و الشمولية الستالينية و الديكتاتوية النازية . اما الرأى العام الحديث فيحتاج الى فرص اعظم للحصول على الوسائل التى يستطيع بواسطتها ان يتعلم اتخاذ قراره بدلا من ان يتخذ هذا القرار له . ولابد من ان نتخلص من خرافة " القادرين على الوسوسة فى العقول من مخابئهم " حتى نستطيع ان نتبين مقدار تأثيرهم فى مدركاتنا و مفاهيمنا . و لابد ان نركز على الرسالة لا على الوسيط الذى ينقلها و لكى نفعل هذا فاننا بحاجة الى تعليم اكثر و افضل عن كيفية عمل الوسيط و ماذا تعنيه الرسالة . و نحتاج الى المزيد من فرص التعرف على المجتمعات الاخرى حتى نتخلص من انواع الخوف و الجهل و التعصب التى تسببت فى الحروب طوال التاريخ .
ولابد ان يكون السياسيون مسؤلون عن اعمالهم و ان يساءلوا فيحكم عليهم- او لهم – فى ساحة الرأى العام الذى يعملون باسمه . و لابد ان يتبينوا ان الدعاية هى عملية اقناع وان الاقناع وسيلة ضرورية و موضوع ترحيب لصياغة الاتفاق الديموقراطى فى عالم متحضر تهدده الابادة النووية الممكنة بالفعل . فإذا اختلفوا مع الجمهور كان عليهم ان يقنعوا الجمهور بمزايا موقفهم غير انه لا بد ان تتاح للجمهور فرص معرفة ارائهم و حق ان يكون موضع ثقة فى ان يستجيب باسلوب مسؤول . و التعليم ( التربية Education ) هو الشرط الاساسى فى هذا السبيل و ليس الا بواسطته نستطيع ان نقيم بأنفسنا ميزات اى رسالة بعينها بالمقارنة مع رسالة اخرى فلا نتيجة تتحقق و لا معنى لمحاكمة الملك كانيوت فتحاول ايقاف المد المتزايد للمعلومات و الاقناع . ان وسائل الاتصالات بعيدة المدى و تكنولوجيا الاقمار الصناعية تمدنا بالفعل بالمزيد من الانــباء و الاراء بدرجة تفوق اى عصر سابق و سوف تستمر هذه العلمية فى القرن القادم . فوسائل الاعلام اداة قوية من ادوات الحرية و الديموقراطية . و يمكن التحدى فى ان نضمن الا يحتكر مصدر واحد للدعاية بالمعلومات و الصور التى تشكل افكارنا . فاذا حدث هذا فسوف يعود المتخصص فى الدعاية للحرب الى العمل مرة اخرى .












































القسم السادس

دور الاعلام المصرى فى حرب اكتوبر 1973

















11- المفاجاة الاسترتيجية و التكتيكية
اولا التعريف : يعتبر كلاوزوفيتش رب الاستراتيجية العسكرية .. وقد حدد عددا من العناصر اعتبرها اساسية عند صياغة اى استراتيجية عسكرية من هذه العناصر : امتلاك زمام المبادرة وتحقيق المفاجاة وقد اولى كلاوزوفيتش اهتماما كبيرا ببحث ودراسة ( المفاجاة )
* وتنقسم المفاجاة الى قسمين :
1- المفاجاة الاستراتيجية
2- المفاجاة التكتيكية
المفاجاة الاستراتيجية :-
* تختص المفاجاة الاستراتيجية بجعل مسالة الاعداد للحرب فى إطار من السرية الكاملة عن طريق تنفيذ عملية واسعة من الخداع والتضليل المعلوماتى . بحيث يتسنى تجهيز القدرات الذاتية لتكون فى وضع يؤهلها للحرب وتحقيق النصر اعتمادا على امتلاك عنصرى المبادأة والمفاجاة
* فىالمقابل تعمل عملية الخداع والتضليل على ايجاد حالة من الاسترخاء او بالاصح التخدير
لدى العدو طوال فترة الاعداد للحرب بحيث تكتمل الاستعدادات دون ان يعرف العدو شيئا عنها
* يقوم الاعلام بالدور الرئيسى فى تنفيذ وتحقيق المفاجاة الاستراتيجية من خلال قيامه بتنفيذ اعمال التضليل والخداع والحرب النفسية وقبل هذا التحكم فى حجم ونوعية المعلومات والتاثير فى تفسير هذه المعلومات لدى العدو
* المفاجاة الاستراتيجية يقرها رئيس الدولة ويشرف عليها شخص مسئول واحد وتتم فى اطار من السرية والمركزية
المفاجأة التكتيكية :-
تبدأ المفاجاة التكتيكية زمنيا عند تحديد وقت الهجوم ومن ثم فهى تتخذ بناءا على التنسيق بين صاحب القرار السياسى وبين القائد العام للقوات المسلحة
كما تختص بنوع التسليح ومستوى تدريب القوات ومدى كفاءتهم وكذلك الاجهزة والمعدات الحربية المستخدمة والاهم هو المستوى القتالى المتميز للقوات المسلحة والاستفادة منها واختيار اليوم المناسب للمفاجأة التكتيكية
تهتم المفاجاة التكتيكية بتخطيط وتنفيذ عمليات حربية مفاجئة لا تنتظرها العدو وفى عام 1973 كانت الضربة الجوية الرائعة بداية الهجوم مفتاح النصر ، وكذلك عناصر مفاجاة متميزة تدرس فى كبرى الاكاديميات العسكرية فى العالم
يقول الدكتور : محمد عبدالقادر حاتم رئيس حكومة الحرب و وزير الاعلام المصري الاسبق في كتابة عن دور الاعلام المصري في تحقيق المفاجأة الاسترلتيجية في حرب اكتوبر 1973 مايلي :
كنت قد انشات وزارة الاعلام وكانت اول وزارة اعلام فى العالم العربى – فى اوائل الستينات وبعد ذلك طلبت البلاد العربية انشاء وزارات اعلام بها
وعموما فقد تركت وزارة الاعلام عام 1966 وكانت تجربة 1967 على المستويات الاعلامية والسياسة والعسكرية قاسية .. لذلك كان فى تخطيطى لتقدير الموقف الاعلامى والسياسى دروسا كثيرة فى هذه التجربة – قدمته للسيد الرئيس الراحل انور السادات رحمة الله ووافق عليه وذكرت هذه الدروس المستفادة وبينت اننا لا بد ان نتعلم منها الكثير .. وستكون قرارات اعداد الدولة للحرب هى نتائج لهذه الدروس – واذا كان ذلك كذلك فقد حدثت فعلا كل هذه النتائج ..
فى وضعى لتخطيط الاعلام المصرى لتحقيق المفاجاة الاستراتيجية لحرب اكتوبر 1973 وهذا التخطيط ينقسم الى ثلاثة اقسام .. قبل المعركة والاحتمالات الثلاثة لأى حرب اما انتصار او لا هزيمة ولا انتصار اى لا غالب ولا مغلوب .. ولكل حالة خطتها الاعلامية هذا.. وقد بينت مبدا هاما .. هو قول النبى صلى الله عليه وسلم ( الحرب خدعة ) واستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان وان من يريد ان يحارب لا يعلن انه سيحارب .. ولذلك فخطوط السياسة الجديدة تختلف كلية خطة واسلوبا وتنفيذا خاصة واننى مسئول دستوريا عن ذلك مع مسئولياتى كوزير للاعلام مسئول عن الرقابة عن كل المطبوعات والبرقيات والصحف . هذا وقد اعلن الرئيس الراحل انور السادات عقب شرحى لخطة الاعلام المصرى لتحقيق المفاجاة الاستراتيجية . وهى خطة سرية للغاية .. وفى مؤتمر صحفى عام حضره كل الصحفيين باننى وضعت خطة اعلام من ثلاثة اجزاء قبل المعركة واثناء والمعركة وبعد المعركة تتناول تقدير الموقف ... النقاط الاتية :-
1- الهدف العام
2- العوامل الرئيسية لتحقيق الهدف .. بعد ذكر نتائج ودروس حرب 1967 .. من جميع نواحيها والعوامل الرئيسية للعدو ... والدعاية الاسرائيلية والغربية المنحازة لإسرائيل واثرها على صورة مصر سواء داخليا بالنسبة للراى العام الداخلى العربى او الخارجى
وكذلك حالة الياس والاحباط وعدم الاستقرار وتضارب التصريحات المصرية ... وبلبلة الراى العام المصرى والعربى . دراسة مستفيضة للعلاقات الامريكية والاسرائيلية التى بلغت حدا من القوة ما جعلت الولايات المتحدة الامريكية لا تعير لمصر اذنا لما ترجوه من الولايات المتحدة ويكفى القول ما جاء عن استيفن امبروز فى كتابه الارتقاء الى العالمية Rise To Globalism عن ازدراء واحتقار د . هنرى كسنجر لمبعوث الرئيس السادات له فقد جاء بالنص عن هذه المقابلة نقله كسنجر لقد تحدث مع السيد حافظ اسماعيل حينما طلب مقابلته وكان حديثى عن احوال الجو وذلك( لمجرد ان نبتعد عن الموضوع لقد راوغته فى الكلام لقد اخبرنى اسماعيل عدة مرات انه لا يمكن استمرار الوضع الحالى وسالنى اذا لم تكن الولايات المتحدة قد استوعبت انها لم يتم التوصل الى اتفاق فلا بد وان تندلع الحرب فلم تظهر على وجهه ابتسامة ولو طفيفة بينما اخذت اضحك فى اعماق قلبى ... حرب ؟ مصر؟ لقد اعتبرته حديثا اجوفا ومباهاة يعوزها المضمون )
وهكذا يتضح حينما نتحدث مع العالم عن موضوع الحل السياسى الذى يعيد لمصر والدول العربية حقوقها واراضيها الضائعة دون التضحية بكرامتنا وكبريائنا بات مطلبا صعب المنال بل بات مثيرا للسخرية اذا تحدثنا عنه مع اى من الاطراف الدولية المؤثرة وخاصة الولايات المتحدة الامريكية و يكفى الاشارة الى لقاء حافظ اسماعيل مع هنرى كيسنجر والذى قال عنه كيسنجر نفسه ما قاله وهو قول يبين وصف نظرة اكبر دولة فى العالم صديقة اسرائيل لمصر وكلها اهانات وسخرية
كذلك وضعت دراسة عن :-
* بدء تفكك العلاقات المصرية السوفيتية خاصة مع القرار المصرى بترحيل الخبراء السوفيت
* التقارب بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى فى ضوء هذه الاوضاع
• على الجانب الاسرائيلى كان الغرور والصلف هما الوجه الوحيد للملوك الاسرائيلى ذلك ان اسرائيل قدرت فى ظل هذه الاوضاع ان بمقدورها تجاهل اى شئ يقال او يعمل لانها الاقوى فى المنطقة ولحالة مصر والدول العربية الصعبة واستنادا الى تحالفها الكبير والاساسى مع الولايات المتحدة ومن ثم فان ما يخرج على لسان المسئولين والاعلام الاسرائيلى بشان ان اسرائيل لا تقهر يتبع فى جزء كبير منه من ادراكهم لهذه الاوضاع ومن ثم اقتناعهم بهذا الاستنتاج
• الولايات المتحدة الامريكية اعلنت التزامها بالدفاع عن وحماية اسرئيل ومنذ فترة رئاسة نيكسون الاولى اى منذ عام 1968 بدأت شحنات الاسلحة الامريكية المتجهة الى اسرائيل تزيد عاما بعد عام و تعهدت الولايات المتحدة الامريكية لاسرائيل بتاييدها ومساندتها سياسيا واقتصاديا واعلاميا وعسكريا
• فى نفس الوقت بينت مدى ارتباط الولايات المتحدة الامريكية بعلاقات قوية مع عدد من الدول العربية ذلك ان الدول العربية تحتفظ بعوامل الاهمية التى تفرض على الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية ان تعطى الدول العربية هذه الاهمية والتى يبرز فى قلبها البترول الذى يمثل عصب الاقتصاد الامريكى الاوروبى والعالمى الى جانب التحكم الجيواستراتيجى على اهم المضايق والممرات المائية فى العالم ويقول استيفن امبروز فى كتابه الارتقاء الى العالمية Rise To Globalism
• ينظر العالم الى مصر غالبا بعين الشفقة وفى بعض الاحيان بشماتة وازدراء وانها تستحق ما حل وما قد يحل بها اكثر من ذلك فى حين ينظر الى اسرائيل باعتبارها دولة ديمقراطية قوية مثابرة لا تلام على ما فعلت بمصر وغيرها من الدول العربية
• التقارب بين الولايات المتحدة و الاتحاد السوفيتى جعل من منطقة الشرق الاوسط احدى القضايا التى تعالج بالكيفية التى تخدم علاقات القطبين بغض النظر عن اوضاع ومصالح الاطراف الحقيقيين ومن ثم كان الاتفاق على تجميد الوضع فى الشرق الاوسط وفرض ما يعرف بحالة اللاحرب واللاسلم فى ضوء خدمة المصالح الامريكية والسوفيتية بشكل براجماتى بعيدا عن التقاء الايدلوجى والالتزام السياسى
وكما يقول ستيفن امبروز فى كتابه الارتقاء الى العالمية Rise To Globalism لم تكن اى من القوانين العظيمتين معنية بالنقاء الايديولوجى .. فقد قامت روسيا – مرات عديدة – بتاييد اغنى الحكومات العربية واكثرها رجعية ، بينما قامت الولايات المتحدة بمساعدة حكومات افقر الدول العربية واكثرها تطرفا . وكان تدخل الولايات المتحدة وروسيا يتم على اساس يومى ، او – فى افضل الحالات - على اساس شهرى ، لان كلا الجانبين لم يكن لديه برنامج عمل محدد للمنطقة – فلم يكن ذلك ممكنا لانه لم يكن لديها حل لمشكلة الوطن القومية ولذلك وكان كل منهما يتصرف حسب الموقف الراهن مما ادى الى تغيير السياسة بشكل مفاجئ فى اغلب الاحيان بل وغير مفهوم ويحث المرء عن الاتساق او الثبات بلا جدوى فيما عدا ان كلا الجانبين كان يصر على ان الجانب الاخر ليس له حق التدخل فى الشرق الاوسط ( الا حينما تندلع الحرب وعندئذ يطلب كل جانب من الاخر ان يستخدم نفوذه لكى يوقف القتال )
وجاء فى تقديرى للموقف اهمية قرار الرئيس الراحل انور السادات بالاعداد للحرب .
* ان الطريق الوحيد الذى يمكننا حقا من استعادة الاراضى المصرية هو الحرب وطرد الاسرائيليون منها بالقوة والحرب هى السبيل الى تحريك القضية وايقاف حالة التجميد التى فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى عليها والحرب هى السبيل لاستعادة الثقة وتاييد الشعوب والحكومات فى مختلف دول العالم وقبل ذلك احترامهم لنا وكان قرار الرئيس الراحل جريئا وعظيما وتنفيذ هذا القرار يتطلب اجراءات لتحقيق نجاحه من اجل تنفيذ قرار الحرب هذا ، ولكن ليست اية حرب .. اننا نحتاج الى حرب نضمن فيها تحقيق انتصارات ملموسة بنسبة كبيرة ولكن فى ضوء الاوضاع الاقليمية السائدة التى تفرض حالة اللاحرب واللاسلم ولا يمكن ان يتم الاعداد ثم الحرب الفعلية امام اعين الجميع لان كثيرا من القوى ستحبط هذا الامر من اوله ، ولذلك ولا بد ان يتم الاعداد للحرب وتحديد ميعادها والبدء الفعلى فى التنفيذ فى اطار محكم من السرية والتكتم - وهذا يتطلب سياسة مركزية لتحقيق المفاجاة الاستراتيجية بدور هام وحاسم وسرى للغاية
• اننا نحتاج حربا ننتصر فيها ، ولكى نضمن تحقيق هذا الانتصار لا بد ان يتم لها الاعداد وبخطة اعلام على ارقى مستوى هذا من ناحية ، ومن ناحية اخرىالا نتجاهل قوة الطرف الاسرائيلى بل ندرسه جيدا وندرس نقاط قوته وضعفه ومن ثم يمكننا الاعداد الجيد لحرب تحقق لنا النصر
( وهذا ياتى من خلال دراسة نظرية الامن الاسرائيلى وعقيدة اسرائيل العسكرية دراسة سياسيا واعلاميا وعسكريا )
تحليل : نظرية الامن الاسرائيلى
ان تحليل نظرية الامن الاسرائيلى التى تعتنقها اسرائيل منذ وضعها بن جوريون عام 1948 وكذلك العقيدة العسكرية لها توضح لنا عدة حقائق
• الطبيعة الديموجرافية لإسرائيل حيث انها فى وضع سكانى ضعيف مقارنة بالعرب مجتمعين او مقارنة بمصر
• الطبيعة الجغرافية لإسرائيل وافتقادها للعمق الاستراتيجى ، بما يعنى انه فى اطار حدود اسرائيل يمكن ضرب تل ابيب بسهولة من الحدود ولو بمدفع هاون .
• وعلى اساس هذه الحقائق تبنت اسرائيل عقيدة عسكرية هجومية دائما على الدول المجاورة لتعويض العجز الجغرافى لديها ، ومن ثم برزت مقولة ان حدود اسرائيل تكون عند اخر ما يستطيع الجندى الاسرائيلى الوصول اليه ، وان يكون الشعب الاسرائيلى هو جيش اسرائيل ، بمعنى ان الشعب كله يخضع للتعبئة ، وكل فرد يعرف مكانة فى وحدته بالجيش عند اعلان التعبئة ولكن لا يتم هذا الا فى حالة الانذار بالحرب
• وفى الاوقات العادية يكون الافراد فى مواقعهم سواء فى العمل الادارى او الانتاجى او الخدمى ، على ان يكون هناك قوة نظامية من الجيش ( على الحدود وهى هنا ... خط بارليف ) وتستطيع التعامل مع اى عمل عسكرى لمدة 72 ساعة حتى يتم التعبئة العامة ويصبح الشعب كله فى المعركة
• الاعتماد على سلاح له السيادة الجوية ومتفوق على اى من اعداء اسرائيل ، وكذلك جهاز استخبارات ونظام انذار قويين يتيحان لأسرائيل التنبه لأى هجوم متوقع عليها ومن ثم تتمكن من التعامل معه مبكرا سواء بضربة وقائية او بهجوم مضاد فى ظرف 72 ساعة وهو الوقت الذى يستغرقه اتمام التعبئة العامة
ولمزيد من التفاصيل :
نقول عن : نظرية الامن الاسرائيلى :
كان ديفيد جوريون الزعيم البارز فى عملية اقامة دولة اسرائيل يدرك ضرورة ابتكار نظرية امن وعلى الرغم من انه استقدم ضباط جيش اكفاء وكان مستعدا للانصات لهم والتعلم منهم فانه كان يعلم ان اهم القرارات الامنية فى نهاية الامر هى من سلطة الزعامة السياسية المنتخبة فقرارات بن جوريون فى حرب التحرير بشان التخلى عن احتلال السامرة واعادة اراضى معينة كانت قد احتلت فى جنوب لبنان وفى سيناء ومن ناحية اخرى اصراره على تحقيق احتلال النقب كلها حتى ايلات.. كانت كلها تنبع من نظرية امن واضحة راسخة لديه وكان فى هذه الامور قد فرض رايه اكثر من مرة على قادة الجيش الكبار وايضا على زعامة حزبه وتحمل المسئولية كاملة عن تلك القرارات
بعد انتهاء حرب 1948 مباشرة امر بن جوريون رئيس الوزراء وزير الدفاع ببلورة نظرية امن قومية لدولة اسرائيل ومبادئ النظرية نفسها الفلسفة الامنية تم تحديدها وصياغتها بواسطته بعد مشاورات مع كبار القيادة العسكرية والسياسية اما وضع تفاصيل العملية فقد ترك بوجه عام للقيادة العسكرية لكن بن جوريون درس توصيات الجيش وتدخل فيها واعتبر نفسه المسئول الفعلى عن قبولها وتطبيقها
وكانت المعطيتان الاساسيتان اللتان ارتكز عليهما نظرية الامن القومى الاسرائيلى هما :
أ- علاقات القوى الديموجرافية بين سكان اسرائيل اليهودية وبين الدول العربية
ب- الابعاد الجغرافية المحدودة لدولة اسرائيل .
كانت علاقات القوى الديموجرافية بين الدول العربية فى حالة حرب مع اسرائيل سواء التى وقعت على اتفاقيات هدنه او التى لم توقع – وبين دولة اسرائيل هى 50 : 1 اى حوالى 50 مليون عربى فى ذلك الوقت حول اسرائيل مقابل مليون اسرائيلى فى اسرائيل وكانت الجيوش النظامية الخاصة بالدول العربية تتفوق عدديا الى ابعد الحدود على ما كانت تستطيع دولة اسرائيل وضعه كجيش نظامى دون ان يؤدى هذا الى حدوث انهيار اقتصادى و اجتماعى للدولة اليهودية ولقد تحدد الحل لهذه المشكلة الخطيرة فى الشعار الشهير الذى يقول ( ان كل الشعب جيش ) ومعناه اعتماد القوة الرئيسية للجيش على نظام الاحتياط
- وتمت اقامة جيش برى يعتمد على نواة مصغرة من القوة النظامية وجيش احتياطى يضم كل خريجى الجيش النظامى حتى سن معينة وكان من المفروض أن يكون هذا هواكبر جيش فى العالم بالنسبة لحجم تعداد السكان و كل هذا دون حدوث ارتباك فى الحياة الاقتصادية والاجتماعية
- وخلق حجم الدولة وضعا استراتيجيا معقدا وذلك لانه لم يكن يوجد اى عمق للدفاع عن الدولة وكانت العاصمة فى متناول مدى نيران البندقية ومبنى الكنيست فى متناول قذائف مدفع الهاون من حدود الدولة ونتيجة لهذا كان واضحا ان اسرائيل لا يمكنها المخاطرة بان يحتل جيش معاد اى مساحة من ارضها مهما كانت صغيرة
- كما ان الوضع الجغرافى الصعب الى جانب الافتراض بان احتلال اسرئيل بواسطة الدول العربية معناه القضاء على وجود الدولة اليهودية خلقا عقيدة قتالية هدفها الدفاع المستميت على طول الحدود ( وذلك لمنع احتلال ارض ايا كانت بواسطة العدو ) ونقل الحرب الى ارض العدو فى اسرع وقت ممكن ولذلك تبنت اسرائيل عقيدة الهجوم
- ولكن هذه النظرية خلقت مازقا وكان مفكروا نظرية الامن الاسرائيلية على علم به من البدايه فكان الافتراض الاساسى فى النظرية هو ان الجيش النظامى لا يستطيع بقوته الذاتية صد هجوم العدو ، ولذلك فانه فى اللحظة التى يظهر فيها تهديد عسكرى حقيقى فلابد من تعبئة الاحتياط بهدف اشراكهم فى الدفاع عن الدولة فى مرحلة مبكرة جدا





__________________كل الحقوق ممنوحة__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.communication.akbarmontada.com
المدير
الادارة
الادارة


عدد المساهمات: 1779
تاريخ التسجيل: 08/06/2009
العمر: 26

مُساهمةموضوع: رد: دراسة حول دور الاعلام فى الحروب الحديثة   الإثنين نوفمبر 29, 2010 12:21 pm

- ومن الجدير بالذكر ان صياغة نظرية الامن الاسرائيلى تمت فى وقت كان الفكر السياسى والعسكرى الاسرائيلى يركز فقط على الحرب من اجل حماية حدود وشعب اسرائيل من اى اعتداء عربى وليس الهجوم لتوسيع اراضى اسرائيل وخلق عمق استراتيجى وذلك لظروف التوازن الدولى
- كان واضحا لمفكرى نظرية الامن ان الاعتماد فى صد التهديد العسكرى على وحدات الاحتياط ينطوى على مصاعب كثيرة وكانت المشكلة الرئيسية هى انه يجب استدعاء جنود الاحتياط من منازلهم او من اماكن عملهم ونقلهم الى وحداتهم وتحويلهن الى جنود وتسليحهم ودفعهم الى ميدان القتال وهذه العملية حتى وان تم تنفيذها على اكمل وجه فانها تحتاج على الاقل 72 ساعة ولكن ماذا يحدث على جبهة القتال خلال هذه الفترة حتى تصل قوات الاحتياط ؟
- وكان الحل لهذا المازق الذى تم التوصل إليه هو انشاء سلاح طيران قوى تكون له السيادة والتفوق على قوات طيران الدولة المعادية ، وتكون مهمته هى اعطاء انذار عن استعداد العدو بالقرب من حدود الدولة وذلك بهدف اتاحة الفرصة لتعبئة قوات الاحتياط فى الوقت المناسب
• ومن ثم تحددت المـــهام المناطة بدورالطيران الاسرائيلى فيما يتعلق بميدان القتال البرى كما يلى :-


أ – حماية سماء الدولة الاسرائيلية :-
منع طائرات العدو من مهاجمة مخازن الطوارئ الخاصة بوحدات الاحتياط وحمايتها اثناء تحركها الى الجبهات المختلفة ، ومنع مهاجمة مراكز تجمع السكان التى من المفروض ان يخرج منها افراد الاحتياط للاتجاه نحو مخازن الطوارئ
ب- معاونة الوحدات النظامية البرية :
لصد اى هجوم فى الملحلة الاولى فى الدفاع حتى وصول تشكيلات الاحتياط وفى الخمسينيات والستينيات وكانت المدفعية الاسرائيلية معظمها من قوات الاحتياط لذلك اسند لسلاح الطيران القيام باعمال سلاح المدفعية ( طيران )
* هذا فى حالة الدفاع اما فى مرحلة الهجوم فان سلاح الجو الاسرائيلى بقوته وتفوقه وامتلاكه عناصر المفاجاة فى اى عملية هجومية يقوم بها يعتبر عنصر النجاح الرئيسى لاسرائيل ولكن لكى يقوم سلاح الجو بهذه المهمة بشكل جيد وتتم المقاومة حتى يتم تنفيذ التعبئة العامة باسرائيل لا بد من الاستعداد المبكر لاى عمل عسكرى موجه ضد اسرائيل ومن ثم ضرورى وجود سلاح استخبارات يكون معظمه نظاميا ايضا ، ويعمل بالتعاون مع اصدقاء اسرئيل لهدف اساسى وحده هو اعطاء انذار عن استعداد اى عدو ينوى القيام بعمليات هجومية ضد اسرائيل وهذا الانذار يجب ان يكون مبكرا حتى يتيح الفرصة الكافية لتعبئة قوات الاحتياط فى الموعد المناسب ومن ثم الاستعداد الكامل ومنع الغير من امتلاك عنصر المفاجئة
* يتم اعطاء هذا الانذار تبعا لمعلومات يتم تجميعها من مصادر مختلفة وصور جوية وتصنت الكترونى وعمليات مراقبة واستطلاع وعملاء واجهزة استخبارات اجنبية هذه المعلومات لم تكن تركز على وجود نواة هجومية لدى الاطراف المعادية لاسرائيل بل كان الانذار يتم استنادا على مجرد معلومات عن تحريك لبعض القوات او اعادة انتشار قوات لاعداء اسرائيل فى المناطق القريبة منها وهذه المعلومات التى لا تقف عند وجود نوايا هجوم كانت كافية لاعطاء وتنفيذ تعبئة لقوات الاحتياط الاسرائيلى سواء تعبئة كاملة او جزئية
ما حدث عام 1962 :-
وكنا كمصريون قد مرينا بتجربتين من هذا القبيل عام 1960 حيث استطعنا ادخال فرقة مدرعة وثلاثة الوية مشاة الى سيناء دون علم الاستخبارات الاسرائيلية ولكن وصول نبأ التحقيقات العسكرية المصرية فى سيناء عن طريق احد المصادر الاجنبية الى اسرائيل ، وفور تلقى القيادة العسكرية هذا الانذار اعلنت فورا تعبئة وحدات الاحتياط وحشدها تجاه الجنوب الاسرائيلى وهى عملية التعبئة التى يطلق عيها الاسرائيليون اسم عملية / روتردام وهنا تمت عملية التعبئة بمجرد توفير انباء عن مصدر اجنبى عن تحركات عسكرية مصرية فى سيناء لا تضمن اى تقدير لنوايا مصر من وراء هذا التحرك
ما حدث عام 1967 :-
وهكذا عام 1967 وبالتحديد فى شهر مايو عندما بدءت بعض الوحدات العسكرية المصرية فى عبور قناة السويس وتحركت صوب وسط شبه جزيرة سيناء هذه القوات لم تكن تبغى الهجوم او القيام باى عمل عسكرى خصوصا ان هناك حوالى 70 الف جندى مصرى حينئذ فى اليمن ومن ثم كان الاسرائيليون يدركون ان مصر ليس لديها نية الهجوم ولكن القيادة الاسرائيلية وجدت فى معلومات تحرك القوات المصرية الى سيناء سببا كافيا للانذار ومن ثم اعلان تعبئة الاحتياط تعبئة كاملة ثم المبادرة بالهجوم استغلالا للفرصة
جيش اسرائيل للهجوم وليس للدفاع :-
ان الجيش الاسرائيلى كان معروفا باسم جيش الدفاع الاسرائيليى ولكن التسمية لا تنطبق على الواقع كمتابعة اعمال هذا الجيش منذ نشئته عام 1948 توضح انه كان بحق جيش الهجوم الاسرائيلى وليس جيش الدفاع الاسرائيلى فعلى المستوى التخطيطى والعملياتى كانت كلا من المعارك والاعمال العسكرية التى يقوم بها الجيش الاسرائيلى اعمال هجومية ، ومرد ذلك ان اسرائيل رات فى ضوء الظروف التى انشات نظرية الامن القومى الاسرائيلى ان عليها ان تكون هى دائما المبادرة بالهجوم ،فالجيش الذى يعانى من خلل عددى حاد عليه مسئوليات كبيرة فى الدفاع عن الحدود ومن ثم عليه ان يتبنى منطقا هجوميا ومفاجئا فى اعماله وتكون له المبادرة فى تحديد التوقيت والمكان والهدف بهذا الشكل فقط يستطيع هذا الجيش قليل العدد ان يقوم بواجبه ، انه جيش الهجوم الاسرائيلى واذا اردنا ان نكون اكثر تحديدا فهو جيش الهجوم والمفاجأة .
بهذا المنطق كان من الطبيعى الا تكون لدى الجيش الاسرائيلى اى خبرة عملية بالحروب الدفاعية فالقوات الاسرائيلية لم تتحرك منذ حرب 1948 لموقف وجدت فيه نفسها فى موقف دفاع فهو جيش من الطبيعى الا يكون بنفس قوته وكفاءته الهجومية فى الوضع الدفاعى واستنادا الى هذه الحقيقة كان علينا ان نعمل على استغلال هذه الاوضاع والاستفادة منها وهو الامر الذى لن يتحقق الا اذا امتلكنا نحن المبادأة بالهجوم ووضعنا الجيش الاسرائيلى فى موضع الدفاع ، ولا يمكن امتلاك المبادأة بالهجوم الا بخداع العدو بالاعلام العلمى بحيث يقتنع باننا لا نقوى على الهجوم كى نضمن الا يقوم العدو بالمبادئة بالهجوم علينا كما حدث فى كل الحروب السابقة
* وهكذا و ضعت كل هذه المعلومات اثناء عرضها لخطة المفاجئة الاستراتيجية على السيد رئيس الجمهورية وبينت أن اسرائيل لديها حساسية خاصة لديها حساسية خاصة تجاه اى تصريحات عالمية او تحركات او حشد لاى قوات مقابلة لاسرائيل وان وصول معلومات بهذا الشان الى اسرائيل يعد كافيا لاعلان التعبئة وتحويل شعب اسرائيل الى جيش اسرائيل دون اى اعتبار لوجود نوايا للهجوم على القوات الاسرائيلية
الخلاصة : يجب ان تبنى المفاجاة الاستراتيجية وتنفيذها بوسطة خطة اعلامية متكاملة – وقد وافق الرئيس انور السادات على هذه الخطة السرية التى لا يعلمها الا هو شخصيا
دراسة افكار ونفسيات القيادات الاسرائيلية :
• قمنا بجمع التصريحات والتعليقات التى صدرت عن القيادات الاسرائيلية خاصة العسكرية منذ يونيو 1967 وحتى عام 1973 وكذلك المتابعة فى كل الكتب الاسرائيلية والتاريخية والعسكرية والتقارير والمعلومات عن المواقف والانشطة التى يشارك فيها المسئولون العسكريون الاسرائيليون سواء داخل اسرائيل او خارجها وتمكنا من جمع كم كبير من المعلومات الهامة بهذا الصدد .
• تحليل هذه المعلومات كان يشير الى الغرور والغطرسة قتلت تفكير القادة واولهم موشى ديان .
• بانتهاء حرب يونيو 1967 اخذ الجيش الاسرائيلى يحيا حياة ملؤها الغرور بسبب نشوة النصر ولم يكن هناك حد لسيل المديح الذى اغدق عليه من كل جانب سواء من فئات المجتمع الاسرائيلى المختلفة او من وسائل الاعلام الاسرائيلى والعالمية التى صورت الجيش الاسرائيلى بانه الجيش الذى لا يقهر وان انتصاره فى حرب 1967 يعد من اعظم الانتصارات العسكرية فى التاريخ الحديث
• وكان على راس من نالو المديح والتقدير كبار قادة الجيش الاسرائيلى الذين كانوا يتنقلون من موكب مجد الى موكب اخر ، تتصدر صورهم البومات الصور التى طبعتها اسرائيل وغمرت بها العالم اجمع عن انجازتها فى 1967 وكانت وسائل الاعلام الاسرائيلية تضعهم فى هالة ضوئية هائلة وكانت اقرب الى التقديس منها الى التقدير والاعجاب
• اصبح كبار الضباط فى الجيش الاسرائيلى يحظون بشهرة اوسع من شهرة نجوم السينما فاذا كان كبار الضباط قبل حرب 1967 كانوا معروفين على مستوى قواتهم واسلحتهم فقط القليل منهم معروف على مستوى الجيش الاسرائيلى كله فانه بعد 1967 اصبح كبار الضباط الاسرائيليون وعقلياتهم الفريدة وانجازاتهم العظيمة وخطتهم الاعجازية من موضوعات الاحاديث اليومية على السنة الشعب الاسرائيلى وفى وسائل الاعلام الاسرائيلية والعالمية والمؤيدة لاسرائيل
• عرف كل مواطن فى اسرائيل كبار ضباط الجيش معرفة شبه كاملة فكان يعرف اسماؤهم وتاريخهم وانجازاتهم والمآثر التى قيلت عنهم وبدأ كبار الضباط فى معرفة الطريق الى المقالات الصحفية والاذاعية والتلفزيونية وبحجم النشاط الاعلامى يكون حجم الشهرة الامر الذى اوجد نوعا من التسابق بين كبار الضباط الاسرائيليون على الشهرة
غرور وغطرسة شارون :
صـرح الجنرال اريئل شارون فى26 يوليو 1973ان اسرائيل اصبحـت فى موقف التفوق الحربى وقال :-
ان كل جيوش الدول الاوروبية اضعف منا فاسرائيل يمكنها فى غضون اسبوع واحد ان تخضع المنطقة الممتدة من الخرطوم حتى بغداد والجزائر
ALL THE FORCES OF EUROPEAN COUNTRIES ARE WEAKER THAN WE ARE ISRAEL CAN COQUER IN ONE WEEK THE AREA FROM KHARTOUM TO BAGHDAD AND ALGERIA
وكما يقول مؤلف كتاب ( التقصير ) :-
ان الجنرالات الذين احبوا مشاهدة صورهم تنشر فى الالبومات والصحف لم يفوتها اى مناسبة عما دون الظهور فيها امام الجمهور لقد اصبحوا نجوما اجتماعية لامعة تحولت الى بهرجة يستحل التنازل عنها فى اى حدث اجتماعى فى حفلة كوكتيل عرض افتتاحى او افتتاح معرض صور واصبحوا زبائن دائمين فى المطاعم الفخمة فى اسرائيل وقد وصل التمادى باحد الجنرالات الى حد الاشتراك فى الافتتاح العلنى لوكالة لمنتجات التجميل
ارتأت نساء الوسط الرفيع فى مجتمع تل ابيب ان من واجبهن دعوة جنرال او اثنين على الاقل الى الحفلات التى يقومون ايام الجمع ومن تنجح فى دعوة جنرال اكبر واكثرهم اهمية تكون قد حظيت بنصر اجتماعى كبير فى ذلك الاسبوع وكانت تهتم طبعا بتسريب خبر عن ذلك الى زاويةالاشاعات المؤلمة لإثارة حفيظة الاخريات
• لم يكن هذا الوضع قائما داخل اسرائيل فقط بل خارجها ايضا فقط كانت المعلومات المتوفرة لدينا توضح انه عندما يسافر احد كبار الضباط الاسرائيليون الى الخارج كان يحظى باهتمام كبير سواء من اليهود الموجودين خارج اسرائيل او من وسائل الاعلام الاجنبية
• فى ظل هذه الاوضاع سيطرت على ذهن القيادات العسكرية الاسرائيلية فكرة
متضاخمة من الذات وغطرسة علت وتراكمت الى حدها الاقصى .
• وكان وزير الدفاع الاسرائيلى موشى ديان مثل بارز لذلك فقد كان ما يقوم به من تصرفات وما يصدر عنه خلق صور عن نفسه سواء داخل اسرائيل او خارجها تشير الى ملحمة الى ان ( موشيه ديان عبقرى ولا يمكن خداعه او هزيمته )
• هذه السمات والتصرفات انتشرت فى المواقع القيادية فى اسرائيل فى الجيش والحكومة وفى جهاز المخابرات الاسرائيلى الذى اوجد هو الاخر لنفسه اسطورة تقول انه اذكى جهاز مخابرات فى العالم بل استغل السطوة اليهودية فى العالم لتسويق هذه الاسطورة
• كان من نتيجة بروز شهرة كبار الضباط الاسرائيليون وتقديسهم من قبل الشعب والاعلام الاسرائيلى ان نظرات الاحزاب السياسية اليهم باعتبارهم ورقات رابحة فى لعبة الانتخابات كذلك نظرت اليهم المؤسسات القائمة باعتبارهم منبع الكفاءة وشهادة الضمان والنجاح
• وبالتدريج اصبحت اسرئيل فى حماية وتحت قيادة مجموعة من الشخصيات غير العادية سواء كما يرى هؤلاء المسئولين انفسهم او كما يرعاهم الشعب الاسرائيلى ( شخصيات اسرائيلية لا يمكن هزيمتها )
الاستنتاج :-
مع مثل هذه العقليات والشخصيات التى تشغل المناصب القيادة فى اسرائيل خاصة فى الجيش الاسرائيلى كان لابد من تحقيق عنصر المفاجاة والمبادرة بمعنى اعطاؤهم الفرص والمناسبات والمواقف التى تتيح لهم امتلاك مساحة اكبر لاظهار ثقتهم بانفسهم وزيادة ايمانهم بقدراتهم التى لا تقهر واعطاؤهم ما يؤكد لهم باستمرار انهم على حق فى ذلك من خلال اقناعهم بمدى الضعف الذى تعانى منه القدرة والادارة المصرية ، مع تسريب لافتات منا توضح اعترافنا بقوتهم حتى نتيح لأنفسنا التجهيز الكامل للحرب
وذلك لن يتحقق الا من خلال خطة متكاملة للخداع والتمويه يقوم بها الاعلام المصــرى لتحقيق ( المفاجاة الاستراتيجية ) وتزيدهم غطرسة وغرورا ( ويصبحون فى غيهم يعمهون )
عناصر تحقيق خطة الاعلام التى حققت المفاجاة الاستراتيجية
قدمت للسيد رئيس الجمهورية دراسة عن المفاجاة الاستراتيجية :-
وكان من بين ما قدمته للرئيس السادات : دراسة تاريخية منذ عام 1939 حتى عام 1970 ، وجدولا يبين الحروب التى قامت على اساس المفاجاة الاستراتيجية وكلها نجحت واهمها :-
1- غزو المانيا للنرويج عام 1940
2- غزو المانيا لروسيا 1941
3- غزو اليابان لبيرل هاربر 1941
4- غزو اليابان للملايو واحتلال سنغافورة عام 1942
5- مهاجمة كوريا الشمالية لكوريا الجونبية 1950
6- اسرائيل تهاجم مصر يونيو 1967
7- الغزو السوفيتى لتشيكوسلوفاكيا 1968
وهناك ملحوظة هامة وهى ان خطة الامن الاسرائيلى بنيت على عقيدة الهجوم – ولم تتدرب اسرائيل على وسائل الدفاع
لذلك اذا اتبعت مصر وسائل واساليب الاعلام لخداع وتضليل اسرائيل – بحيث تأخذ مصر زمام المبادأة الاستراتيجية المبنية على السرية التامة بين رئيس الجمهورية وشخص واحد فقط لينفذها – سيكون النجاح حليف مصر بعون الله
اما عناصر تنفيذ خطةالاعلام التى حققت المفاجاة الاستراتيجية فقد شملت ما ياتى :-
وضع هدف استراتيجى له شروط سرية للغاية لتحقيقه :-
ويقصد بالهدف الاستراتيجى هنا قرار الحرب وسرية تحقيقه باتباع من وجود اوعدم وجود نية للحرب فالظروف ما بعد 1967 تقود الى طريق واحد هو الحرب ولكن السرية تكون فى الاعداد لهذا الحرب من ناحية واقناع اسرائيل بعدم قدراتنا على الحرب من ناحية اخرى
وضع هدف مخادع لتحويل الانظار اليه بعيدا عن الهدف الاستراتيجى :
ويقصد بالهدف المخادع هنا اقناع اسرائيل والعالم باقتناعنا او بالاخرى بتسليمها ان لا سبيل امامنا سوى التسوية السلمية وتكثيف الانشطة التى تخدم هذا الهدف فمثل اشاعة ان مصر تريد تحرير الارض المحتلة Liberation وليس العدوان على اسرائيل وهى عبارة تجد فى الغرب صدى افضل من الاستعداد للحرب
التحكم المركزى والسرية التامة والسيطرة على المعلومات :
الصادرة عن مصر وذلك من خلال المركزية المطلقة بحيث لا يذاع او ينشر اى خبر او تصريح او مقال او معلومة ما الا بموافقة الرقابة هنا فى يد شخص واحد هو المسئول عن تنفيذ خطة المفاجاة الاستراتيجية وهذا ما حدث فعلا فقد كنت احتفظ بمنصب وزير الاعلام والرقيب العام على كل البرقيات الصادرة من مصر وعلى كل ما تنشره الصحافة المصرية وعلى كل ما يذاع او يبث فى الاذاعة والتليفزيون وكنت المسئول عن تحديد ما ينشر وما لا ينشر ومسئولا عن تحديد المعلومات التى تعلن والشخصيات التى تنسب اليها هذه المعلومات والتوقيت الذى يتم فيه ذلك.
واذكر بهذا الشان كم من تصريح صدر عن مسئول مصرى ياخذه الحماس الوطنى فى احد الاجتماعات او اللقاءات فيقول ان مصر بعد كل الامكانيات للحرب وضرب اسرائيل ولكنه فى اليوم الثانى لا يجد اى اشارة الى هذا التصريح او الى خطبته الحماسية او حتى تعليق عليها وعندما يسال يكون الرد ان الرقابة منعت النشر وكنت اواجه مشاعر الاستياء من هذا المسئول او هذا الصديق مما جعل المتضايقين منى يتزايدون
ايجاد منطقة من الظلام المعلوماتى لدى اسرائيل :
وذلك من خلال اضفاء كامل السرية والغموض على انباء او احداث معينة بحيث لا يتم معرفة اى شئ عنها او معرفة ما حدث فيها او تفسير حدوثها فى هذا التوقيت الامر الذى يخلق منطقة من الظلام المعلوماتى فى الصورة الاستخبارية التى تكونها اسرائيل عنا وفى بعض الاحيان كنا نحاول اضفاء السرية على احداث معينة بهدف جذب اسرائيل الى الاهتمام بها اكثر مما يجب واستغلال ذلك لابعادها عن احداث اخرى
استخدام اساليب الخداع والتمويه الاعلامى :
فعلى سبيل المثال كنا نركز على معلومات بعينها و نضخمها وفى المقابل نهون من معلومات اخرى وفى بعض الاحيان كنا نقدم معلومات متناقضة و تقديرات متعارضة وندفع اسرئيل للانشغال بتفسيرها وكنا نستخدم المعلومات المضللة وتسريب اخبار معينة والاعتماد على مصادر متعددة واماكن مختلفة لممارسة عملية الخداع والتمويه . فعلى سبيل المثال كنا نصدر معلومات عن مصر من هنا فى القاهرة ومن اماكن اخرى كبعض العواصم العربية بل والاوروبية او من خلال مسئولى بعض الدول الذين يتظاهرون بالصداقة لنا فى حين انهم يبغون التعرف على نوايانا لابلاغ اسرائيل
المتابعة المستمرة لمعرفة تاثير اساليب الخداع والتمويه على العدو :
وذلك من خلال متابعة المعلومات والتصريحات المصادرة من او عن اسرائيل فيما يتعلق بالانباء والمعلومات التى استخدمناها فى اعمال الخداع والتمويه وتحديد مدى ما حققته من نجاح او فشل ومراجعة هذه الاساليب اولا باول ، وابتكار اساليب جديدة بسيطة او معقدة استنادا الى تجارب ونتائج الاساليب القائمة













12- فى حومة المعركة

لجنة العمل الوطنى العليا : فى يوم الجمعة 5 اكتوبر – قبيل ساعة الصفر لمعركة اكتوبر بيوم واحد . تمت خطوة دستورية ممتازة تطبيقا لمبدأ تعاون السلطات التنفيذية والتشريعية حينما اصدر الرئيس السادات ، قرارا هاما بتشكيل لجنة العمل الوطنى العليا وكلفنى برئاستها ، وتضم فى عضويتها : رئيس مجلس الشعب ونواب رئيس الوزراء ووزير الاعلام ووزير الخارجية ومستشار الامن القومى ومدير المخابرات – وكان سكرتير هذه اللجنة شخصية ممتازة يقوم بالاتصالات السريعة التى كلف بها وهو الاستاذ عبد العزيز الشافعى ، له كل التحية والتقدير
واخطرنى الرئيس بان وزير شئون مجلس الوزراء سيكون حلقة الاتصال بين مقر القيادة العسكرية وبينى للاتصال المباشر بشان اى اخبار يرسلها الرئيس لى وهو يقود بصفته القائد الاعلى للقوات المسلحة العمليات الحربية وسيرها – والقرارات السريعة الحازمة التى يصدرها للقيادة العسكرية حسب تطور الاحداث .. على ان ابلغ بها من خلال خط تليفونى ساخن سرى للغاية .. لإذاعة ما هو مناسب للاذاعة وليتابع الشعب والعالم تطورات المعارك
وقد قال الرئيس انور السادات : اننى ساكون فى الساعة المحددة يوم السبت فى مقر القيادة العسكرية العليا .. وسيتفرغ نهائيا لهذه المهمة الخطيرة وقال : اما العمل الوطنى المدنى الخاص بالداخل وتطورات الموقف ورد الفعل الاعلامى ورد فعل الحكومات الاجنبية عن المعارك مع اسرائيل .. فأنت رئيس لجنة العمل الوطنى العليا، وعليك ان تتصرف فيها .. واصدار التعليمات الحاسمة .. وهذه مسئوليتك الدستورية .. فانت رئيس هذه اللجنة التى ستظل فى حالة انعقاد دائم ليلا ونهارا . واراد رحمه الله تشجيعى فقال : انت مؤهل لهذا العمل الصعب فقد تخرجت من كلية الاركان حرب وحاربت فى حرب 48 ولك خبرة سياسية فى مراكز الدولة من عام 52 –1973 اى 21 سنة .. فطمأنت الرئيس بان كل الترتيبات جاهزة والاعداد جيد والله معنا
وحسب الوقائع التاريخية فانه حتى هذا الاجتماع لم يكن يعلم عن ساعة الصفر احد من المدنيين وبعض الوزراء بل ارسلت لهم التعليمات يوم السبت 6 اكتوبر بالتواجد وعدم الانصراف من مكاتبهم ، وكل منهم يقيم فى الوزارة منتظرا التعليمات مع تنفيذ ما سبق ان تقرر فى اعداد الدولة للحرب فى اجتماعات مجلس الوزراء التى كانت تنعقد اسبوعيا وتستمر تسعة ساعات احيانا ، ونعلن بعد الاجتماع انه تم بحث سياسة وزارة من الوزارات او حل مشكلة من المشاكل ، بينما حقيقة الامر هى : تخطيط اعداد الدولة للحرب وتوفير كل متطلبات المعركة .. واحمد الله .. ان كل شئ نفذ حسب التخطيط الموضوع وبنجاح .. ولا شك ان الاعداد السليم الناجح يؤدى الى النصر المبين .
وإننى لأذكر بكل التقدير كل الذين قاموا بهذا العمل المجيد بلا اعلان ، بل بصمت وصبر ، ولم يصرحوا بشئ قبل المعركة او اثنائها او بعد المعركة على مدى الخمس وعشرين عاما الماضية ، الا انه بعد هذه المدة لم يعد من حقى ان اخفى الدروس المستفادة والادارة الممتازة لإعداد الدولة للحرب التى قمت وكلفت بها مع اعز الاصدقاء والزملاء الذين ادوا واجبهم فى سيمفونية رائعة ترددت اصداؤها فى كل الانحاء ... وكان نصرالله عظيما .
واذكر اثناء الحرب ان جائتنى برقية بان اسرائيل اصدرت تعليمات الى كل السفن فى البحر الابيض الا تقترب من الموانئ المصرية وكان بعضها يحمل اسطوانات البوتاجاز وكنا فى انتظارها لتكملة احتياطات البوتاجاز من اجل القوات المسلحة وجميع افراد الشعب وكان الرئيس السادات فى مقر القيادة – ولذلك اصدرات قرارا سريعا بان تعود هذه السفن الى اليونان وتستاجر سفن اخرى وتتجه الى طبرق وارسلت الى طبرق عددا كبيرا من اللوارى لنقل هذه الاسطوانات الى مصر وفى اثناء ذلك اصدرت تعليمات للجهات البترولية بان تنقص نصف عبوة اى اسطوانة بوتاجاز توزعها ، وذلك حتى يكون لدينا احتياط للطوارئ . وقد قمت بعد انتهاء الحرب بالاعتذار للشعب عن النقص فى اسطوانات البوتاجاز التى وزعت فى هذه الفترة
وهنا اتذكر انه فى يوم 10 اكتوبر ونحن فى عز النصر ابدى الرئيس شكره على اعداد الدولة للحرب بنجاح ، وكيف انه لم تظهر طوابير التموين او اى ظاهرة قلق من جانب المواطنين ، كما يحدث للدولة عادة فى حالة الحرب – بل الاكثر والاغرب من ذلك ان الشعب الذى كان ساخطا يائسا .. لم تحدث من احد افراده اى جريمة فى هذه المدة – ولم يقم بالتهافت على تخزين التموين كما يحدث فى الحرب وقال السادات اننا قررنا ان اعينكم مساعد لى وتتولى المجالس القومية المتخصصة وكانت نصا من بين بنود الدستور تنشأ المجالس القومية المتخصصة لمعاونة رئيس الجمهورية فى رسم سياسته وكانت خطة الاعداد الدولية للحروب تتضمن اعداد التموين اللازم للقوات المسلحة وكما يقول نابليون بان الجيوش تسير على بطونها فمعنى ذلك اننا يجب العمل بكل الوسائل لتوفير ما يلزم من احتياطيات استرتيجية فى اماكن متفرقة من البلاد مع ايجاد وسائل للدفاع الجوى عنها .
كذلك كان يلزم معرفة احتياجات الشعب اليومية وتوفير المخازن والاماكن المتوفرة الاحتياطية فى كل محافظة من المحافظات والكميات الضرورية لاحتياجات كل محافظة على حدة .
وكذلك تامين الدفاع الجوى والدفاع المدنى على جميع الكبارى ومحطات السكك الحديدية والمخازن الهامة واماكن التجمعات السكنية والمخابئ الضرورية للسكان وكان هناك تقرير يومى عن حالة البلد الداخلية والخارجية وتاثير البيانات العسكرية ومجريات الحرب وما يجب عملها بالنسبة للاعلام الداخلى والخارجى حتى يمكن رفع الروح المعنوية للشعب والرد الفورى على الدعايات المعادية .
وكان هناك تقرير يومى عن حالة التموين واحتمالات نقص بعض السلع ، ولكن الحمد لله كنا نرسل مباشرة السلع المختلفة بكميات كبيرة للمحافظات التى نستشعر زيادة الطلب على السلع بها .





__________________كل الحقوق ممنوحة__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.communication.akbarmontada.com
المدير
الادارة
الادارة


عدد المساهمات: 1779
تاريخ التسجيل: 08/06/2009
العمر: 26

مُساهمةموضوع: رد: دراسة حول دور الاعلام فى الحروب الحديثة   الإثنين نوفمبر 29, 2010 12:21 pm

النبرة الاعلامية اثناء الحرب
طبقت بنجاح خطة الاعلام اثناء الحرب – وهى الجزء الثانى من الخطة فجمعت رجال الاذاعة والتليفزيون الساعة 12 ظهرا يوم السبت 6 اكتوبر 1973 وكان البيان الاول قد اعد فى قيادة القوات المسلحة – وطلبت من المذيعين عمل بروفة لإذاعة البيان ووضعت الخطوط الرئيسية فى هذه الخطة على النحو الاتى :
1- لا خطابة ولا اثارة ولا حماس بالنسبة لكل البيانات العسكرية فالاعلام هو لنقل الاخبار وليس من عمله صنع الاخبار – ومن المهم ان يتفادى الاعلام كل اخطاء اعلام 1967
2- ان تقتصر اذاعة البيانات على المذيعين فقط ولا داعى لأن يقوم المذيعات بالاذاعة خشية الانفعال خصوصا وقد تقع احداث ليس بها انتصارات فيصعب عليهن التحكم فى مشاعرهن وقد سمحت باذاعة المذيعات للبيانات بعد يوم 10 اكتوبر بعد ان تحقق النصر
3- جميع الاغانى هادئة ولا داعى للصراخ وافتعال اناشيد وطنية لا داعى لها والاغانى تكون مثل ( على الربابة اغنى ) .... وغيرها
4- احاديث عن روعة قواتنا المسلحة وصلابة الجبهة وما قامت به دول راقية فى الحرب العالمية الثانية من تقييد صرف التموين ببطاقة التموين .. وقد قدم المرحوم الاستاذ الدكتور يحيى عويس برامج اذاعية ناجحة يوميا عن خبرته فى انجلترا ايام الحرب العالمية الثانية
وقد سئلت هذا السؤال : ما هى الخطة التى اتبعتها لاسترداد الثقة بين الحكومة والشعب ؟
الجواب : كانت امامى فجوة عدم الثقة بين الشعب واجهزة الاعلام سببها فقدان مصداقية الحكومة وجهازها الاعلامى منذ 1967 عندما كانت الاذاعة المصرية اثناء الهزيمة تذيع اكاذيب لذلك كان دستور الاذاعة والاعلام المصرى فى عام 1973 هو : الصدق والسرعة فى نقل الخبر ، بحيث يستمع المواطن المصرى او خبر عن احداث الحرب بسرعة من مصادر الاعلام المصرية .. اما بخصوص المصداقية وعدم الثقة واستردادها فاذكر على سبيل المثال ان المشير احمد اسماعيل رحمة الله ابلغنى بان قواتنا كبدت العدو خسائر فى معركة الدبابات 70 دبابة – وسمعت فى اذاعة اسرائيل خبرا عن هذه المعركة بان اسرائيل خسرت 50 دبابة فأذاعت انه حدثت معركة بين الدبابات وخسرت اسرائيل 30 دبابة – اى اقل مما اذاعته اسرائيل .. وهنا اخبرت المشير احمد اسماعيل بعد الاذاعة بان الهدف من ذلك استرداد الثقة فى اجهزة الاعلام ... فقد نشرت كل اجهزة الاعلام العالمية ان اجهزة الاعلام المصرية لها مصداقية – بينما الدعاية الاسرائيلية تذيع الاكاذيب ، لأنها اذاعت بانها هشمت عظام الجنود المصريين بينما الجنود المصريين ياسرون الجنود الاسرائيليون .
* وكان تعاملنا مع الراى العام العالمى اثناء المعركة يقوم على اساس ان الحرب بالنسبة لنا ليست هدفا فى حد ذاتها ولكنها وسيلة لا بديل عنها من اجل تغيير الاوضاع والمفاهيم التى سادت فى سنوات ما قبل اكتوبر وانها اداة لتهيئة الظروف المناسبة للتوصل الى السلام والاستقرار فى المنطقة .
وكانت رسالتنا فى هذا الشان اثناء المعركة :
1- اننا قاتلنا وسوف نقاتل لتحرير اراضينا التى وقعت تحت الاحتلال الاسرائيلى عام 1967 ولإيجاد السبيل لإستعادة الحقوق المشروعة لشعب فلسطين
2- اننا نلتزم بقرارات الامم المتحدة وعلى استعداد لقبول وقف اطلاق النار على اساس انسحاب القوات الاسرائيلية من كل الاراضى المحتلة فورا وتحت اشراف دولى والى خطوط ما قبل 5 يونيو 1967
3- اننا على استعداد فور اتمام الانسحاب من كل الاراضى المحتلة ، ان نحضر مؤتمر سلام دولى فى الامم المتحدة مع العمل على اقناع العرب وممثلى الشعب الفلسطينى به ، من اجل وضع قواعد وضوابط سلام فى المنطقة تقوم على احترام الحقوق الشرعية لكل شعوبها .
4- اننا على استعداد لأن نبدأ فورا فى تطهير قناة السويس وفتحها للملاحة الدولية .
اتباع مبادئ الاعلام الاسلامى ،الحرب خدعة
استعان الاعلام المصرى فى حرب 1973 بمبادئ الاعلام الاسلامى ، متخذا من الحيث الشريف اسلوبا لتحقيق المفاجاة الاستراتيجية فى الحرب
1- استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان :
قرر الاعلام المصرى انه يجب اتباع التعتيم والكتمان وعدم التصريح او الاعلان عن اى معلومات يستفيد منها العدو – فى مرحلة اعداد الدولة للحرب – وذلك بعكس ما كان يحدث فى حرب 1967 حيث كانت اجهزة الاعلام تبين فى تصريحات المسئولين باننا سنلقن اسرائيل درسا لن تنساه – واننا اكبر قوة حربية وكان هناك تهويل فى قواتنا وتهوين من قوة العدو
2- ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم :
لقد عرف الاعلام المصرى فى ابان اعداد الدولة للحرب بانه يجب ان تغير اجهزة الاعلام الاسلوب الذى كان متبعا فى حرب 1967 وهو المبالغة وعدم المصداقية فى الاخبار التى كانت تذيعها اجهزة الاعلام عام 1967 وان يلتزم الاعلام المصرى بالمصداقية وعدم المبالغة
3- واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ...
كان الاعداد الجيد الذى تم فى مرحلة اعداد الدولة للحرب تطبيقا للاسلوب الاعلامى السليم – فكان بلا اعلان حتى بدأت المعركة ، وكانت هناك خطة اعلامية اعدت لما قبل المعركة واثناء المعركة وبعد المعركة

4- وتعاونوا على البر والتقوى :
كان من اسباب الهزيمة فى حرب 1967 – عدم التعاون بين اجهزة الاعلام والقيادة العسكرية – لذلك وضع اسلوب اعلامى جيد فى حرب 1973 مبنى على التعاون والتنسيق بين الدولة واجهزة الاعلام وتولى المسئولية بمركزية واحدة
5- نشر مبدأ الاسلام .... وهو السلام
منع اغانى العدوان مثل ( راجعين راجعين بقوة السلاح راجعين ) .. وقد انشأ جهاز الاعلام المصرى محطة اذاعة مصرية تذيع بالعبرية مبادئ السلام ، وهى ان السلام غاية المسلمين .. لذلك تريد مصر تحرير ارضها وهى دولة محبة للسلام ... مما كان له اثر كبير فى الرأى العام الاسرائيلى .. فالشعوب تريد السلام ولكن قلة من العسكريين فى اسرائيل يريدون البقاء فى مناصبهم . ولذلك يعملون من اجل الحرب باستمرار
6- الاسلام يحترم اهل الكتاب :
وهذه حقيقة اذ يشيد القران بانبيائهم ورسلهم ولكن الاسلام ضد الصهيونية لذلك لم يهاجم الاعلام اليهودى فى حرب 1973 بعكس ما كان يحدث فى حرب 1967
7- من تعلم لغة قوم آمن مكرهم :
وهو منهج يتركز فى شعار ( اعرف عدوك ) وقد طبق هذا المبدأ الاسلامى بان قام الاعلام المصرى فى حرب 1973 فى السماح بكل الكتب الاسرائيلية وتوزيعها بعد ترجمتها لمعرفة كيف يفكر ويعمل العدو وكان ممنوعا فى حرب 1967 تداول الكتب الاسرائيلية او التى تتحدث عن اسرائيل
8- الحكمة والموعظة الحسنة :
وقد طبق ذلك فى الاخبار والتعليقات فكانت تذيع فى اجهزة الاعلام المصرية بلا سباب او شتائم ، طبقا للمبدأ الاسلامى مستفادا من قول الله تعالى لرسوله الامين : ( ادع الى ربك بالحكمة والموعظة الحسنة )
9- قام الاعلام المصرى بتصنيف الراى العام المخاطب الى فئات ليخاطب كل فئة بما يناسبها : فقد خاطب الله سبحانه وتعالى ثلاث فئات من الرأى العام فى بداية الدعوة وهم : المؤمنون والكافرون والمنافقون ، كذلك خصص للمؤمنين سور اقل من الكافرين وسور للكافرين اقل من المنافقين كذلك راعى الاعلام المصرى مخاطبة الشعب المصرى الذى كان يئن من الاحباط وما حدث فى هزيمة 1967
وكذلك مخاطبة الاسرائيليين باسلوب ، ومخاطبة الغرب باسلوب يتلائم مع فهمهم للامور .. فاكد الاعلام المصرى على اننا نريد تحرير ارضنا المحتلة .. وكلمة تحرير يقبلها الغرب ولا يقبل كلمة الحرب او العدوان
10- ولإستعادة الثقة فى نفوس الجنود وزيادة حماسهم والارتقاء بمستوى ادائهم وشجاعتهم كان لا بد من ان يؤمن هؤلاء الجنود ايمانا راسخا بحتمية النصر ، وان الله سوف ينصرهم ، وذلك تطبيقا للآية الكريمة :
( اذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير ) سورة الحج اية 39
فنحن نقاتل دفاعا عن انفسنا واسترجاعا لحقوقنا وارضنا وشرفنا ، واكثر من ذلك نصرة لديننا .. وهى مسائل تحظى بكامل الاحترام والتقدير لدى كل مسلم ، وهى نفسها المسائل التى لا يحجم المسلم عن التضحية بكل شئ فى حياته من اجلها
( انما المؤمنون الذين امنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا باموالهم وانفسهم فى سبيل الله اولئك هم الصادقون ) الحجرات اية : 15 )
( ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون ) ( يونس 82 )
( فقالوا على الله توكلنا ، ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ( يونس 85 )
11- اسلوب الرد على المزاعم الباطلة للعدو :
فقد واجه الرسول صلى الله عليه وسلم مكر اعداء الاسلام .. من خلال مناقشة اقوالهم والرد عليهم بالحجة وذلك لحماية المسلمين والدعوة الاسلامية من الهواء المسمم الذى كانوا ينفثونه ويحاولون به اثارة البلبلة فى نفوس الناس ، وهو فى سبيل ذلك لم يتخذ اجراءا عنيفا باترا ، ولكنه اتبع اسلوب الرد على مزاعمهم الباطلة بما يقوى به ايمان المسلمين ويزيد من قوة الدعوة .. والسيرة النبوية وقبلها القران الكريم مليئة بأخبار من هذا القبيل .. وهو الاسلوب الذى حاولنا التركيز عليه طوال الفترة بعد حرب 67 وبشكل خاص عام 1973 عام الاعداد للحرب وطوال تلك المدة كان الاعلام المصرى حريصا على الرد على كل المزاعم الاسرائيلية الباطلة التى كان يوجهها سواء للمصريين او للعالم ، وكنا نلاحق اكاذيبه فى كل مكان وكل الوقت
12- الصبر على البلاء مع الثقة بالله :
وذلك مصدقا لقوله تعالى : ( احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا امنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) ( العنكبوت : 2،3 )
( واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا ) ( المزمل : 10 )
هاتان الايتان تعبران عن الصبر ، وفى نفس الوقت الاحتفاظ بالايمان والثقة دون اهتزاز مهما كانت النوازل ، وهو الاسلوب الاعلامى الذى اتبعناه فى اعداد جنودنا لحرب اكتوبر 1973 ، خاصة مع ما كانوا يرونه من افعال الاسرائيليين على الضفة الاخرى من القناة ، او ما كانوا يسمعونه من اذاعات مثبطة لعزائمهم
( ما اصاب من مصيبة فى الارض ولا فى انفسكم الا فى كتاب من قبل ان نبرأها ان ذلك على الله يسيرا ) ( الحديد : 22 )
( ما اصاب من مصيبة الا باذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شئ عليم )
( التغابن : 11 )
( ولتسمعن من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين اشركوا اذى كثيرا وان تصبروا وتتقوا فان ذلك من عزم الامور ) ( ال عمران 186 )
13- الالتزام بالصدق :
لقد كان احد عناصر قوة الدعوة الاسلامية لدى الناس هو التزامها المطلق بالصدق ، وابتعادها كل البعد عن الافتراءات والاكاذيب :
( ليسأل الصادقين عن صدقهم واعد للكافرين عذابا اليما ) ( الاحزاب :8 )
( فمن اظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق اذ جاءه ... ) ( الزمر 32 )
ومن هذا المنطق ارتكز اعلام اكتوبر 1973 على عنصر الصدق ، وحرص على تحرى الحقيقة فى كل خبر ينسب اليه ، حتى ان العالم بدأ يستقى الاخبار من الاعلام المصرى لما له من مصداقية فى مقابل اكاذيب وافتراءات كثيرة اتسم بها الاعلام الاسرائيلى
كما ان مصداقية الاعلام المصرى كانت عونا لنا فى كسب تعاطف المجتمعات الاخرى واحترامهم لنا . وقبل ذلك استعادة المصريين لثقتهم فى اعلامهم التى اهتزت بشدة عام 1967 .
14- الحث على الشجاعة والاستعداد للتضحية :
( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا باموالكم وانفسكم فى سبيل الله ذالكم خير لكم ان كنتم تعلمون ) (التوبة 41 )
( يا ايها الذين امنوا اذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار ) ( الانفال – 15 )
( الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) ( ال عمران : 173 )
هذه الايات كانت من الاسس التى اعتمدت عليها الدعوة الاسلامية طوال مسيرتها لتنمية الشجاعة فى نفوس ابنائها ، وهو الاسلوب الذى استفاد منه اعلام اكتوبر عام 1973 لحث الجنود على الشجاعة واستبسال ، وفى نفس الوقت تقليل تأثير ما يقال عن اسطورة اسرائيل وعسكريتها المتقدمة التى لا تهزم ..
15- البعد عن الخوف من النتائج المجهولة :
( كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم ) ( البقرة:216 )
( لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك امرا ) ( الطلاق : 1 )
( وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا ) ( لقمان : 34 )
( فعسى ان تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ) ( النساء : 19 )
هكذا ينفض الاسلوب الاسلامى عن النفس البشرية اى مخاوف من النتائج المجهولة المترتبة على عمل معين ، بما يساعد على مواجهة الواقع وهى قوية متمكنة ومطمئنة الى قدر الله وهو الاسلوب الامثل الذى تعامل به اعلام اكتوبر مع المسئولين لتشجيعهم ، والجماهير لتحفيزهم ، ومع الدول الاخرى التى حاولت فرض السكون علينا والخصوع للامر الواقع مستخدمين فكرة ان اى عمل نقوم به ستكون النتائج علينا وخيمة ... وهو الاسلوب الذى اتبعته اسرائيل ايضا لتثبيط حماسنا وزرع الشك فينا
( قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون )( التوبة 51 )
( ان ينصركم الله فلا غالب لكم وان يخذلكم فمن ذا الذى ينصركم من بعده )
( آل عمران : 160 )
مقارنة موضوعية
ومن المفيد هنا ان نعقد مقارنة بين اسلوبين من اساليب الاعلام : الاول هو اسلوب اعلامنا فى سنة 1967 وما صاحب ذلك من الهزيمة ، والثانى هو اســـلوب الاعـــــــلام المصـــــــرى سنة 1973 وما صاحبه من نصر مبين :
وظنوا ان الحرب الدعائية يمكن ان تلغى الحقائق .. ولم يكن العالم فى بادئ الامر يصدق بلاغاتنا لدرجة ان عدد الدبابات التى خسرتها اسرائيل كان فى بعض بلاغاتنا اقل من الواقع .. والحقيقة انه لو جمعنا عدد الدبابات التى خسرتها اسرائيل وفقا لبلاغاتنا سنجده اقل من الواقع بحوالى 150 دبابة .. وكنت قد قلت للمشير احمد اسماعيل والدكتور عبد القادر حاتم نائب رئيس الوزراء ووزير الاعلام وقتها ( فى هذه المعركة نريد الحقيقة كما هى للناس بخيرها وشرها )
بعد اليوم الثالث تاكد انتصارنا فبدأ العالم ياخذ بياناتنا ويبدى اعجابه بقدرتنا القتالية وفرحته لانتصارنا – ففى هذه الايام فقدت اسرائيل اكثر من ثلث سلاح طيرانها على الجبهتين المصرية والسورية .. وبذلك انتهت خرافة سلاح الطيران الاسرائيلى وخرافة المدرعات الاسرائيلية
اتضح لى بعد ذلك ان القمر الصناعى الامريكى كان يوصل المعلومات لا سرائيل ساعة بعد ساعة بعد نداء Save Israel وتم استخدام الكوبرى الجوى الامريكى لنجدة اسرائيل ونزول الطائرات الامريكية التى تحمل الدبابات وكل الاجهزة الحديثة الى الجبهة واقر هنا للتاريخ ان روسيا التى كانت تدعى وقوفها مع الحق العربى لم تبلغنا بشئ بواسطة اقمارها الصناعية التى كانت تتابع المعركة منذ لحظة وقف اطلاق النار ..




اصبح العالم ينظر باحترام للبيانات التى يصدرها المصريين عن سير القتال وعدم المبالغة عند الحديث عن انتصاراتهم التى ادهشت الجميع ( صحيفة هيرالدتربيون 21/10/1973 .
ان اسطورة نفسية قد تحطمت هذه المرة . ويجب على اسرائيل ان تتخلى عن فكرة حماية امنها باحتلال الاراضى .. ان العرب غسلوا عار 1967 ومهما تكن الخسائر فقد استعادوا ثقتهم بانفسهم ( ديلى تلجراف البريطانية 20/10/1973 ) .








































__________________كل الحقوق ممنوحة__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.communication.akbarmontada.com
المدير
الادارة
الادارة


عدد المساهمات: 1779
تاريخ التسجيل: 08/06/2009
العمر: 26

مُساهمةموضوع: رد: دراسة حول دور الاعلام فى الحروب الحديثة   الإثنين نوفمبر 29, 2010 12:24 pm



13- اعلامنا واعلامهم بين منهجين
اسلوب اعلامنا سنة 1967 اعلام اسرائيل بعد سنة 1967 منهج اعلام مصر سنة 1973
1- لا توجد خطة اعلامية 1- اتباع اسلوب الاعلام
المصرى فى حرب 1967 1- وضعت خطة اعلامية
قبل واثناء وبعد المعركة
2- التهويل فى قدرة قواتنا والتهوين من قدرة اسرائيل 2- اعلنت بان قواتها هى القوة التى لا تهزم 2- منع اى تصريحات تبين قوة قواتنا او التهوين لقوات العدو
3- تصريحات لا مسئولة مثل انناسنلقى اسرائيل فى البحر ... الخ 3- تصريحات متهورة تهاجم العرب واللغة العربية وحتى الدين الاسلامى 3- منع التصريحات الرسمية بان مصر ستحارب بل ذكر ( ان مصرتريد تحريرارضها المحتلة واسترداد حقها المغتصب )
4- التشنج فى الاعلام ،
اناشيد حماسية 4- التشنج فى الدعاية 4- النغمة الهادئة فى اجهزة الاعلام
5- اخفاء الحقائق 5- عدم ذكر الحقائق 5- ذكر كل الحقائق
6- عدم الصدق فى البلاغات الرسمية 6- الكذب فى البلاغات الحربية مثل ان الجيش الاسرائيلى هشم عظام الجيش المصرى فى 6 ، 7 اكتوبر 6- الصدق فى البلاغات الرسمية
7- فوضى الرقابة على البرقيات الاجنبية 7- فرض الرقابة على برقيات الصحافة الاجنبية 7- رفع الرقابة على البرقيات الصحفية الاجنبية
8- منع تداول الكتب والمعلومات الخاصة باسرائيل 8- اعلان ديان بان العرب لا يعرفون شيئاعن اسرائيل وقال ( ان العرب لا
يقراون ) 8- السماح بتداول الكتب والمعلومات عن اسرائيل وفق مبدأ
( اعرف عدوك )
9-مهاجمة الشعب الاسرائيلى مما جعله يتحد كقوة وراء قادته – ولم تكن هناك حملة اعلامية موجهة للشعب الاسرائيلى توضح له الحقائق وان قادته يريدون الحروب وليس السلام . 9- كانت اسرائيل تتظاهر دائما بانها لا تريد الحرب بل السلام – قبل حرب 67 ، ثم بعد هذه الحرب اخذها الغرور والكبرياء 9- عدم مهاجمة الشعب الاسرائيلى وانشئت محطة اذاعة عبرية قوية موجهة الى الشعب الاسرائيلى تبين ان مصر تريد السلام وتحرير ارضها وان قادتهم يريدون الحروب لمصلحتهم مع ذكر كل الحقائق للشعب الاسرائيلى عن فساد القادة
10- اعلان نوايانا دائما باننا سنحارب 10- قبل حرب 1967 كانت
اسرائيل تتظاهر بانها الحمل الوديع وان الذئاب تريد الانقضاض عليها وانها جنة الارض وواحة جميلة تبنى نفسها بينما العرب فشلوا حتى فى رفع مستوى معيشة مواطنيهم 10- اخفاء هدفنا بأننا
سنحارب واتباع اسلوب المفاجأة مثل :
أ‌- تسريب اخبار عن اعلان حالة الطوارئ فى مصر اكثر من مرة مما جعل قادة اسرائيل يتصورون ان مصر تفعل ذلك للاستهلاك المحلى فقط
ب‌- اختيار يوم عيد الغفران عند اليهود وهو السبت 6 اكتوبر لشن الحرب
11- وجه المسئولون تصريحات للخارج غير التصريحات الداخلية التى كانت للاستهلاك المحلى 11- نفس اسلوب الاعلام المصرى قبل واثناء حرب 1967 11- كانت تصريحات المسئولين فى الخارج هى نفس التصريحات للداخل
12- تصريحات المسئولين العرب تبين ان اسرائيل بلد صغير محاط بالبلاد العربية وفى الاماكن القضاء عليها وظهرت صحف الغرب ( الحمل وسط الذئاب ونالت اسرائيل التعاطف من الغربيين) 12- بعد انتصار اسرائيل قالت انها يمكنها تحقيق هدفها التوسعى من النيل الى الفرات 12- لم يدلى المسئولون باى تصريحات بها استفزاز لإسرائيل او استعراض لقوة مصر بل نشرت صحف العالم بان مصر جثة هامدة وقد استغل الاعلام المصرى ذلك ولم يكذب هذه الدعايات حتى صدقت اسرائيل هذه الانباء
13- ان بعض الصحف لم تفرق بين الاسرائيلى واليهودى فى الهجوم – مما جعل الدول تتعاطف مع اسرائيل 13- وقعت اسرائيل فى خطأ التهجم على العرب بل على الاسلام مما جعل العالم الاسلامى والعربى يقف ضدها 13- لم تهاجم اجهزة الاعلام المصرى – اليهود – اسرائيل – بل اخذت تبين اننا ابناء عمومة الصهيونية هى مذهب عنصرى استعمارى
14- كانت اجهزة الاعلام العربية اذا ما وجدت صحيفة او صحفى غربى يهاجم العرب يمنعون دخول الجريدة دخول الجريدة ويطردون الصحفى 14- اتبعت اسرائيل نفس الاسلوب 14- لجات اجهزة الاعلام المصرى لأسلوب علمى فى مخاطبة كل من يهاجم مصر بان تشرح له الحقائق ولم تطرد صحفيا اجنبيا واحدا من البلاد
15- كانت اجهزة الاعلام لا تخاطب الغرب باللغة والاسلوب الذى يفهمة الغرب وترددان كل من يهاجم العرب ولو مرة واحدة فهو عدو للعرب 15- اتبعت اجهزة الدعاية الاسرائيلية اسلوب الغرور فى مخاطبة اجهزة الاعلام العالمية 15- انتهجت اجهزة الاعلام المصرى اسلوب الشرح الهادئ بالحقائق والارقام دون غرور او كبرياء او غطرسة بل اتباع اسلوب يفهمه الغرب
16- قامت مصر بالتشويش على الاذاعات العالمية 16- فعلت اسرائيل نفس الاجراء 16- رفعت مصر كل تشويش على الاذاعات الاجنبية حتى يعرف المصريين كل ما يذاع ثم تقوم الاجهزة بتصحيح او شرح التناقض فى هذه الاذاعات المعادية
17- لم تهتم بالصحافة اوالرأى العام الاجنبى 17- اتبعت نفس الشئ ففقدت صداقة اجهزة الاعلام بسبب عنجهية المسئولين الاسرائيليين 17- وضعت مصر استراتيجية لكل دولة فى العالم لتكوين راى عام عالمى مؤيدا لصالحها
18- ركزت التعبئة الاعلامية باتباع اسلوب التسخين للمعركة بالكلمات الحماسية الجوفاء والاناشيد التشنجية 18- اتبعت نفس الشئ واعلنت استهتارها بمصر والعرب وبانها تسيطر تماما على كل اجواء المنطقة واعتمدت على صداقة الشعوب الاجنبية لها ولكن سرعان ما فقدت اسرائيل 18- ركزت التعبئة الاعلامية للمعركة على حق مصر فى استرداد الارض – بناء مصر اقتصاديا – والعمل على زيادة الانتاج واناشيد هادئة بعيدة عن التشنج


تعقيب للرئيس السادات : ( ظل العالم مبلبلا .. ياخذ بوجهة نظر اسرائيل لانه يستقى معلوماته من البلاغات الاسرائيلية وقد استخدمت اسرائيل لكى تغطى هزيمتها افلام حرب 1967 فى اسرائيل وفى العالم ... )













14- شهادات بالنجاح
يقول ايلى زعيرا فى كتابه حرب يوم الغفران ، موضحا ان اسرائيل لم تكن على علم باى استعداد مصرى وسورى للحرب
عن الجو الهادئ شبه المثالى الذى ساد فى جيش الدفاع الاسرائيلى فى صيف 1973 يمكن الاشارة الى عدة حقائق : ان هيئة الاركان العامة لم تقم بالاستعدادات لآى حرب ووزارة الدفاع لم تقم باستكمال ما ينقص جيش الدفاع كما ان اثنين من قادة المناطق تم استبدالهما فيما بين يونيو وسبتمبر 1973 ( سموئيل جونين للقيادة الجنوبية ويونا افرات للقيادة الوسطى ) بل ان احد الموضوعات الرئيسية التى شغلت هيئة الاركان العامة كان هو اختصار مدة الخدمة الالزامية .. هل هذا موضوع يشغل هيئة اركان تستعد للحرب ؟ ( ص 154 )
وابتداء من شهر يونيو 1973 وردت معلومات عن ان السادات ارجأ الحرب الى نهاية السنة ثم جاء نبا صريح يفيد ان السادات ارجأ الحرب الى نهاية السنة هذا النبا جاء فى بداية شهر سبتمبر اى قبل الحرب بحوالى شهر ، وكان من الممكن الاحساس من خلال هذه المعلومات ايضا ان السادات سوف يؤجل الحرب الى ما بعد نهاية سنة 1973 ومن المحتمل ان هذه المعلومات الى جانب الحقيقة انه لم تندلع حرب فى ابريل – مايو – اقنعتنا بان الحــرب تأجلت ( ص 155 )
هناك سببان على الاقل لتاجيل استدعاء الاحتياط ، كما ظهر من شهادة وزير الدفاع امام لجنة التحقيق ومن كلماته فى مؤتمر طاقم القيادة العليا لتلخيص حرب يوم الغفران :
السبب الاول : كان سببا عسكريا .. فموشيه ديان كان شريكا فى الشعور بالثقة فى الجيش النظامى ، وانه سيوقف الهجوم على خط الحدود حتى وصول قوات الاحتياط ، وحتى ان لم تبدأ التعبئة الا مع بداية الحرب فان سلاح الطيران سوف يعاون القوات البرية بصورة فعالة ، ابتداء من الساعات الاولى للحرب . وكان كلاهما وهمان عمليان
السبب الثانى : كان سببا سياسيا ، فقد كان وزير الدفاع يخاف ان يؤدى استدعاء الاحتياط قبل الهجوم المصرى السورى الى ان تتهم اسرائيل بمسئوليتها عن بدء هذه الحرب . وكان نظام الدعاية والخداع المصرى السورى فى الايام السابقة لحرب الغفران قد عمل على اعداد الراى العام العالمى لتقبل ان اى هجوم مصرى سورى انما جاء ليسيق اى هجـوم اسرائيلى جــديد ( ص 290 )
وعن ان عنصر المفاجأة قد تحقق ولا يمكن انكاره يقول : ايلى زعيرا :
ان كان وزير الدفاع موشيه ديان قد توصل الى الاستنتاج فى مايو 1973 انه خلال شهر سوف تهاجم مصر وسوريا فعليه ان يعمل على ان تعد الحكومة الشعب فورا لهذا الاحتمال ولكن عندما يكون الوعى القومى غارقا فى سكينة وهدوء السلام طويل المدى ، فان الحرب التى تندلع فجاة ستؤدى الى صدمة والى ضياع التوقعات والامال ، وعلى ذلك ففى قائمة مفاجات حرب يوم الغفران كانت المفاجاة الاولى والكبرى فى خطورتها ، هى المفاجاة القومية التى جاءت نتيجة عدم تهيئة الشعب لاحتمال حرب قريبة رغم ان وزير الدفاع ادعى انه تنبأ بها مسبقا . وقبل شهور من الحرب كانت الدولة مشغولة بالاعداد للانتخابات ، واوصى رئيس الاركان وزير الدفاع بخفض مدة الخدمة الالزامية ثلاثة شهور وحصل على المصادقة ، وهو الامر الذى من المؤكد انه دعم وقوى الشعور بالهدوء والسكينة ( ص 297 ، 298 )
هل كان هدف المصريين هو ان يخلقوا فى اسرائيل الوهم بان لديها مصدر معلومات للنوايا ياتى منه انذار بتوقيت الحرب ؟ هل كانت هذه مبادرة وخطة الرئيس السادات الخاصة ؟ لماذا لم تصل معلومات عن سفر الرئيس السادات للقاء الملك فيصل فى اغسطس 1973 ولماذا لم تصل معلومات عن اللقاء السورى 21-23 اغسطس 1973 .. لماذا لم تصل معلومات عن ان السادات قد حدد فى يوم 22 سبتمبر موعدا للحرب فى السادس من اكتوبر ؟ لماذا طمأنت المعلومات اجهزة الاستخبارات عن طريق معلومات تفيد بان السادات ارجا الحرب الى نهاية العام ..... بقدر ما لديه من معلومات فان كل ذلك يدل على امكانية ان المعلومات كانت ضمن عملية الخداع المصرية ( ص 177 ، 178 ايلى زعيرا )
وجاء فى كتاب رئيس الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية ( ص 125 )
ان هناك معلومات وصلت من مصادر مختلفة عن الحرب وانها على وشك الاندلاع فى ديسمبر1972 والتى لم تندلع والمعلومات الكثيرة عن الحرب التى على وشك الاندلاع فى ابريل – مايو 1973 والتى لم تحدث هى ايضا واستنادا الى كل المذكور عاليه تكونت فى هيئة البحوث ثقة بدرجة كبيرة فى تلك المعلومات التى افادت بان مصر وسوريا تتجهان بالفعل الى الحرب . لكن ليس قبل تسلم الطائرات والصواريخ من الاتحاد السوفيتى وبالتدريج هبطت وانخفضت صحة سائر المصادر الاخرى التى ابلغت عن تاريخ حرب





__________________كل الحقوق ممنوحة__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.communication.akbarmontada.com
المدير
الادارة
الادارة


عدد المساهمات: 1779
تاريخ التسجيل: 08/06/2009
العمر: 26

مُساهمةموضوع: رد: دراسة حول دور الاعلام فى الحروب الحديثة   الإثنين نوفمبر 29, 2010 12:25 pm

متوقعة وذلك بسبب خطة الخداع والمفاجاة الاستراتيجية التى اتبعها شخص ما بجوار الرئيس السادات
( احتمال ضئيل للحرب ... لا لزوم لدعوة الاحتياط )
كان النجاح الاكبر الذى احرزته المفاجاة الاستراتيجية هو نجاحها فى خلق حالة ذهنية لدى القيادات الاسرائيلية بان مصر غير قادرة على الحرب وغير عازمة عليها فى اكتوبر 1973 على اقل تقدير ودليل هذا النجاح ياتى على السنة الاسرائيليين انفسهم
شهادة اسحاق رابين : كتاب التقصير ص 81 :
لقد تطرق الى هذه النقطة ايضا الجنرال ( متقاعد ) اسحاق رابين ، رئيس اركان الجيش الاسرائيلى فى حرب الايام الستة ، وسفير اسرائيل السابق فى واشنطن ورئيس وزارئها بعد ذلك ، فحاول ان يشرح كيف جرى التقدير بان الحرب لن تندلع على الرغم من ان الانباء كانت متوفرة ، لقد شرح رابين فى حلقة ضيقة لقيادة حزب العمل هذه المأساه كما بدت من نظرة : ( يطلق على ذلك بالانجليزية Mental Block وقع موشيه ديان ورئيس هيئة الاركان ، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية فى انغلاق ذهنى . فقد كانوا اسيرى ايمانهم الشديد وتصريحاتهم بان الحرب مسألة بعيدة وان المصريين غير قادرين او غير مؤهلين لخوضها واذا خاضوها حقا فسنكسر عظامهم . ان هذا الانغلاق الذهنى باللغة السيكولوجية هو الذى جعلهم لا يصدقون الانباء المتوفرة لديهم عن الحرب الوشيكة
وجاء بهذا الصدد فى ص 36 ، 37 من نفس الكتاب :
فى يوم الثلاثاء 2 تشرين الاول ( اكتوبر) عندما كانت السيدة مائير فى طريق عودتها الى البلد تسلمت قيادة الجيش الاسرائيلى ووزير الدفاع معلومات اخرى من الاستخبارات العسكرية عن تعزيز المواقع المصرية فى الضفة الغربية للقناة كذلك وصلت من مصادر اخرى كما ذكر اعلاه تحذيرات وانذارات اخرى جاء فيها بوضوح ان القاهرة تستعد لبدء القتال ولكن الاستخبارات العسكرية فى اسرائيل والاستخبارات العسكرية الامريكية التى تابعت هى ايضا تحركات الجيشين السورى والمصرى قدرت كل على انفراد ان المقصود هو مجرد مناورات الخريف على الاقل فى الجانب المصرى
وقبل عودة رئيس الحكومة من فيينا الى البلد عقد وزير الدفاع ثانية اجتماعا عسكريا على مستوى عال فى مكتبه وقد نوقش الوضع بتعمق ولكن احدا لم يفصح عن الخوف من ان تحركات الجيوش العربية هى للحرب وليس للمناورة بيد ان ديان لم يخف قلقة وطلب تقويم الوضع خطيا ربما بسبب نظرته المتشائمة بصورة عامة وقد جاء الاستنساخ الخطى الذى عرض عليه ، ملائما للتقويم الشفهى وملخصه ثلاث كلمات : احتمال ضئيل للحرب .
وفى مساء الثلاثاء استدعى المراسلون العسكريون للصحف اليومية فى تل ابيب لتلقى توجيهات احد كبار الضباط وقد ابلغ المراسلون بصورة عامة بحشود القوات على الحدود السورية والقناة كما ابلغوا بالتقرير الذى وافقت عليه القيادة العامة ومفادة ان هناك احتمالا ضئيلا للحرب وانه كما يبدو لن يحدث اى شئ .
ويوم الاربعاء 3 تشرين الاول ( اكتوبر) عقدت السيدة مائير التى عادت توا من النمسا اجتماعا على مستوى عال عرف فى اوساط الجمهور خلال الحرب باسم وزارة الحرب واشترك فى هذا الاجتماع بالاضافة الى رئيس الحكومة موشيه ديان وزير الدفاع وايجال الون نائب رئيسة الحكومة واسرائيل غليلى الوزير بلا وزارة والجنرال دافيد العازار رئيس الاركان وكذلك الجنرال ايلى زعيرا رئيس شعبة الاستخبارات وأحد كبار ضباط وقد وصفت حشود القوات خلال النقاش بانها معززة ولكنها لا تتخطى الاستعدادات التى تتبع عادة فى المناورات كما حدث احيانا فى الماضى وقد تم التاكيد مرة ثانية ان هناك احتمال ضئيلا للحرب كما اتفق على انه لا لزوم لدعوة الاحتياط ولم يعترض على هذا القرار احدا من الذين حضروا الاجتماع
ان الاعلام المصرى من اجل تحقيق المفاجاة كان يكثر من نشر اخبار غير حقيقية فى الخارج لخداع اسرائيل بين الفينة والفينة بان مصر تعبئ قواتها .. الامر الذى كان رد الفعل السريع له فى اسرائيل هو التعبئة الشاملة للشعب الاسرائيلى الذى كلفته ملايين الدولارات ولكن يتضح له فى النهاية .. ان مصر لم تكن تعبئ قواتها لذلك بدأت اسرائيل باتباع اسلوب عدم رد الفعل على هذه الاخبار
وقال السبعة صحفيون الاسرائيليون فى كتابهم التقصير : ان عدم وجود رد فعل كان النتيجة لخطة التضليل المصرية وان هذا ... وهذا فقط هو اساس الكارثة التى حدثت فى السادس من اكتوبر من تشرين الاول ( اكتوبر ) 1973
وتشير الى ما كتبه الرئيس نيكسون فى مذكراته ( لقد اخذتنا المفاجاة التى حدثت ، فاننا لم نعلم فى الولايات المتحدة الامريكية عن اعداد مصر للحرب ضد اسرائيل الا قبل 6 اكتوبر بساعات وهذا ما ابلغنى به جهاز المخابرات الامريكية CIA الذى لم يعلم بكل الاساليب التى اتبعت فى مصر من تعتيم اعلامى عن اعدادها للحرب .. ففشل هذا الجهاز فى هذه المهمة الهامة وكنت اعتقدت ان جهاز ( الموساد ) المخابرات الاسرائيلية الذى يتعاون مع المخابرات الامريكية سيخبرها بهذا الاعداد للحرب الذى قامت به مصر لاننى كنت اعتقد انه جهاز نشط الا انه فشل ايضا واصبنا بخيبة امل كبيرة.
- كذلك قال كيسنجر مثل هذا القول فى عام 1975 حينما حضر لمصر فى مقابلة للرئيس السادات ، وحينما حدث التعارف وذكر الرئيس السادات اننى كنت رئيس الحكومة بالانابة عنه لاعداد الدولة للحرب ووزير الاعلام قال كسنجر ان التعتيم الاعلامى وتكثيفه عن اعداد مصر للحرب جعلنا نفاجأ وقد حدثت خيبة امل كبيرة لنا من جهاز المخابرات الاسرائيلى المتعاون مع المخابرات الامريكية لفشل هذين الجهازين
وقال وكيل المخابرات الامريكية فى مذكراته ان المخابرات الامريكية فشلت فى معرفة اى معلومات عن اعداد مصر للحرب
وجاء فى جريدة معاريف عن ذكريات قادة اركان حرب الغفران على لسان الفريق شاؤل موفاز رئيس الاكان العامة للجيش الاسرائيلى : كانت الحرب من وجهة نظرى مفاجاة كبيرة جدا لذلك يجب تقوية المخابرات ومازلنا نعانى من فجوة فى مجال المخابرات
- وقال اللواء موشى يعالون ( كان اخر شئ افكر فيه فى 1973 هو انه من الممكن ان تنشب حرب وأنى اتذكر النكبة وحرب الغفران .. واود ان اقول ان عنصر الفاجاة فى حرب الغفران شغلتنى لفترة طويلة وبتحليلى لمفاجاة الحرب حتى لا اقع فى الخطا نفسه توصلت الى انه يمكن ان يحدث هذا لنا مرة اخرى وان الشئ سبب لنا الهزيمة هو الثقة الزائدة بالنفس والغرور وانى احاول تعليم العاملين مع التواضع..
ويقول لواء موشيه عيفرى سوكنيك : اننى من الجيل الذى تربى على الاعتقاد بانه حين نطلق النار فان العرب يهربون وانه كانت هناك ثقة زائدة بالنفس واستهانة بالعدو وكانت حرب عيد الغفران لى بمثابة تحطيم كثير من الاساطير
وقال الجامعى الباحث الاسرائيلى شارلز ليبمان : كانت اسرائيل منذ القدم تحول الهزائم والمآسى الى انتصارات ولكن حرب اكتوبر حطمت هذا الانطباع ... فلم تصبح اسرائيل قوة اقليمية رئيسية او دولة آمنة والى الابد.
- كما قال الجنرال ياكوف هسداى الذى كان عضوا فى لجنة التحقيق العسكرية حول ما حدث
فى حرب اكتوبر : ان مصر وضعت نهاية لثقة الاسرائيليين بانفسهم كما انها انهت تفاؤلهم
- اما راى ايميليا ليبلغ . الاستاذ الاسرائيلى فى الجامعة العبرية : فى كتاب اثار الحرب النفسية على جنود اسرائيل فهو : ان مصر حطمت اشياء اساسية فى حياة الاسرائيليين وجعلتهم اكثر خوفا وانه من المحتم ان اسرائيل ستتعرض للاسوا .. وان اسرائيل يمكن ان تدمر ، وانها ليست الجنة الامنة الموعودة التى ظنها وتصورها اليهود ... وهكذا فق الاسرائيليون الثقة فى مؤسسات الدولة سواء السياسة او العسكرية
يقول : احد كبار الصحفيين الفلسطينيين ان مصر بالحرب احضرت الفلسطينيين الى بؤرة السياسة الاسرائيلية هذا بعد ان كانت جولدا مائير رئيسة الوزراء تقول فى عام 1972 ليس شئ اسمه الفلسطينيون
- ويقول المحلل العسكرى الامريكى تريفورن دوبوى فى كتابة السلام المراوغ : كانت المفاجاة الاستراتيجية هى ثمار تخطيط ماهر وكذا اسلوب الخداع التكتيكى الذى انتهجه المصريون والسوريون ان القيمة الحقيقية لحرب اكتوبر انها افرغت نظرية الامن الاسرائيلى من محتواها وفندت مفاهيم عسكرية ومعتقدات روجت لها اسرائيل عبر ثلاثة عقود من تاريخ الصراع العربى الاسرائيلى
- وكان قد صرح الجنرال ابراهام كامير احد قادة القوات الاسرائيلية بعد انتهاء الحــرب :
( لا يوجد اى فرد فى القوات الاسرائيلية على اى مستوى تنبأ بان مصر ستدخل الحرب
حتى جميع تقاريرCIA المخابرات الامريكية والموساد الاسرائيلى لم يكن لديهما اى
اتجاه بان الحرب ستحدث ولكن حدثت المفاجاة التى هزت اسرائيل هزا ، وذلك لان
الاعلام المصرى قام بسلسلة من الخداعات ( الخطط الخداعية والتعتيم الاعلامى ) على
استعداد مصر للمعركة طوال عام كامل .


















15- فى مرآة الاعلام العالمى
استخدام اساليب الحرب النفسية :
وكانت وسيلتنا فى ذلك الاذاعة العبرية التى انشاها وجعلناها تبث من القاهرة ناطقة بالعبرية دون ان يعرف احد وجودها ، وتستهدف الشعب الاسرائيلى ،خاصة شريحة الشباب منه وكانت الرسالة الاعلامية للاذاعة العبرية تقول : ان الحرب اثم كبير حرمته الاديان المختلفة وان اليهودية والمسيحية والاسلام اديان سماوية موحدة ترفض الحرب والقتل والدم وان السبب فيما يحدث فى الشرق الاوسط ليس بسبب العرب وليس بسبب الشعب الاسرائيلى ، بل بسبب قلة من المسئولين والقيادات الاسرائيلية التى ترى فى استمرار حالة الحرب وضعا معززا لمكانتها حتى لو كان ذلك على حساب دماء الابراياء وقادة اسرائيل منذ بن جويون حتى جولدا مائير عددهم قليل وهدفهم البقاء فى الحكم
ومن ثم آن الاوان للعيس فى سلام والتنديد بالحرب وقد نجحت هذه الاذاعة العبرية فى ايجاد شريحة ليست بقليلة من المستمعين الاسرائيليين وكانت تذيع احدث الموسيقى والاغانى التى يحب سماعها الشباب
وعلى الجانب الاخر كانت الاذاعة العبرية تغذى مشاعر الغرور لدى الاسرائيليين ولا تهاجم الاذاعة الشعب الاسرائيلى ولا اليهودية وانما تهاجم الصهيونية ، وكذلك تصرفات القادة وجر الشعب الاسرائيلى والعرب للحرب
تجاهل الانشطة والتصريحات الاسرائيلية ذات الصلة بالحرب :
كانت تصدر عن اسرائيل تصريحات مستمرة عن انشطتها العسكرية تبرز التفوق العسكرى الاسرائيلى واحيانا تكون هذه التصريحات مستفزة بالنسبة لنا الى ابعد الحدود ولكننا كنا نتعامل معها بتجاهل شبه كامل
واكثر من هذا ، فان الانشطة العسكرية الاسرائيلية كنا نتعامل معها ايضا بنوع من التجاهل واذكر فى هذا الشان انه كانت لدينا فى بداية عام 1973 انباء عن ان اسرائيل ستجرى مناورة عسكرية لبعض تشكيلاتها الموجودة فى سيناء فى صيف 1973 ، الا انه لم يتحدد موعد محدد لإجراء هذه المناورة
- وفى مايو 1973 اعلنت اسرائيل مناورة مفاجئة لها فى سيناء وكانت المفترض ان يصدر عن مصر انباء واختبار عن رد فعل مناسب لهذا الخبر ولكن كان رد فعلنا سلبى للغاية بمعنى اننا تجاهلنا تماما الانباء والتعليقات الخاصة بالمناورة الاسرائيلية فى سيناء على الرغم من المناورة استغرقت اسبوعين على مرآى من قواتنا المسلحة غرب القناة
هذا التجاهل المتعمد كان له اثار فى تضليل اسرائيل وخداعها فيما يتعلق بنوايا وقدرات مصر وذاد من ايمانها بعجز مصر عن القيام باى عمل عسكرى فى هذه الفترة
تامين الاحتياطات الاستراتيجية
والاحتياطى الاستراتيجى الذى تحتاجه القوات المسلحة او الجبهة الداخلية عند اندلاع الحرب اثنائها وبعدها تحسبا لأسوا الظروف فى اطار من السرية التامة وهذه العملية تمت طوال عام الاعداد للحرب وكان هذا التامين يغطى محافظات مصر المختلفة وتم انشاء مستودعات ومخازن لذلك باسلوب التبادل : جزء يكون معروفا ويستخدم بالطاقة الدنيا له ، وجزء غير معروف ويستخدم بطاقات شبه كاملة
وقد تمثل النجاح اثناء المعركة فى عدم وجود طوابير بسبب وفرة المواد الغذائية
استخدام حملة الداعية الاسرائيلية بعد 1967 فى تحقيق المفاجاة الاستراتيجية
* قادت اسرائيل بعد حرب يونيو 1967 حملة دعائية ونفسية كبيرة بتخطيط واشراف من مدير المخابرات الاسرائيلى حينئذ يهوشناط هاركابى تهدف الى تحطيم الشخصية العربية وجعلها تستسلم نفسيا امام اسرائيل
* ارتكزت هذه الحملة على عدة دعاوى ومزاعم راح الاسرائيليون يروجونها فى كل مكان فى العالم طامعين ان يجسدوها حقيقة نفسية واقعة ، واستخدموا فى ذلك الاعلام الدولى الذى يسيطر عليه اليهود فى معظم انحاء العالم وغلفوا هذه الدعاوى والمزاعم بغلاف علمى حاشدين كل الامكانيات لإنجاح مخططهم .
ما هذه المزاعم ؟
* العرب كافراد وشعوب ودول لا يعرفون او يقدرون معنى العمل الجماعى بل على العكس يقدرون العمل الفردى انطلاقا من شعور دفين بعدم الثقة والخيانة بين العربى والاخر
* العرب ليسوا عقلانيين بل تحكم تصرفاتهم المشاعر الهوجاء فهم عاطفييون الى ابعد الحدود وغير عقلانيين الى ابعد الحدود ايضا
* العرب من الاجناس المختلفة التى تفقد الاهتمام بمعايير العمل والكفاءة فهم كافراد وحكومات وشعوب لا يقدرون معيار الكفاءة سواء وقت السلم او حتى وقت الحرب ، وذلك لميراث دفين فى شخصية العربى
* عقول العرب تفتقد القدرة على التفكير السليم ومن ثم المبادرة والابتكار وذلك لنقص يعيبها وهو نقص ملازم لها وما حدث فى عام 1967 كانت نتائج طبيعية لاسرائيل فى مواجهة مثل هذه العقول الصدئة العاجزة عن التفكير والتقدير السليم والتى تخلت امكانيات المبادرة والابتكار
* ان العرب يمثلون عبئا على الانسانية وليس اضافة لها وما حدث فى عام 1967 الخطوة الاولى لاخراج هؤلاء العرب من التاريخ لانهم لا يستحقون الا هذا المصير وغيرها من المزاعم والاباطيل الدعائية والنفسية والتى نجدها تصب فى نتيجة واحدة يريد الاسرائيليون ان يقنعوا العرب بها الا وهى انه فى يونيو 1967 كانت هزيمة العرب هزيمة نهائية وانهم ليس بمقدورهم ان يقفوا على اقدامهم مرة اخرى ولو حاولوا ما استطاعوا * العرب اصبحوا جثة هامدة فى مواجهة قوة كبيرة متطورة اسمها اسرائيل تستطيع ان تفعل بالعرب وباراضيهم ما تشاء
ماذا فعلنا ؟
كان تحقيق المفاجئة الاستراتيجية يمثل قلب خطة اعداد الدولة للحرب ومن ثم كان التعامل مع هذه الدعاوى والمزاعم فى ضوء هذا الهدف ومن ثم توجه عملنا نحو تاكيد هذه الدعاوى ولكن لدى الاسرائيليين انفسهم بمعنى اقناعهم تدريجيا بان ما يقولونه ويصفون به العرب هو واقع حقيقى وما يقولونه عن قوتهم وقدرتهم هو ايضا امر حقيقى
• وكانت هذه احدى الادوات الهامة التى استخدمت فى تنفيذ خطة المفاجئة الاستراتيجية
وبالفعل كانت الايام تكشف لنا يوم بعد يوم فى تاثير ذلك المخدر المسمى ( الثقة العمياء
بالقدرات الذاتية فى مواجهة ضعف وانهيار عربى ) على عقول وتصرفات المسئولين
انفسهم والذى تاكد من تحقيق المفاجئة الاستراتيجية وانتصارات اكتوبر المجيدة التى كانت
هى الرد الوحيد القادر على اجتثاث هذه الحملة الدعائية الاسرائيلية من جذورها وقد حدث
• لقد كانت اسرائيل تنظر نظرة استعلائية الى العرب وكان عليها ان تفيق و قد افاقت على
كابوس يوم السادس من اكتوبر عام 1973 والذى لن تستطيع ان تنساه
التعتيم على الصفقات التى تعقدها مصر مع دول العالم
لشراء احتياجاتنا من الخارج وبالنسبة لاحتياجات القوات المسلحة كان يتم التعتيم من خلال تحرك مسئولى الجيش يشاركهم مسئولون ينتمون لوزارة من الوزارات وكلهم يظهرون باعتبارهم مدنيين يمثلون هذه الوزارة ، وفى بعض الحالات نعلن نحن عن عقد صفقات للوزارة المدنية هذه او تلك فى حين انها كانت تتوجه للقوات المسلحة
استخدام بعض الاخبار عن اسرائيل وقوتها العسكرية
فى تحقيق المفاجئة الاستراتيجية ، فبعد ان كنا نرفض ان تنشر صحافتنا واعلامنا اى اخبار عن صفقات السلاح الاسرائيلية او عن تقدير موقف لصالح اسرائيل بدأنا نستخدم هذا الاجراء فى خدمة خطتنا ، فكنا نسمح بحذر بالاعلان عن الصفقات العسكرية لاسرائيل وعن القدرات الكبيرة التى تمتلكها اسرائيل وعما يقال عن ان اسرائيل قادرة على تحويل القناة الى مقبرة حارقة او عن خط بارليف ، وعلى الرغم من تاثير ذلك على الجبهة الداخلية من اصابتها بالاحباط الا انه كان ذا تاثير كبير فى توصيل الرسالة الاساسية التى نريد ان تصل لاسرائيل وهى ان مصر غير قادرة على الحرب ومن ناحية اخرى يزيد من الغرور والغطرسة الاسرائيلية بما فى ذلك من اثر على استعداداتهم... اى يحقق الهدف الاستراتيجى وهو تحقيق المفاجاة
معالجة الحساسية الاسرائيلية باعلان التعبئة كأول رد فعل :
* ان نظرية الامن الاسرائيلية تحتم اعلان التعبئة العامة واستدعاء الاحتياط عند اى انذار باقدام اى دولة عربية على القيام بعمل عسكرى غير تقليدى ، سواء كان العمل عسكريا قتاليا مباشرا او كان مجرد نقل او اعادة توزيع قوات واسرائيل تطبق هذه المسألة بشكل كامل ، ولذلك فلقد تربى المسئولين الاسرائليين حساسية شديدة من وجود اى انذار ، وهذه الحساسية تدفعهم الى رد فعل واحد لا يتغير هو:
اعلان التعبئة العامة والوقوف فى حالة استعداد قد تطور الى حالة مبادأة هجومية
يقول حاييم بارليف القائد العسكرى الاسرائيلى :
ان منع المفاجأة لا يحتاج الى جهد فكرى خاص ، بل يجب ان تكون يقظا للعمليات المادية التى يقوم بها العدو على الارض بلا علاقة مع النوايا المنسوبة الى هذه العمليات .. ان كل شئ يحدث عند العدو له اى معنى لامكانية احداث حرب يحتاج الى خطوات رد فعل ( كتاب الاستخبارات والامن القومى الاسرائيلى ص 489 )
* لذلك كانت المهمة الصعبة التى امامنا تتمثل فى جعل المسئولين السياسيين والعسكريين فى اسرائيل ينتقلون من الاعتماد على التحركات المادية فى اعطاء الانذار ومن ثم اعلان التعبئة العامة ، الى الاعتماد على تقدير نوايا الدول العربية ، وهذه مسئلة ليست سهلة .. خاصة ان الخبرة الاسرائيلية منذ قيام الدولة العبرية بل وفى فترة تكوين الدولة نفسها ، كانت لا تلق بالا للنوايا وتركز على الاعمال المادية ، والتى كان يعتبر اقلها باعثا ومبررا لإعلان التعبئة العامة
كما حدث فى عام 1960 ( عملية روتردام ) فى شهر فبراير حينما ادخلت مصر سرا فرقة مدرعة وثلاثة الوية مشاة وكانت هذه قوة كبيرة بمفاهيم هذا الوقت ولم تكشف اجهزة الموساد هذه القوة المصرية ، وذكر زعيرا فى كتابه انه جاءه نبا دخول القوات المصرية الى سيناء من مصادر اجنبية فى اسرائيل وفور تلقيه النبأ امر رئيس هيئة الاركان العامة الفريق حاييم ليسكوف بتعبئة وحدات احتياط وحشد قوات جنوب سيناء وهو ما يمثل تطبيقا كلاسيكيا لنظرية الامن القومى ( ص 38 ) كذلك تم فى عام 1967 حرب الايام الستة فى شهر مايو ، عندما بدأت وحدات مصرية عبور قناة السويس وبوجه خاص بعد ان عبرت الفرقة المدرعة الرابعة القناة وتحركت صوب وسط شبه جزيرة سيناء ، اذ قام رئيس هيئة الاركان العامة الاسرائيل حينذاك الفريق اسحاق رابيين بتعبئة كل قوات جيش الدفاع الاحتياطية تقريبا ، وقام بتوزيع معظمها على حدود اسرائيل .. والكل يدرك ان الحرب كانت اخر الاحتمالات بالنسبة لمصر
وفى الحالتين تم تنفيذ التعبئة العامة اعتمادا على معلومات بتحركات اجنبية معادية لاسرائيل ، دون ربط هذه المعلومات باى تقديرات للنوايا ايا كانت بمعنى ان اسرائيل ترى فى اى تحركات او حشود لقوات اعدائها تهديا لأمنها انذارا لها يستدعى اعلان التعبئة العامة دون اى تطرق لموضوع نوايا العدو





__________________كل الحقوق ممنوحة__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.communication.akbarmontada.com
المدير
الادارة
الادارة


عدد المساهمات: 1779
تاريخ التسجيل: 08/06/2009
العمر: 26

مُساهمةموضوع: رد: دراسة حول دور الاعلام فى الحروب الحديثة   الإثنين نوفمبر 29, 2010 12:26 pm

أؤكد مجددا اننا ركزنا على تحويل انذار المسئولين الاسرائيليين من التركيز على المعلومات المادية الى التركيز على النوايا والقدرات الحقيقية حين يقررون اعلان التعبئة العامة وهذا الامر بالغ الاهمية لان الايام القليلة السابقة على اى حرب نشنها ضد اسرائيل لابد وان تتضمن تحركات واعادة توزيع وحركة غير عادية تكون كافية لاسرائيل لاعلان العبئة ومن انتفاء عنصر المفاجئة التى كانت تعتمد الخطة المصرية عليها بشكل كبير
* كانت خطة الخداع الاستراتيجية تهدف اساسا لتحقيق هذا الامر ومن ثم فان كل ما تضمنته اعمال الخداع والتمويه ساهم بدوره فى تحقيق ذلك سواء كانت معلومات مضللة او اعلام مصرى ذات توجيه هادئ او استغلال للمظاهرات فى مصر ضد الاوضاع القائمة او نمط السلوك المصرى فى المحافل الدولية
الى جانب عنصر مهم موجه اساسا الى مسئولى اسرائيل هذا العنصر هو جعل مسألة اعلان التعبئة العامة واستدعاء الاحتياط مسالة ثقيلة على كاهل المسئولين وجعلها خيارا تاليا لخيارات اخرى وليس هو الخيار الاول كما كان وتم تنفيذ هذا الامر من خلال الاستفادة مما حدث فى عامى 1971 و 1972 فيما يخص المناورات المصرية او التدريبات او اى انشطة مصرية لقيت اهتمام ولفتت انتباه اسرائيل مع البناء على هذه الامور لتدعيم ما نريد توصيله الى المسئولين فى اسرائيل
* يمكن فى هذا المجال الاشارة الى عام 1973 ، فقد استطعنا خلاله ان نوصل الى اسرائيل معلومات عن نوايانا باننا سنحارب فى وقت معين ، وهو ما حدث فى شهر مايو ثم فى شهر اغسطس 1973 وفى الحالتين اسرعت اسرائيل باعلان التعبئة العامة والاستدعاء الكامل لقوات الاحتياط ، فى حين كانت القوات المصرية يبدو عليها حالة الاسترخاء شبه التام
* وكان يتم توصيل هذه المعلومات الى اسرائيل من خلال وسائل غير مباشرة سواء من خلال مسئولى بعض الدول الذين يتظاهرون بمظهر الصداقة لنا فى حين اننا نعرف انهم يبغون التعرف على النوايا المصرية وابلاغها الى اسرائيل او من خلال بث انباء متفرقة مختلفة المصادر فى عواصم عربية واجنبية عن استعداد مصر فى شهر مايو للحرب او اعلان ذلك فى شهر اغسطس
وكان اعلان التعبئة العامة فى اسرائيل فى هذه الفترة التى كانت خطة المفاجئة الاستراتيجية و الخداع الاعلامى قد بدات تحقق نجاحا فى اقناع العالم واسرائيل شعبا ومسئولين سياسيين بان مصر لن تدخل الحرب على الاقل فى المستقبل القريب كان امرا من الصعب تقبله فى المجتمع والسياسة الاسرائيلية خاصة ان تكلفتها عالية اذ كان تنفيذ التعبئة العامة يكلف اسرائيل عشرة ملايين دولار فى كل مرة وهذا مبلغ ليس بسيط بالنسبة لظروف اسرائيل ودواعى ذلك فى نفس الوقت .
* وبالفعل اثمرت تجربتا مايو واغسطس 1973 الى جانب نجاحات باقى جوانب خطة الخداع والتمويه فى جعل مسالة اعلان التعبئة العامة مسألة ثقيلة على المسئولين الاسرائيليين للحد الذى استدعى ان تجتمع رئيسة الوزراء الاسرائيلية جولدا مائير مع وزير الدفاع موشيه ديان وابلغته بان تكلفة تنفيذ التعبئة العامة المالية والمعنوية على الشعب الاسرائيلى تكلفة عالية وعلى العسكريين ان يتيقنوا من جدية ما يدفعهم الى اعلان التعبئة العامة لأن اعلان التعبئة العامة يعنى توقف كل الاعمال فى اسرائيل واسراع كل فئات الشعب يحمل السلاح والسفر الى وحداتها العسكرية
* وقد برز نجاح الجهود المصرية قبل حرب اكتوبر ، فعلى الرغم من انه قبل ايام من بدء الحرب اجتمعت جولدا مائير مع مسئول عربى قام خلال الاجتماع بتنبيهها الى عمل عسكرى تزمع مصر وسوريا القيام به قريبا ضد اسرائيل الا ان جولدا مائير لم تاخد اقوال هذه الشخصية الصديقة لاسرائيل ( كما توصف فى الكتب الاسرائيلية ) مأخذ الجد ، وذلك لقناعتها الزائفة التى اوجدناها لديها والتى ترى احتمال الحرب احتمالا بعيدا وعلى الاقل امر لا تقوى عليه مصر
* كذلك ما تم فى الساعات الاخيرة قبل الحرب ، اذ يعترف الاسرائيليون انهم عملوا قبل ساعات من بدء المعارك ان هناك تحركات مصرية تتم وانها تحركات تستدعى اعلان التعبئة الا ان حالة الغموض وعدم التاكيد من هدف هذه التحركات فى اطار تاكيد مسبق عن نوايا مصر غير القادرة على الحرب الى جانب تجربتى مايو واغسطس الخداعيين جعل هذا كله المسئولين الاسرائيليين لا يتخذون قرار اعلان التعبئة العامة انتظارا لما ستسفر عنه الاحداث ولثقتهم اصلا بان مصر لن تدخل حربا وذلك لانهم ركزوا على نوايا مصر وقدراتها بالشكل الذى صنعناه لهم
وكما جاء فى كتاب التقصير الاسرائيلى :
والحقيقة هى انه كلما كان السادات يكثر من نشر تهديدات الحرب شخصيا عن طريق جهات اخرى كان يضعف استعداد اسرائيل للنظر بجد الى اقواله وبينما كان الرئيس المصرى يحاول باستمرار تسخين الجو فى الشرق الاوسط كان رد الفعل الاسرائيلى الدائم هذا غير جاد ، لن يحدث اى شئ
ان رد الفعل هذا او بدقة اكثر عدم وجود رد فعل كان النتيجة المرجوة لخطة التضليل المصرية ، ان هذا ، وهذا فقـط هى اســاس الكـارثة التى حدثت فى السـادس من تشــرين الاول ( اكتوبر ) 1973
دراسة الراى العام المصرى دراسة تحليلية علمية
كنت قد وضعت رسالتى الدكتوراه عن الاعلام والراى العام الداخلى والعالمى ومن خلال هذه الخبرة العلمية كان تقديرالموقف الاعلامى يرمى الى الاستفادة من الاوضاع الداخلية فى مصر عام 1973 فى تحقيق المفاجئة الاستراتيجية وذلك على النحو الاتى :
*يمكن وصف الاوضاع الداخلية طوال العام السابق على حرب اكتوبر 1973 بانها صعبة للغاية ، فالجميع يشعر بالغضب ويفقد القدرة تدريجيا على الانتظار او حتى الاستعداد ، والجميع يريد لهذا الوضع ان ينتهى لذلك كان رد الفعل الجماهيرى تجاه تشكيل الحكومة الجديدة فى او عام 1973 سلبيا غاضبا رافضا وفى احسن ظروفه كان ساخرا منها .
* ان ماحدث عامى 1971 ، 1972 من الاعلان فى كل عام منهما انه عام الحسم وانهاء هذا الجمود جعل الناس يفقدون الثقة تدريجيا فى قدرة الحكومة على فعل اى شئ ، وهو ما وضح فى عدد وحجم المظاهرات الشعبية التى شهدتها مصر طوال عام 1973 وحتى قبل ايام قليلة من اندلاع الحرب
* كانت هذه المظاهرات تردد هاتفات معادية للرئيس السادات والحكومة وتصف المسئولين اما بالانهزامية واما بالخيانة مع توجيه افظع الشتائم الى المسئولين ويرى البعض ان المظاهرات التى شهدها عام 1973 كانت كبيرة من حيث العدد والحجم وتم نقل احداثها الى اعلام بعض الدول العربية والاوروبية وهذا كان فى الحقيقة جزءا مكملا لخطة الخداع
* فقد كان الهدف من نقل اخبار هذه المظاهرات الشعبية الى الاعلام الاجنبى هو اقناع الجميع واولهم اسرائيل: ان مصر وان كانت ترفض الوضع القائم وشعبها يغلى من هذا الوضع ولا يطيق تحمله اكثر من ذلك الا انها عاجزة عن المبادأة بعمل عسكرى كبير يعيد اليها ارضها المسلوبة وكرامتها المهدرة وان المسئولين المصريين يدركون ذلك ولا يستطيعون البوح به صراحة ولكنهم يكتفون ببعض الشعارات والتصريحات الجماهيرية فى البداية ، ثم توقفوا عنها هى الاخرى فى عام 1973 وتوقف اى حديث او تصريح رسمى عن الحرب وبالفعل عبرت وسائل الاعلام الاسرائيلية عن ذلك وكانت تهلل مع كل مظاهرة فى مصر بان المسئولين المصريين غير قادرين على اتخاذ قرار العمل الحربى لانهم لو كانوا قادرين لما انتظروا وهم يرون ويسمعون مطالب ومشاعر غضب الشعب .
* لقد نجحنا بالفعل فى اعطاء انطباع عام لدى المسئولين السياسيين فى اسرائيل باننا لن نقدر على خوض غمار اى حرب فى المستقبل القريب وهذا لا يعنى ان هذه المهمة تمت بسهولة ويسر لأن التعامل مع الغضب الجماهيرى واستغلاله كمادة للخداع والتمويه امر صعب لان السيطرة على الجماهير وانفعلاتهم خارج نطاق الممكن فالتعامل كان حساسا للغاية لانه يتضمن المستوى الداخلى والمستوى الخارجى وبينهما نوع من التناقض
اهمية توحيد الصفوف داخليا :
* فعلى المستوى الداخلى كنا نحتاج ان توحد صفوف ونستعيد الثقة وان نؤمن جميعا بالامل وليس الامل فقط بل القدرة على تحقيق هذا الامل وهذا يعنى ايمانا بقدراتنا ومسئوليتنا ، اما على المستوى الخارجى فقد كنا نحتاج ان نظهر للعالم ولإسرائيل خصوصا اننا غير قادرين على القيام باى عمل عسكرى ايجابى وان الاوضاع ستبقى على ما هى عليه ان لم تزد سوءا بالنسبة لنا
* وان حكومة اكتوبر التى كنت رئيسا بالنيابة عن الرئيس السادات ، ورثت حالة الياس والإحباط منذ هزيمة حرب 1967 وما بعدها
المظاهرات الشعبية العنيفة … وماذا نفعل ؟
* وعندما اقول ان هذه المسألة ليست بسهولة الحديث عنها فاننى لا ابالغ ويكفى الاشارة الى ان بعض هذه المظاهرات كانت عنيفة وتخرج عن اطار المتوقع لها، بل وفى احيان كثيرة تأتى بنتائج عكسية على الروح المعنوية للجيش من ناحية وللشعب بشكل عام من ناحية اخرى ولعل من اصعب المواقف الخاصة بالمظاهرات الجماهيرية فى عام 1973 تلك التى قادها المثقفون المصريون بشكل غير مباشر من خلال ما عرف حينئذ ببيان المثقفين اذ ان تاثيره كان كبيرا وكان يمكن ان ياتى بتداعيات داخلية لا يمكن السيطرة عليها وان كان قد جاء باثار جانبية ضمن الخدع الاستراتيجية ، خاصة عندما تم توزيعه على الصحافة العربية والاجنبية .
* لذلك استدعى التعامل مع هذا الموقف التدخل المباشر من جانب الرئيس انور السادات ... فقد اجتمعت اولا مع كبار المثقفين المصريين لمناقشة ما جاء فى بيانهم فى محاولة لتوضيح الموقف وتأثير بيانهم على الاوضاع العامة وعقب ذلك اجتمعنا انا وهم مع الرئيس السادات الذى اوضح لهم ان الاولوية لوحدة الصف ولا داعى لأى فرقة او بلبلة فى هذا الوقت حتى نستطيع ان نستعد للحرب فهى ليست مهمة بسيطة
ولقد كان حديثى مع المثقفين فى ذلك الوقت لا يرضيهم حيث اننى اخفى عنهم اهم اسلوب يتبع فى الخفاء فهم يشعرون باننا لن نحارب وهذا ما جعلهم يستنكرون ما نقول . بينما كنت احاول جاهدا الا اذكر ان هناك اعدادا سريا للحرب وان هناك خطة للمفاجأة الاستراتيجية واننا نقوم بالاعداد بلا اعلان ولما لم يقتنعوا بهذا الذى اعلنته لهم قابلهم الرئيس ايضا واخفى عنهم خطة المفاجأة الاستراتيجية فزاد غضبهم كما صبوا غضبهم على ما قلناه لهم ولكن وهم كلهم وطنيون مخلصون بل اصدقاء اعزاء وجدتهم بعد قيام الحرب يهنئوننا على ما تم ويعذروننا على اخفاء اى معلومات حتى لا تتسرب الى اسرائيل
اخر مظاهرة فى اخر وقت …. مظاهرة متجهة لبيت الرئيس :
* هذه المظاهرات استمرات قرابة العام باكمله حتى قبل ايام قلائل من بدء حرب اكتوبر فمن سخرية الاقدار انها حدثت اثناء تواجدى فى اخر اجتماع قبل بدء المعركة فى منزل الرئيس السادات الساعة الثانية عشرة يوم الاربعاء 3 اكتوبر وكان هذا الاجتماع الهام من اجل تحديد المهام النهائية لبدء المعركة ، حيث تقرر نهائيا وبصفة سرية للغاية ان ساعة الصفر هى يوم السبت 6 اكتوبر على ان يصدر البيان العسكرى الاول من الاذاعة عن المعركة الساعة الثانية ظهرا وفى اثناء هذا الاجتماع التاريخى الذى تتحدد فيه المهام المطلوبة الخاصة بهذا الموعد المصيرى للامة وجدت موظفا من الرئاسة مندفعا نحوى ومعه رسالة وهو يقدمها لى بانفعال ظاهر وكانت من وزير الداخلية يخطرنى فيها باخر موقف لمظاهرات الطلبة فى جامعة القاهرة وانها مندفعة فى السير نحو اتجاه منزل الرئيس .. وتردد هاتفات معادية للرئيس السادات والحكومة ، وتصف المسئولين بالخيانة والانهزامية وقد خاطبت وزير الداخلية تليفونيا بانه يجب التعامل مع هذه المظاهرات حسب الاسلوب المتفق عليه وتم اتباعه من قبل وهو الهدوء التام دون استخدام اى عنف حتى لو استخدم المتظاهرون ضدهم الطوب واخطرته بان تقف جميع عربات الشرطة المدرعة صفوفة قاطعة الطريق الى منزل الرئيس
* كانت الهتافات تردد مقولة الرئيس عبد الناصر ما اخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة ثم تعقبها شتائم للمسئولين بينما كنت مجتمعا مع الرئيس السادات لتنفيذ هذه المقولة ما اخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة ثم طلبت من السيد الرئيس بعد هذا اللقاء ... الا يتواجد فى منزله بل الافضل ان يكون فى استراحة القناطر بعيدا عن المظاهرات وحتى يمكن لسيادته متابعة الاعمال الحاسمة خلال مدة 48 ساعة القادمة وفعلا انتقل الى استراحة القناطر ثم ذهب الى قصر الطاهرة بعد ذلك وفى يوم 6 اكتوبر ذهب الى القيادة العسكرية العليا – لقيادة المعركة
- اقول بكل الفخر والاعتزاز .. ان هذه الجماهير الكثيرة المتعددة الاتجاهات والتى قامت بالمظاهرات ضد الحكومة وهتفت بسقوطها ونعتتها بافظع الالفاظ … وهذه المنشورات التى سطرتها اقلام كبار المفكرين والتى عارضت الحكومة على اساس انها حكومة اللا سلم واللا حرب ، انما تعبر عن حب المصريين لوطنهم .
تم منع اى تصريح لسياسى او عسكرى عن الحرب
* كذلك لقد كان ممنوعا منعا باتا بنص تعليماتى للرقابة الصحفية وكنت الحاكم العسكرى المسئول عن الرقابة – اى تصريح سياسى عن الحرب
كل هذا فى نظير توجيه رسالة الى اسرائيل من اجل نجاح المفاجأة الاستراتيجية ... وهى اننا لا نريد الحرب او العدوان ونريد تنفيذ قرارات الامم المتحدة من اجل حل المشكلة بل كان الهدف الاسمى المقصود من كل هذا ان نوهم اسرائيل بان مصر جثة هامدة وهى لا تقوى على الحرب ... وان هذه المظاهرات الصاخبة من شباب مصر ومفكريها وسكوتنا عليها معناه اننا غير قادرين على الحرب ..
ديان يضع جولدا مائير فوق الشجرة :
وكان ديان يعلق على هذه المظاهرات بقوله ان مصر غير قادرة على الحرب وكنا نشعر بعد تصريحاته بان سياستنا الخاصة بالمفاجاة الاستراتيجية وهى الاعداد دون اعلان .. تسير فى طريقها السليم ، وتواصل عملنا بنشر اخبار ومعلومات خداعية تشعر منها اسرائيل باننا لا نقوى على الحرب ، فنشبع غرور ديان .. ونخدر جولدا مائير .. هذه السيدة التى قال عنها اسحاق رابين : ان من غرور ديان انه جعل جولدا مائير فوق الشجرة بعيدة حتى لا تعكر غروره وغطرسته ولكن ..
الاعلام المصرى الجديد.. هادئ النبرة - صادق الحديث :
ان جميع الذين كانوا ضد الحكومة بل وكانوا يشتمونها ، والاصدقاء الذين انقلبوا اعداء لأننى منعت تصريحاتهم النارية .. ما ان اعلنت الحرب ضد اسرائيل وصدر البيان الاول بصيغة هادئة حتى ترقبوا الموقف بقلق ، ولكن بعد يومين من الانتصار كان الشعب كله .. هذا الشعب العظيم .. صوتا واحدا يقف مع الحكومة ، بل واكثر من ذلك .. توقف نشاط المجرمين ومعتادى السرقة ، اذ لم اجد فى سجلات وزارة الداخلية منذ اليوم الاول من الحرب حتى انتهاء الحرب ما يشير الى وقوع اى جريمة واحدة للنشل او السرقة ... ياله من شعب عظيم
ولكن اريد ان اذكر هنا صورة من بعيد :
عندما قويت شوكة هتلر فى المانيا وبدأ نفوذه ينتشر داخل القارة الاوروبية واخذ يصرح برفضه ما حدث لألمانيا منذ انتهاء الحرب العالمية الاولى ، كان رد فعل رئيس وزارة بريطانيا تشمبرلين هو عقد اجتماع ميونخ ، وعاد تشمبرلين يبشر الرأى العام البريطانى بالسلام وعدم وجود اى تهديد بالحرب ، لقد اختار تشمبرلين .. وفى جزء من هذا الاختيار خضوع لرغبة الرأى العام البريطانى فى عدم مواجهة هتلر ، وذلك حتى يكسب تشمبرلين الراى العام ويحظى هو وحكومته بشعبية كبيرة تبقيه اطول فترة ممكنة فى الحكم .. فى المقابل هاجم تشرشل ( فى المعارضة ) هذا الاسلوب الذى اتبعه تشمبرلين لاسترضاء الرأى العام البريطانى ، بغض النظر عن عاقبة ذلك
وبالفعل عندما افصح هتلر بشكل صريح عن اطماعه وقام بغزو بولندا وتشيكوسلوفاكيا ، انقلب الميزان لدى الرأى العام الى تاييد تشرشل فى مخالفته ، توجه تشمبرلين الذى اتبعه استرضاء لهذه الجماهير نفسها
ان الظروف الحاسمة توجب ان تكون الحكومة قائدة وليست مجرد كيان يسعى للبقاء فى الحكم من خلال استرضاء الجماهير حرصا على الشعبية
اخطر ازمة .. تهدد المجتمع قبل الحرب :
معالجة سريعة حاسمة لأزمة الطائفية : وعن الازمة التى وقعت قبل حرب اكتوبر بين الرئيس السادات والبابا شنودة ، ووقوع بعض الحوادث بين المسلمين والاقباط ، اتذكر انها كانت ضمن الازمات الحادة التى اصطنعت فى الجبهة الداخلية قبل حرب اكتوبر بين الرئيس السادات وبين البابا شنودة .. وحاول البعض العمل على زيادة التوتر .. ونقل اخبار غير صحيحة للرئيس السادات مما زاد من خطورة الموقف .. وكنت كمسئول عن الحكومة ومسئول عن متابعة الرأى العام كوزير للاعلام . اراقب هذه الفتنة ومن ورائها .. ونحن فى اصعب الايام فكرا وعملا وحذرا فى اعداد مصر للحرب .. حدث هذا بينما نرى الطلاب والمثقفين وعامة الشعب ينظمون مظاهرات ضد الحكومة .. وكنت ارحب فى نفسى ( دون ان اعلن ) بهذه المظاهرات ، لاننا نستثمرها اعلاميا من اجل خداع العدو بان الحكومة لا تريد الحرب ، والشعب يريد من حكومته الحرب .. اما ان نرى هذا الانقسام الطائفى فى الجبهة المصرية فهذا الامر خطير ويحتاج الى علاج سريع ، لانها ازمة خطيرة داخل الجبهة المصرية .. لذلك تم سرا الاتصال مع البابا شنودة
والاتفاق بان نعقد اجتمعا فى منزلى وتكرم البابا شنودة وشرفنى بحضوره ومعه سكرتيره المرحوم ميشلى جرجس الذى ادى دورا سريا هاما فى هذا الموضوع
ملحوظة : ( يذكرنى الانبا شنودة دائما بهذا الموضوع ، ويذكر انه لم يدخل فى حياته بيت اى مسئول الا بيتى ،، وكان تعليقى على ذلك دائما انه شرف لى – وما تم كان فخرا للوحدة الوطنية ومن اجل مصر واستقرارها )
وكان الانبا شنودة قد حمل حقائبه فى احدى السيارات للتوجه الى الدير للاقامة فيه بعيدا عن الاحداث المؤلمة ، ووقفت هذه السيارة امام منزلى وبدأ الاجتماع ، وكنت قد احضرت مراجع اسلامية ضد هؤلاء الذين يعملون ضد الاسلام ، وتتضمن كل ما قاله الله سبحانه وتعالى عن النصارى ، لأبين بان من يحرق الكنائس لا يرضى عنه الاسلام وان هذا ليس من عمل الاسلام ... وان المودة بين المسلمين والنصارى تحظى بنص مقدس :
( لتجدن اقربهم مودة للذين امنوا الذين قالوا انا نصارى ) وان الاقباط يحظون بوصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اذا فتحت مصر فاستوصوا بالاقباط خيرا فان لهم زمة ورحمة ) ومن ناحية اخرى فقد سمح رسول الله صلى الله عليه وسلم لوفد نصارى نجران باقامة صلاتهم فى المسجد النبوى الذى كان يصلى فيه صلى الله عليه وسلم مع اصحابه كما امتنع عمر بن الخطاب رضى الله عنه عن اداء الصلاة فى كنيسة القيامة خشية ان يقتضى به المسلمين فيتحول بكثرتهم المكان الى المسجد وان عمر رضى الله عنه هدم قسما من مسجد لإعادته الى امرأة نصرانية بعد ضم دارها لهذا المسجد حين رفضت قبض الثمن اضعافا مضاعفة وجاء فى الطبرى جـ3 ص 609 نص كتاب الخليفة عمر رضى الله عنه لأهل بيت المقدس .. بسم الله الرحمن الرحيم ( هذا ما اعطاه عبد الله عمر امير المؤمنين اهل ( ايلياء ) من الامان .. اعطاهم امانا لأنفسهم واموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها انه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينقص منه ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شئ من اموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضر احد منهم وهذا يشهد بان الاسلام دين تسامح وليس دين اكراه . والاسلام لا يكره احدا على الدخول فيه ، ولا يقبل من احد ايمانا الا عن طواعية لأنه من عمل القلوب ولا يعلم ما فى القلوب الا الله سبحانه وتعالى . وقد اجتمعت هذه الاحاديث وغيرها لكى اتحدث مع البابا شنودة ولكى ابين بان الذين يحرقون الكنائس لا يمثلون الاسلام وعملهم ضد تعاليم الاسلام ولكن ما ان بدات فى الحديث فى هذا المجال حتى وجدت ان البابا شنودة هو رجل اديب مثقف لديه الكثير من المعلومات عن الاسلام وما يتضمنه من قيم التسامح والمودة
فتغير الحديث لاننى وجدت لدى الانبا شنودة حبا للتسامح ومعرفة كاملة عن المودة والمحبة فى الاسلام .. لذلك سالته لماذا حدث الخلاف اذن بينك وبين الرئيس انور السادات ؟ واتضح ان هناك البعض من المتطرفين المسلمين والمسيحيين يسعدون بهذا الخلاف .. ولكن الحمد لله .. فبعد ساعة واحدة من الاجتماع تم الاتفاق مع البابا شنودة على ان يكتب خطاب للرئيس انور السادات طالبا المقابلة لشرح الموقف .. وكتب البابا شنودة الخطاب . وطلبت الرئيس السادات تليفونيا واخبرته بان البابا شنودة معى فى منزلى ففوجئ ، وقلت انه كتب خطابا ويطلب موعدا لشرح الموقف وازالة سوء التفاهم ، وبعد شرح الموضوع ، وما جرى من حوار .. تم الاتفاق على اقتراح قدمه للسيد الرئيس انور السادات .. بان يجتمع فى اليوم التالى مع البابا شنودة والمجلس الملى والمطارنة ويتحدثون مع الرئيس مباشرة .. وبعد هذا الاجتماع يعقد اجتماعا اخر لكبار ائمة المسلمين فقط ، اى الرئيس مع شيخ الازهر ومجلس البحوث الاسلامية والهدف من الاجتماعين المنفصلين تحقيق الهدف الوطنى بعد شرح الموقف السياسى مع اسرائيل .. واهمية وحدة الجبهة الداخلية .. وهنا اقترح الرئيس السادات ان يحضر ليلقى كلمة فى كنيسة الاقباط ، وكذلك البابا شنودة ، وتم ذلك وحضرنا مع الرئيس فى الكنيسة والقى البابا شنودة خطبة رائعة باسلوبه المثقف وقررالرئيس بعد خطاب البابا شنودة وسماع الاذان من مسجد بجوار كنيسة الاقباط ان يصلى صلاة الجماعة فى الكنيسة
وهكذا انتهى كل ما فعلته الدسائس ، وكان الرئيس السادات والشعب المصرى كله سعيدا بما حدث من انهاء هذه الزوبعة والاتفاق السريع وانتهاء المشكلة
عناصر تكميلية
واستكمالا لعناصر تنفيذ المفاجاة الاستراتيجية تبرز هذه النقاط :
تحديد نقط توقف للاطمئنان على نجاح خطة الخداع والتمويه :
ويقصد لذلك انه فى كل فترة كنا نجرى اختبارا لمعرفة مدة نجاحنا فى تنفيذ خطة الخداع والتمويه ومن ثم نجحنا فى تحقيق المفاجأة الاسترتيجية وكانت اهم هذه النقط تلك الاخرى السابقة على اندلاع حرب السادس من اكتوبر مباشرة واذكر فى هذا الشان انه تم تكليف الدكتور الزيات ووزير الخارجية بعقد لقاء مع وزير الخارجية الامريكية هنرى كسنجر وكان ذلك يوم الخامس من اكتوبر على ان يكون حديثه عن استعداد مصر ورغبتها فى التفاوض السلمى لاسترداد الارض وبالفعل قام الزيات بذلك وكانت نتيجة اللقاء كما وصفها الزيات بانها سيئة للغاية فقد قال له كسنجر كلمة معناها هل تريد ان تختار الوقت الذى تريده للحل السلمى ان مصر ليس لديها القوة ولا هى فى مركز يسمح ان تملى شروطها على اسرائيل ، ارجو ان نتقابل فى اوائل السنة المقبلة ، ولكن كانت نتيجة اللقاء بالنسبة للرئيس السادات وبالنسبة لى ايجابية للغاية
بانها تؤكد ان الولايات المتحدة ليس لديها معلومات عن أن مصر ستهاجم بعد ساعات ، هذا الاجراء كان كافيا لنا للإطمئنان بان الولايات المتحدة واسرائيل ليس لديهما معلومات عن موعد ساعة الصفر وكان هذا الاجراء مفيدا جدا لنطمئن بان خطة المفاجئة الاستراتيجية قد نجحت
ايجاد انطباع عالمى عن مصر انها لاتريد الحرب وغير قادرة عليه :
وذلك من خلال تكثيف الجهود الدبلوماسية والاعلامية فى المحافل الدولية والتى تشترك فى حمل رسالة واحدة تقول : اننا نرفض الامر الواقع ونطلب بضرورة تدخل المجتمع الدولى لتسوية مشاكل الشرق الاوسط ومناشدة الاطراف الدولية تنشيط جهودها فى هذا الاتجاه . واشير فى هذا الشان الى : الانشطة الدبلوماسية المصرية فى الامم المتحدة ومع خارجية الولايات المتحدة والدول الاوروبية الاكثر تاثيرا مع التركيز الاعلامى على هذه الرسالة المصرية سواء عبر وسائل الاعلام المصرية او العربية او العالمية ... واذكر عندما قام السكرتير العام للامم المتحدة فى ذلك الوقت السيد كورت فالدهايم بزيارة المنطقة فى صيف 1973 ، استغلت مصر توقيت هذه الزيارة وقامت بتسريب انباء الى اجهزة الاعلام العالمية تقول : بان مصر اكدت للسيد فالدهايم ايمانها بضرورة التسوية السلمية لصراع الشرق الاوسط ، وانها طلبت منه تحفيز الجهود الدولية بهذا الصدد ، دون ادنى اشارة الى مسالة الحرب من قريب او بعيد .
واكثر من هذا سعينا الى ايجاد انطباع لدى المجتمع الدولى بان مصر لا تفكر فى الحرب فى الفترة القادمة . هذا الانطباع سعينا الى ايجاده طوال فترة الاعداد للحرب من خلال التركيز على ان مصر بدأت توجه اهتمامها للداخل ، وتركز على تحقيق التنمية واقامة المشروعات ، لإقتناعها بان الحرب ستتاخر على الاقل من جانبها.. واذكر انه كان هناك عرض من شركتى موبيل واسو الامريكيتين بغرض القيام باعمال التنقيب عن البترول فى مصر وكان العرض قد قدم منذ فترة وارجانا الموافقة الرسمية عليه ، وقد اقنعت الرئيس السادات ان يوقع على العقد شخصيا قبل الحرب بيومين ، وتم ذلك فى الساعة الرابعة يوم الخميس 4 اكتوبر ، وعادة كان يوقع هذه العقود الوزير المختص .. ولكن توقيع الرئيس السادات بشخصه على الاتفاق يكون له معان كثيرة ، وقد اعلنت هذا الخبر وتم نشره فى الخارج ، مما زاد من قناعة الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل اننا لا نعتزم القيام باى عمل عسكرى قريبا ... بل اننا نهتم بالداخل اكثر .
التنسيق مع قواتنا المسلحة للتمهيد للمفاجأة التكتيكية :
ويقصد بهذا العنصر ضبط الانباء التى تصدر عن مصر فى الايام الاخيرة السابقة على يوم السادس من اكتوبر فيما يتعلق بقواتنا المسلحة ، وكان ذلك بالتنسيق مع القائد العام لقواتنا المسلحة ، وقد تم تشكيل لجنة سرية من عدد قليل من القادة العسكريين والاعلاميين ، وقد وافقت والقائد العام المرحوم المشير احمد اسماعيل على نشر عدد من الانباء لخداع اسرائيل .
- وتجسد هذا العمل فى الاعلان عن ان القوات المسلحة المصرية ستقوم باجراء مناورة عامة وانها بدأت فى التجهيز لها ، واتخذت ما يكفل ان تعلم اسرائيل بهذه المناورة قبل اجرائها بوقت كاف ، حتى لا تفاجا قبلها بقليل فتأخذ حذرها
- تسريب معلومات عن هذه المناورة وضمان وصول هذه المعلومات عن اسرائيل بشكل سريع وكامل بحيث تحقق هدف الخداع الكامل . الذى يتحقق من خلال القيام باعمال خداعية متكاملة مقنعة وتقدم الاجابة عن اى سؤال او تطور يحدث
- وفى هذا السبيل تم تحديد بداية ونهاية المناورة بل والاعلان عن اخبار خاصة بها ، مثل الضباط المشاركين فى المناورة والراغبين فى اداء العمرة عليهم التقدم لتسجيل اسمائهم يوم التاسع من اكتوبر .. كما تم الاعلان عن ان وحدات الاحتياط التى تم استدعاؤها للمشاركة فى المناورة سوف يتم تسريحها يوم الرابع من اكتوبر ، على ان يحل بدلا منهم طلبة كلية القادة والاركان لاستكمال المناورة حتى يوم التاسع من اكتوبر، ثم يعودوا لإستئناف دراستهم
- هذه الخطة التكتيكية التى وضعتها القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية كانت خطة خداع متكاملة .
التعامل مع الراى العام العالمى وجعله فى صفنا
* كان الراى العام العالمى قبل واثناء وبعد حرب يونيو 1967 يقف الى جانب اسرائيل ، فرغم قيام اسرائيل بما قامت به عام 1967 وكان الراى العام العالمى فى جانبها ، واستطاعت اسرائيل ان تخلق اعتقادا سائدا لدى الراى العالمى انها هى التى تريد السلام





__________________كل الحقوق ممنوحة__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.communication.akbarmontada.com
المدير
الادارة
الادارة


عدد المساهمات: 1779
تاريخ التسجيل: 08/06/2009
العمر: 26

مُساهمةموضوع: رد: دراسة حول دور الاعلام فى الحروب الحديثة   الإثنين نوفمبر 29, 2010 12:27 pm

، اما العرب فيرفضون الحديث عن السلام لا من قريب ولا من بعيد وان كل ما تقوم به اسرائيل من اعمال عسكرية هى من باب الحذر والوقاية
* ولكن استطاعت مصر خلال الفترة 1967 الى 1973 التاثير فى الرأى العام العالمى من خلال جهود اعلامية مكثفة
* وبفضل هذه الجهود جاء صيف 1973 والرأى العام العالمى قد اخذ فى الاقتناع المتزايد بان لنا حقوقا ، واننا نحن العرب نريد السلام ، ولكن بعد استعادة ارضنا المسلوبة ، واننا نقبل اى تسوية تعيد لنا ارضنا ، وفى المقابل فضح امر اسرائيل بانها لا تهتم بالسلام قدر اهتمامها باحتلال اكبر قدر من الاراضى وان جهودنا نحو تقابله اسرائيل بسلبية كاملة
* وتضمنت خطة التعامل مع الراى العام العالمى : توصيل رسالة بأننا نريد تنفيذ قرارات الامم المتحدة وانه على الرغم من رغبتنا فى السلام وعلى الرغم من ضعفنا النسبى الوقتى ، فاننا لنا حقا فى استرداد اراضينا اليوم من خلال التسوية السليمة والوساطة الدولية ، او غدا من خلال الاعمال العسكرية متى استطعنا وفى كلتا الحالتين نحن على حق ، وقد نجحنا فى تهيئة الرأى العام العالمى لقبول حق العرب فى الدفاع عن مصالحهم واسترداد اراضيهم بكل الوسائل المشروعة بما فى ذلك القوة المسلحة كملجأ اخيرا لإزالة العدوان واشاعة السلام والاستقرار فى المنطقة ، مع العمل على عزل اسرائيل دوليا من خلال ابراز تعنتها وعدم تنفيذها للقرارات الدولية باعادة الاراضى المحتلة .
لذلك عندما جاء السادس من اكتوبر وبدأ القتال كان الراى العام العالمى مقدرا لظروفنا التى دفعتنا للحرب ومؤيدا لنا ، ملقيا كل اللوم على اسرائيل ، خاصة بعد اظهار ان مصر استنفذت فعلا كل الوسائل السلمية الممكنة .

























ملخص القسم السادس
دور الاعلام المصرى فى حرب اكتوبر 1973
11- المفاجاة الاسترتيجية و التكتيكية
اولا التعريف : يعتبر كلاوزوفيتش رب الاستراتيجية العسكرية .. وقد حدد عددا من العناصر اعتبرها اساسية عند صياغة اى استراتيجية عسكرية من هذه العناصر : امتلاك زمام المبادرة وتحقيق المفاجاة وقد اولى كلاوزوفيتش اهتماما كبيرا ببحث ودراسة ( المفاجاة )
* وتنقسم المفاجاة الى قسمين :
3- المفاجاة الاستراتيجية
4- المفاجاة التكتيكية
المفاجاة الاستراتيجية :-
* تختص المفاجاة الاستراتيجية بجعل مسالة الاعداد للحرب فى إطار من السرية الكاملة عن طريق تنفيذ عملية واسعة من الخداع والتضليل المعلوماتى . بحيث يتسنى تجهيز القدرات الذاتية لتكون فى وضع يؤهلها للحرب وتحقيق النصر اعتمادا على امتلاك عنصرى المبادأة والمفاجاة
* فىالمقابل تعمل عملية الخداع والتضليل على ايجاد حالة من الاسترخاء او بالاصح التخدير
لدى العدو طوال فترة الاعداد للحرب بحيث تكتمل الاستعدادات دون ان يعرف العدو شيئا عنها
* يقوم الاعلام بالدور الرئيسى فى تنفيذ وتحقيق المفاجاة الاستراتيجية من خلال قيامه بتنفيذ اعمال التضليل والخداع والحرب النفسية وقبل هذا التحكم فى حجم ونوعية المعلومات والتاثير فى تفسير هذه المعلومات لدى العدو
* المفاجاة الاستراتيجية يقرها رئيس الدولة ويشرف عليها شخص مسئول واحد وتتم فى اطار من السرية والمركزية
المفاجأة التكتيكية :-
تبدأ المفاجاة التكتيكية زمنيا عند تحديد وقت الهجوم ومن ثم فهى تتخذ بناءا على التنسيق بين صاحب القرار السياسى وبين القائد العام للقوات المسلحة
كما تختص بنوع التسليح ومستوى تدريب القوات ومدى كفاءتهم وكذلك الاجهزة والمعدات الحربية المستخدمة والاهم هو المستوى القتالى المتميز للقوات المسلحة والاستفادة منها واختيار اليوم المناسب للمفاجأة التكتيكية
تهتم المفاجاة التكتيكية بتخطيط وتنفيذ عمليات حربية مفاجئة لا تنتظرها العدو وفى عام 1973 كانت الضربة الجوية الرائعة بداية الهجوم مفتاح النصر ، وكذلك عناصر مفاجاة متميزة تدرس فى كبرى الاكاديميات العسكرية فى العالم
وجاء فى تقديرى للموقف اهمية قرار الرئيس الراحل انور السادات بالاعداد للحرب .
* ان الطريق الوحيد الذى يمكننا حقا من استعادة الاراضى المصرية هو الحرب وطرد الاسرائيليون منها بالقوة والحرب هى السبيل الى تحريك القضية وايقاف حالة التجميد التى فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى عليها والحرب هى السبيل لاستعادة الثقة وتاييد الشعوب والحكومات فى مختلف دول العالم وقبل ذلك احترامهم لنا وكان قرار الرئيس الراحل جريئا وعظيما وتنفيذ هذا القرار يتطلب اجراءات لتحقيق نجاحه من اجل تنفيذ قرار الحرب هذا ، ولكن ليست اية حرب .. اننا نحتاج الى حرب نضمن فيها تحقيق انتصارات ملموسة بنسبة كبيرة ولكن فى ضوء الاوضاع الاقليمية السائدة التى تفرض حالة اللاحرب واللاسلم ولا يمكن ان يتم الاعداد ثم الحرب الفعلية امام اعين الجميع لان كثيرا من القوى ستحبط هذا الامر من اوله ، ولذلك ولا بد ان يتم الاعداد للحرب وتحديد ميعادها والبدء الفعلى فى التنفيذ فى اطار محكم من السرية والتكتم - وهذا يتطلب سياسة مركزية لتحقيق المفاجاة الاستراتيجية بدور هام وحاسم وسرى للغاية
• اننا نحتاج حربا ننتصر فيها ، ولكى نضمن تحقيق هذا الانتصار لا بد ان يتم لها الاعداد وبخطة اعلام على ارقى مستوى هذا من ناحية ، ومن ناحية اخرىالا نتجاهل قوة الطرف الاسرائيلى بل ندرسه جيدا وندرس نقاط قوته وضعفه ومن ثم يمكننا الاعداد الجيد لحرب تحقق لنا النصر
( وهذا ياتى من خلال دراسة نظرية الامن الاسرائيلى وعقيدة اسرائيل العسكرية دراسة سياسيا واعلاميا وعسكريا )
تحليل : نظرية الامن الاسرائيلى
ان تحليل نظرية الامن الاسرائيلى التى تعتنقها اسرائيل منذ وضعها بن جوريون عام 1948 وكذلك العقيدة العسكرية لها توضح لنا عدة حقائق
• الطبيعة الديموجرافية لإسرائيل حيث انها فى وضع سكانى ضعيف مقارنة بالعرب مجتمعين او مقارنة بمصر
• الطبيعة الجغرافية لإسرائيل وافتقادها للعمق الاستراتيجى ، بما يعنى انه فى اطار حدود اسرائيل يمكن ضرب تل ابيب بسهولة من الحدود ولو بمدفع هاون .
• وعلى اساس هذه الحقائق تبنت اسرائيل عقيدة عسكرية هجومية دائما على الدول المجاورة لتعويض العجز الجغرافى لديها ، ومن ثم برزت مقولة ان حدود اسرائيل تكون عند اخر ما يستطيع الجندى الاسرائيلى الوصول اليه ، وان يكون الشعب الاسرائيلى هو جيش اسرائيل ، بمعنى ان الشعب كله يخضع للتعبئة ، وكل فرد يعرف مكانة فى وحدته بالجيش عند اعلان التعبئة ولكن لا يتم هذا الا فى حالة الانذار بالحرب
• وفى الاوقات العادية يكون الافراد فى مواقعهم سواء فى العمل الادارى او الانتاجى او الخدمى ، على ان يكون هناك قوة نظامية من الجيش ( على الحدود وهى هنا ... خط بارليف ) وتستطيع التعامل مع اى عمل عسكرى لمدة 72 ساعة حتى يتم التعبئة العامة ويصبح الشعب كله فى المعركة
• الاعتماد على سلاح له السيادة الجوية ومتفوق على اى من اعداء اسرائيل ، وكذلك جهاز استخبارات ونظام انذار قويين يتيحان لأسرائيل التنبه لأى هجوم متوقع عليها ومن ثم تتمكن من التعامل معه مبكرا سواء بضربة وقائية او بهجوم مضاد فى ظرف 72 ساعة وهو الوقت الذى يستغرقه اتمام التعبئة العامة
جيش اسرائيل للهجوم وليس للدفاع :-
ان الجيش الاسرائيلى كان معروفا باسم جيش الدفاع الاسرائيليى ولكن التسمية لا تنطبق على الواقع كمتابعة اعمال هذا الجيش منذ نشئته عام 1948 توضح انه كان بحق جيش الهجوم الاسرائيلى وليس جيش الدفاع الاسرائيلى فعلى المستوى التخطيطى والعملياتى كانت كلا من المعارك والاعمال العسكرية التى يقوم بها الجيش الاسرائيلى اعمال هجومية ، ومرد ذلك ان اسرائيل رات فى ضوء الظروف التى انشات نظرية الامن القومى الاسرائيلى ان عليها ان تكون هى دائما المبادرة بالهجوم
فالجيش الذى يعانى من خلل عددى حاد عليه مسئوليات كبيرة فى الدفاع عن الحدود ومن ثم عليه ان يتبنى منطقا هجوميا ومفاجئا فى اعماله وتكون له المبادرة فى تحديد التوقيت والمكان والهدف بهذا الشكل فقط يستطيع هذا الجيش قليل العدد ان يقوم بواجبه
انه جيش الهجوم الاسرائيلى واذا اردنا ان نكون اكثر تحديدا فهو جيش الهجوم والمفاجأة .
بهذا المنطق كان من الطبيعى الا تكون لدى الجيش الاسرائيلى اى خبرة عملية بالحروب الدفاعية فالقوات الاسرائيلية لم تتحرك منذ حرب 1948 لموقف وجدت فيه نفسها فى موقف دفاع فهو جيش من الطبيعى الا يكون بنفس قوته وكفاءته الهجومية فى الوضع الدفاعى واستنادا الى هذه الحقيقة كان علينا ان نعمل على استغلال هذه الاوضاع والاستفادة منها وهو الامر الذى لن يتحقق الا اذا امتلكنا نحن المبادأة بالهجوم ووضعنا الجيش الاسرائيلى فى موضع الدفاع ، ولا يمكن امتلاك المبادأة بالهجوم الا بخداع العدو بالاعلام العلمى بحيث يقتنع باننا لا نقوى على الهجوم كى نضمن الا يقوم العدو بالمبادئة بالهجوم علينا كما حدث فى كل الحروب السابقة
* وهكذا و ضعت كل هذه المعلومات اثناء عرضها لخطة المفاجئة الاستراتيجية على السيد رئيس الجمهورية وبينت أن اسرائيل لديها حساسية خاصة لديها حساسية خاصة تجاه اى تصريحات عالمية او تحركات او حشد لاى قوات مقابلة لاسرائيل وان وصول معلومات بهذا الشان الى اسرائيل يعد كافيا لاعلان التعبئة وتحويل شعب اسرائيل الى جيش اسرائيل دون اى اعتبار لوجود نوايا للهجوم على القوات الاسرائيلية
الخلاصة : يجب ان تبنى المفاجاة الاستراتيجية وتنفيذها بوسطة خطة اعلامية متكاملة – وقد وافق الرئيس انور السادات على هذه الخطة السرية التى لا يعلمها الا هو شخصيا
• بانتهاء حرب يونيو 1967 اخذ الجيش الاسرائيلى يحيا حياة ملؤها الغرور بسبب نشوة النصر ولم يكن هناك حد لسيل المديح الذى اغدق عليه من كل جانب سواء من فئات المجتمع الاسرائيلى المختلفة او من وسائل الاعلام الاسرائيلى والعالمية التى صورت الجيش الاسرائيلى بانه الجيش الذى لا يقهر وان انتصاره فى حرب 1967 يعد من اعظم الانتصارات العسكرية فى التاريخ الحديث
• وكان على راس من نالو المديح والتقدير كبار قادة الجيش الاسرائيلى الذين كانوا يتنقلون من موكب مجد الى موكب اخر ، تتصدر صورهم البومات الصور التى طبعتها اسرائيل وغمرت بها العالم اجمع عن انجازتها فى 1967 وكانت وسائل الاعلام الاسرائيلية تضعهم فى هالة ضوئية هائلة وكانت اقرب الى التقديس منها الى التقدير والاعجاب
• اصبح كبار الضباط فى الجيش الاسرائيلى يحظون بشهرة اوسع من شهرة نجوم السينما فاذا كان كبار الضباط قبل حرب 1967 كانوا معروفين على مستوى قواتهم واسلحتهم فقط القليل منهم معروف على مستوى الجيش الاسرائيلى كله فانه بعد 1967 اصبح كبار الضباط الاسرائيليون وعقلياتهم الفريدة وانجازاتهم العظيمة وخطتهم الاعجازية من موضوعات الاحاديث اليومية على السنة الشعب الاسرائيلى وفى وسائل الاعلام الاسرائيلية والعالمية والمؤيدة لاسرائيل
• عرف كل مواطن فى اسرائيل كبار ضباط الجيش معرفة شبه كاملة فكان يعرف اسماؤهم وتاريخهم وانجازاتهم والمآثر التى قيلت عنهم وبدأ كبار الضباط فى معرفة الطريق الى المقالات الصحفية والاذاعية والتلفزيونية وبحجم النشاط الاعلامى يكون حجم الشهرة الامر الذى اوجد نوعا من التسابق بين كبار الضباط الاسرائيليون على الشهرة
غرور وغطرسة شارون :
صرح الجنرال اريئل شارون فى26 يوليو 1973ان اسرائيل اصبحت فى موقـف التفـوق الحربى وقال :-
ان كل جيوش الدول الاوروبية اضعف منا فاسرائيل يمكنها فى غضون اسبوع واحد ان تخضع المنطقة الممتدة من الخرطوم حتى بغداد والجزائر
ALL THE FORCES OF EUROPEAN COUNTRIES ARE WEAKER THAN WE ARE ISRAEL CAN COQUER IN ONE WEEK THE AREA FROM KHARTOUM TO BAGHDAD AND ALGERIA


الاستنتاج :-
مع مثل هذه العقليات والشخصيات التى تشغل المناصب القيادة فى اسرائيل خاصة فى الجيش الاسرائيلى كان لابد من تحقيق عنصر المفاجاة والمبادرة بمعنى اعطاؤهم الفرص والمناسبات والمواقف التى تتيح لهم امتلاك مساحة اكبر لاظهار ثقتهم بانفسهم وزيادة ايمانهم بقدراتهم التى لا تقهر واعطاؤهم ما يؤكد لهم باستمرار انهم على حق فى ذلك من خلال اقناعهم بمدى الضعف الذى تعانى منه القدرة والادارة المصرية ، مع تسريب لافتات منا توضح اعترافنا بقوتهم حتى نتيح لأنفسنا التجهيز الكامل للحرب
وذلك لن يتحقق الا من خلال خطة متكاملة للخداع والتمويه يقوم بها الاعلام المصرى لتحقيق
( المفاجاة الاستراتيجية ) وتزيدهم غطرسة وغرورا ( ويصبحون فى غيهم يعمهون )
التحكم المركزى والسرية التامة والسيطرة على المعلومات :
الصادرة عن مصر وذلك من خلال المركزية المطلقة بحيث لا يذاع او ينشر اى خبر او تصريح او مقال او معلومة ما الا بموافقة الرقابة هنا فى يد شخص واحد هو المسئول عن تنفيذ خطة المفاجاة الاستراتيجية وهذا ما حدث فعلا فقد كنت احتفظ بمنصب وزير الاعلام والرقيب العام على كل البرقيات الصادرة من مصر وعلى كل ما تنشره الصحافة المصرية وعلى كل ما يذاع او يبث فى الاذاعة والتليفزيون وكنت المسئول عن تحديد ما ينشر وما لا ينشر ومسئولا عن تحديد المعلومات التى تعلن والشخصيات التى تنسب اليها هذه المعلومات والتوقيت الذى يتم فيه ذلك.
واذكر بهذا الشان كم من تصريح صدر عن مسئول مصرى ياخذه الحماس الوطنى فى احد الاجتماعات او اللقاءات فيقول ان مصر بعد كل الامكانيات للحرب وضرب اسرائيل ولكنه فى اليوم الثانى لا يجد اى اشارة الى هذا التصريح او الى خطبته الحماسية او حتى تعليق عليها وعندما يسال يكون الرد ان الرقابة منعت النشر وكنت اواجه مشاعر الاستياء من هذا المسئول او هذا الصديق مما جعل المتضايقين منى يتزايدون
ايجاد منطقة من الظلام المعلوماتى لدى اسرائيل :
وذلك من خلال اضفاء كامل السرية والغموض على انباء او احداث معينة بحيث لا يتم معرفة اى شئ عنها او معرفة ما حدث فيها او تفسير حدوثها فى هذا التوقيت الامر الذى يخلق منطقة من الظلام المعلوماتى فى الصورة الاستخبارية التى تكونها اسرائيل عنا وفى بعض الاحيان كنا نحاول اضفاء السرية على احداث معينة بهدف جذب اسرائيل الى الاهتمام بها اكثر مما يجب واستغلال ذلك لابعادها عن احداث اخرى
استخدام اساليب الخداع والتمويه الاعلامى :
فعلى سبيل المثال كنا نركز على معلومات بعينها و نضخمها وفى المقابل نهون من معلومات اخرى وفى بعض الاحيان كنا نقدم معلومات متناقضة و تقديرات متعارضة وندفع اسرئيل للانشغال بتفسيرها وكنا نستخدم المعلومات المضللة وتسريب اخبار معينة والاعتماد على مصادر متعددة واماكن مختلفة لممارسة عملية الخداع والتمويه . فعلى سبيل المثال كنا نصدر معلومات عن مصر من هنا فى القاهرة ومن اماكن اخرى كبعض العواصم العربية بل والاوروبية او من خلال مسئولى بعض الدول الذين يتظاهرون بالصداقة لنا فى حين انهم يبغون التعرف على نوايانا لابلاغ اسرائيل
المتابعة المستمرة لمعرفة تاثير اساليب الخداع والتمويه على العدو :
وذلك من خلال متابعة المعلومات والتصريحات المصادرة من او عن اسرائيل فيما يتعلق بالانباء والمعلومات التى استخدمناها فى اعمال الخداع والتمويه وتحديد مدى ما حققته من نجاح او فشل ومراجعة هذه الاساليب اولا باول ، وابتكار اساليب جديدة بسيطة او معقدة استنادا الى تجارب ونتائج الاساليب القائمة

فى حومة المعركة
النبرة الاعلامية اثناء الحرب
طبقت بنجاح خطة الاعلام اثناء الحرب – وهى الجزء الثانى من الخطة فجمعت رجال الاذاعة والتليفزيون الساعة 12 ظهرا يوم السبت 6 اكتوبر 1973 وكان البيان الاول قد اعد فى قيادة القوات المسلحة – وطلبت من المذيعين عمل بروفة لإذاعة البيان ووضعت الخطوط الرئيسية فى هذه الخطة على النحو الاتى :
5- لا خطابة ولا اثارة ولا حماس بالنسبة لكل البيانات العسكرية فالاعلام هو لنقل الاخبار وليس من عمله صنع الاخبار – ومن المهم ان يتفادى الاعلام كل اخطاء اعلام 1967
6- ان تقتصر اذاعة البيانات على المذيعين فقط ولا داعى لأن يقوم المذيعات بالاذاعة خشية الانفعال خصوصا وقد تقع احداث ليس بها انتصارات فيصعب عليهن التحكم فى مشاعرهن وقد سمحت باذاعة المذيعات للبيانات بعد يوم 10 اكتوبر بعد ان تحقق النصر
7- جميع الاغانى هادئة ولا داعى للصراخ وافتعال اناشيد وطنية لا داعى لها والاغانى تكون مثل ( على الربابة اغنى ) .... وغيرها
8- احاديث عن روعة قواتنا المسلحة وصلابة الجبهة وما قامت به دول راقية فى الحرب العالمية الثانية من تقييد صرف التموين ببطاقة التموين .. وقد قدم المرحوم الاستاذ الدكتور يحيى عويس برامج اذاعية ناجحة يوميا عن خبرته فى انجلترا ايام الحرب العالمية الثانية
* وكان تعاملنا مع الراى العام العالمى اثناء المعركة يقوم على اساس ان الحرب بالنسبة لنا ليست هدفا فى حد ذاتها ولكنها وسيلة لا بديل عنها من اجل تغيير الاوضاع والمفاهيم التى سادت فى سنوات ما قبل اكتوبر وانها اداة لتهيئة الظروف المناسبة للتوصل الى السلام والاستقرار فى المنطقة
وكانت رسالتنا فى هذا الشان اثناء المعركة :
6- اننا قاتلنا وسوف نقاتل لتحرير اراضينا التى وقعت تحت الاحتلال الاسرائيلى عام 1967 ولإيجاد السبيل لإستعادة الحقوق المشروعة لشعب فلسطين
7- اننا نلتزم بقرارات الامم المتحدة وعلى استعداد لقبول وقف اطلاق النار على اساس انسحاب القوات الاسرائيلية من كل الاراضى المحتلة فورا وتحت اشراف دولى والى خطوط ما قبل 5 يونيو 1967
8- اننا على استعداد فور اتمام الانسحاب من كل الاراضى المحتلة ، ان نحضر مؤتمر سلام دولى فى الامم المتحدة مع العمل على اقناع العرب وممثلى الشعب الفلسطينى به ، من اجل وضع قواعد وضوابط سلام فى المنطقة تقوم على احترام الحقوق الشرعية لكل شعوبها .
9- اننا على استعداد لأن نبدأ فورا فى تطهير قناة السويس وفتحها للملاحة الدولية .
اتباع مبادئ الاعلام الاسلامى ،الحرب خدعة
استعان الاعلام المصرى فى حرب 1973 بمبادئ الاعلام الاسلامى ، متخذا من الحيث الشريف اسلوبا لتحقيق المفاجاة الاستراتيجية فى الحرب
1- استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان :
قرر الاعلام المصرى انه يجب اتباع التعتيم والكتمان وعدم التصريح او الاعلان عن اى معلومات يستفيد منها العدو – فى مرحلة اعداد الدولة للحرب – وذلك بعكس ما كان يحدث فى حرب 1967 حيث كانت اجهزة الاعلام تبين فى تصريحات المسئولين باننا سنلقن اسرائيل درسا لن تنساه – واننا اكبر قوة حربية وكان هناك تهويل فى قواتنا وتهوين من قوة العدو
2- ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم :
لقد عرف الاعلام المصرى فى ابان اعداد الدولة للحرب بانه يجب ان تغير اجهزة الاعلام الاسلوب الذى كان متبعا فى حرب 1967 وهو المبالغة وعدم المصداقية فى الاخبار التى كانت تذيعها اجهزة الاعلام عام 1967 وان يلتزم الاعلام المصرى بالمصداقية وعدم المبالغة
3- واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ...
كان الاعداد الجيد الذى تم فى مرحلة اعداد الدولة للحرب تطبيقا للاسلوب الاعلامى السليم – فكان بلا اعلان حتى بدأت المعركة ، وكانت هناك خطة اعلامية اعدت لما قبل المعركة واثناء المعركة وبعد المعركة
4- وتعاونوا على البر والتقوى :
كان من اسباب الهزيمة فى حرب 1967 – عدم التعاون بين اجهزة الاعلام والقيادة العسكرية – لذلك وضع اسلوب اعلامى جيد فى حرب 1973 مبنى على التعاون والتنسيق بين الدولة واجهزة الاعلام وتولى المسئولية بمركزية واحدة
10- نشر مبدأ الاسلام .... وهو السلام
منع اغانى العدوان مثل ( راجعين راجعين بقوة السلاح راجعين ) .. وقد انشأ جهاز الاعلام المصرى محطة اذاعة مصرية تذيع بالعبرية مبادئ السلام ، وهى ان السلام غاية المسلمين .. لذلك تريد مصر تحرير ارضها وهى دولة محبة للسلام ... مما كان له اثر كبير فى الرأى العام الاسرائيلى .. فالشعوب تريد السلام ولكن قلة من العسكريين فى اسرائيل يريدون البقاء فى مناصبهم . ولذلك يعملون من اجل الحرب باستمرار
6- الاسلام يحترم اهل الكتاب :
وهذه حقيقة اذ يشيد القران بانبيائهم ورسلهم ولكن الاسلام ضد الصهيونية لذلك لم يهاجم الاعلام اليهودى فى حرب 1973 بعكس ما كان يحدث فى حرب 1967
7- من تعلم لغة قوم آمن مكرهم :
وهو منهج يتركز فى شعار ( اعرف عدوك ) وقد طبق هذا المبدأ الاسلامى بان قام الاعلام المصرى فى حرب 1973 فى السماح بكل الكتب الاسرائيلية وتوزيعها بعد ترجمتها لمعرفة كيف يفكر ويعمل العدو وكان ممنوعا فى حرب 1967 تداول الكتب الاسرائيلية او التى تتحدث عن اسرائيل
8- الحكمة والموعظة الحسنة :
وقد طبق ذلك فى الاخبار والتعليقات فكانت تذيع فى اجهزة الاعلام المصرية بلا سباب او شتائم ، طبقا للمبدأ الاسلامى مستفادا من قول الله تعالى لرسوله الامين : ( ادع الى ربك بالحكمة والموعظة الحسنة )
9- قام الاعلام المصرى بتصنيف الراى العام المخاطب الى فئات ليخاطب كل فئة بما يناسبها : فقد خاطب الله سبحانه وتعالى ثلاث فئات من الرأى العام فى بداية الدعوة وهم : المؤمنون والكافرون والمنافقون ، كذلك خصص للمؤمنين سور اقل من الكافرين وسور للكافرين اقل من المنافقين كذلك راعى الاعلام المصرى مخاطبة الشعب المصرى الذى كان يئن من الاحباط وما حدث فى هزيمة 1967
وكذلك مخاطبة الاسرائيليين باسلوب ، ومخاطبة الغرب باسلوب يتلائم مع فهمهم للامور .. فاكد الاعلام المصرى على اننا نريد تحرير ارضنا المحتلة .. وكلمة تحرير يقبلها الغرب ولا يقبل كلمة الحرب او العدوان
10- ولإستعادة الثقة فى نفوس الجنود وزيادة حماسهم والارتقاء بمستوى ادائهم وشجاعتهم كان لا بد من ان يؤمن هؤلاء الجنود ايمانا راسخا بحتمية النصر ، وان الله سوف ينصرهم ، وذلك تطبيقا للآية الكريمة :
( اذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير ) سورة الحج اية 39
فنحن نقاتل دفاعا عن انفسنا واسترجاعا لحقوقنا وارضنا وشرفنا ، واكثر من ذلك نصرة لديننا .. وهى مسائل تحظى بكامل الاحترام والتقدير لدى كل مسلم ، وهى نفسها المسائل التى لا يحجم المسلم عن التضحية بكل شئ فى حياته من اجلها
( انما المؤمنون الذين امنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا باموالهم وانفسهم فى سبيل الله اولئك هم الصادقون ) الحجرات اية : 15 )
( ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون ) ( يونس 82 )
( فقالوا على الله توكلنا ، ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ( يونس 85 )
11- اسلوب الرد على المزاعم الباطلة للعدو :
فقد واجه الرسول صلى الله عليه وسلم مكر اعداء الاسلام .. من خلال مناقشة اقوالهم والرد عليهم بالحجة وذلك لحماية المسلمين والدعوة الاسلامية من الهواء المسمم الذى كانوا ينفثونه ويحاولون به اثارة البلبلة فى نفوس الناس ، وهو فى سبيل ذلك لم يتخذ اجراءا عنيفا باترا ، ولكنه اتبع اسلوب الرد على مزاعمهم الباطلة بما يقوى به ايمان المسلمين ويزيد من قوة الدعوة .. والسيرة النبوية وقبلها القران الكريم مليئة بأخبار من هذا القبيل .. وهو الاسلوب الذى حاولنا التركيز عليه طوال الفترة بعد حرب 67 وبشكل خاص عام 1973 عام الاعداد للحرب وطوال تلك المدة كان الاعلام المصرى حريصا على الرد على كل المزاعم الاسرائيلية الباطلة التى كان يوجهها سواء للمصريين او للعالم ، وكنا نلاحق اكاذيبه فى كل مكان وكل الوقت
12- الصبر على البلاء مع الثقة بالله :
وذلك مصدقا لقوله تعالى : ( احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا امنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) ( العنكبوت : 2،3 )
( واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا ) ( المزمل : 10 )
هاتان الايتان تعبران عن الصبر ، وفى نفس الوقت الاحتفاظ بالايمان والثقة دون اهتزاز مهما كانت النوازل ، وهو الاسلوب الاعلامى الذى اتبعناه فى اعداد





__________________كل الحقوق ممنوحة__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.communication.akbarmontada.com
المدير
الادارة
الادارة


عدد المساهمات: 1779
تاريخ التسجيل: 08/06/2009
العمر: 26

مُساهمةموضوع: رد: دراسة حول دور الاعلام فى الحروب الحديثة   الإثنين نوفمبر 29, 2010 12:29 pm

جنودنا لحرب اكتوبر 1973 ، خاصة مع ما كانوا يرونه من افعال الاسرائيليين على الضفة الاخرى من القناة ، او ما كانوا يسمعونه من اذاعات مثبطة لعزائمهم
( ما اصاب من مصيبة فى الارض ولا فى انفسكم الا فى كتاب من قبل ان نبرأها ان ذلك على الله يسيرا ) ( الحديد : 22 )
( ما اصاب من مصيبة الا باذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شئ عليم )
( التغابن : 11 )
( ولتسمعن من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين اشركوا اذى كثيرا وان تصبروا وتتقوا فان ذلك من عزم الامور ) ( ال عمران 186 )
13- الالتزام بالصدق :
لقد كان احد عناصر قوة الدعوة الاسلامية لدى الناس هو التزامها المطلق بالصدق ، وابتعادها كل البعد عن الافتراءات والاكاذيب :
( ليسأل الصادقين عن صدقهم واعد للكافرين عذابا اليما ) ( الاحزاب :8 )
( فمن اظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق اذ جاءه ... ) ( الزمر 32 )
ومن هذا المنطق ارتكز اعلام اكتوبر 1973 على عنصر الصدق ، وحرص على تحرى الحقيقة فى كل خبر ينسب اليه ، حتى ان العالم بدأ يستقى الاخبار من الاعلام المصرى لما له من مصداقية فى مقابل اكاذيب وافتراءات كثيرة اتسم بها الاعلام الاسرائيلى
كما ان مصداقية الاعلام المصرى كانت عونا لنا فى كسب تعاطف المجتمعات الاخرى واحترامهم لنا . وقبل ذلك استعادة المصريين لثقتهم فى اعلامهم التى اهتزت بشدة عام 1967 .
14- الحث على الشجاعة والاستعداد للتضحية :
( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا باموالكم وانفسكم فى سبيل الله ذالكم خير لكم ان كنتم تعلمون ) (التوبة 41 )
( يا ايها الذين امنوا اذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار ) ( الانفال – 15 )
( الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) ( ال عمران : 173 )
هذه الايات كانت من الاسس التى اعتمدت عليها الدعوة الاسلامية طوال مسيرتها لتنمية الشجاعة فى نفوس ابنائها ، وهو الاسلوب الذى استفاد منه اعلام اكتوبر عام 1973 لحث الجنود على الشجاعة واستبسال ، وفى نفس الوقت تقليل تأثير ما يقال عن اسطورة اسرائيل وعسكريتها المتقدمة التى لا تهزم ..
15- البعد عن الخوف من النتائج المجهولة :
( كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم ) ( البقرة:216 )
( لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك امرا ) ( الطلاق : 1 )
( وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا ) ( لقمان : 34 )
( فعسى ان تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ) ( النساء : 19 )
هكذا ينفض الاسلوب الاسلامى عن النفس البشرية اى مخاوف من النتائج المجهولة المترتبة على عمل معين ، بما يساعد على مواجهة الواقع وهى قوية متمكنة ومطمئنة الى قدر الله وهو الاسلوب الامثل الذى تعامل به اعلام اكتوبر مع المسئولين لتشجيعهم ، والجماهير لتحفيزهم ، ومع الدول الاخرى التى حاولت فرض السكون علينا والخصوع للامر الواقع مستخدمين فكرة ان اى عمل نقوم به ستكون النتائج علينا وخيمة ... وهو الاسلوب الذى اتبعته اسرائيل ايضا لتثبيط حماسنا وزرع الشك فينا
( قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون )( التوبة 51 )
( ان ينصركم الله فلا غالب لكم وان يخذلكم فمن ذا الذى ينصركم من بعده )
( آل عمران : 160 )









16- ملخص البحث

على رغم ان هذا البحث– الذى يحدد موضوعه - هو : الاعلام او (الدعايه) للحرب فان مادة البحث يعد بحثا فى السياسه وفى الاداره السياسيه ( النفسيه و الفكرية و المعلوماتيه ) للحرب وفى الاسس الثقافيه و الاجتماعيه للتعبئه العسكريه ثم لشن الحرب ذاتهها فى النهايه ويجعلانه ايضا بحثا فى التاريخ السياسى الثقافى /الاجتماعى و التكنولوجى للحرب وفى تطور الفكر الذى عبرت عنه عقائد اطراف الحروب عبر العصور وعلاقة تلك العقائد بكل من شن الحرب او الدعايه لها او ضد خصوم اصحابها فى كل منها و على الرغم ان الموضوع الذى يحدده عنوان البحث - يضعانه فى دائرة العلوم السياسيه فان موضوع (الدعايه) ذاته يضع البحث بقوه فى ( خانة ) العلوم الاعلاميه الحديثه . ولكنه يوضع داخل هذه ( الخانه ) فى مكان لابد ان يكون من ناحيه قريبا اشد القرب من دائرة العلوم العسكريه : علوم التعبئه الاجتماعيه / النفسيه للحرب وعلوم او فنون القياده ( قيادة الرجال اصعب الفنون بتعبير هوميروس الشهير فى الالياذه) اضافه الى علم تاريخ الجيوش شديد الارتباط بالتاريخ السياسى الاجتماعى وتاريخ كل من الاسلحه و الجنديه وهو بدوره علم شديد الارتباط بتاريخ التطور التكنولوجى و التعليم و اخيرا وليس اخرا فان البحث يعد فوق كل ذلك بحثا فى علم تاريخ وسائل الاتصال ووسائل توظيفها و استخدام القائم منها فى كل عصر او ابتكار انواع جديده فى مجالها او ابتكار وظائف اتصاليه لوسائط او لوسائل لم يكن الاتصال بمعنى نقل المعلومات ونشر الافكار او لم تكن ( الدعايه ) من وظائفها الاصليه باى شكل0
هو اذن على رغم عنوانه المحدد و موضوعه الذى يبدو موضوعا محدودا بحث يعتمد بالضروره على المواد المعرفيه التى توفرها مجموعه كبيره من العلوم الاجتماعيه التقليديه والجديدة وعلى مناهج البحث و اساليب التحليل المضمونى التى تعتمد عليها تلك العلوم ولعل ذلك يرجع- على رغم كل شىء- الى طبيعة موضوع ( الدعاية للحرب ) فى حد ذاتها : فالحرب – بتعبيرمؤسس علم الجغرافيا الاستراتيجيه كلوزفيتز- (امتداد السياسه بوسائل مختلفه) وهذا التعبير يشير الى فهم خاص للسياسه – وليس للحرب فقط – يقوم على ان للسياسه و الحرب الهدف ذاته : اى تغليب ارادة جماعة او مجتمع ما - ووجود جماعه اخرى او مجتمع اخر وبصرف النظر عن اصـل هذا الفهم للسـياسه بالذات فانه بسـبب هذا الارتباط الاصولى
و المصيرى بين الحرب و السياسه فلا مندوحه عن ان يكون الكلام عن الدعايه للحرب كلاما عن الدعايه السياسيه فى الوقت ذاته وفيما يتعين ان تتناول ( الدعايه للحرب ) موضوعات الدعوه للجنديه وتخويف الاعداء او ارهابهم من ضراوة صاحب الدعايه وقوته او وحشيته والاستهانه بكل من القتل و الموت و اعلاء شأن اسلحه بعينها والتهوين من شان اسلحه اخرى … الخ فانه يتعين ايضا الدعوه الى ( قضيه) بعينها و اعلاء شانها و التهوين من شان
( قضيه) اخرى و الحط منها . واذا كانت السياسه ( الفكر السياسى و العمل السياسى معا ) مطالبه دوما بان تتبصر بالعناصر الرئيسيه ( الثقافيه / الاقتصاديه/ التاريخيه و البشريه/ الجغرافيه الاقتصاديه ) التى يتكون منها البناء الاجتماعى المعين و ان تضع فى حسبانها دوافع التفاعل بين تلك العناصر نتائج ذلك التفاعل فانها تفعل كل ذلك فى ارتباط بالهدف الذى تسعى اليه الحرب ( بوسائل اخرى ) غير ان( الدعايه ) بوصفها احد العلوم الاعلاميه الحديثه نسبيا نجحت على ايدى الاساتذه المتخصصين ( الاكاديميين والممارسين) – فى تطوير مجموعه خاصة بها من الاصول او القواعد التى تستهدف ( الاقناع) على اساس القول بان الدعايه هى فى النهايه : فن الاقناع. ويمكن تلخيص تلك القواعد – او الاصول – فى ثلاثه : كسب مظهر الصدق ( لكسب ثقة الجمهور المتلقى المراد اقناعه) ثم البساطه و التكرار ( للوصول الى اذهان ومشاعر الناس بسرعه و النفاذ الى ذاكرتهم التى ( لن ) تتذكر الا ما استوعبته بسهوله وبكثره ) ثم استخدام الرموز وضرب الامثله ( فالذاكره البشريه يسهل ان تختزن وان تستدعى الصور ذات الدلالات المرتبطه بمخزون الذاكره الموروث و المكتسب ).
غير ان هذه الصياغه البالغة التجريد لاصول الدعايه او قواعدها التى تفقد الكثير من موضوعيتها فى التطبيق العملى حيث تتجلى الفروق الدقيقه ( او الكبيره ) بين (مظهر الصدق ) و ( الصدق) ذاته او بين البساطه و الدهاء و الرموز المثيره لغرائز العدوان و الرموز التى تستدعى نبيل المعانى او رفيع القيم فمن الذى يستطيع الان ان يقبل انفاعلية الدعايه النازيه وسخونتها بشان المطالبه بحقوق الامه الالمانيه فى الوحده و الرخاء على اساس ان ذلك الانفعال ينطلق من صدق البراءه ومن احساس المظلوم بالقهر ؟ ومن الذى يستطيع ان يسلم الان بان الدعايه الشيوعيه عن تمثيل الحزب الشيوعى لضمير الامم الخاضعه للامبراطوريه الروسيه وللطبقات المقهوره هى ( البساطه ) بعينها ؟ او ان يسلم بان رموز ( الحريه و الاخاء و المساواه ) اللتى صاغها اوائل الثوار الفرنسيين ظلت – عبر حكومات الثوره من الاداره الى الامن العام الى القنصليه الى الامبراطوريه البونابارتيه – تحمل المعانى نفسها التى قصد اليها مونتسكيو ؟ او فولتير الداهيه – المعجب بلويس الرابع عشر وفريدريك الاكبر و الديموقراطيه الانجليزيه و العقلانيه الفرنسيه فى وقت واحد – كان يقصد المعانى ذاتها حينما استخدم الكلمات نفسها التى استخدمها روسو او جون لوك فى حديثه عن الدوله فى اثناء دفاعه عن طغيان لويس الرابع عشر؟
ومع ذلك فان الدعاية بوصفها اداة للاقناع السياسى / الابديولوجى/ النفسى وتعمل فى اطار ظروف تاربخيه / اجتماعيه وسياسيه وثقافيه محددة – لايمكن ان تكون هدفا فى حد ذاتها للهجوم و ان المشكله الاخلاقيه أو الفكريه لا تثيرها ( الاداة) وانما قد يثيرها مضمون الرساله التى تحملها تلك الاداه وهو المضمون الذى تحدده وتحكمه الظروف التاريخيه المشار اليها فالوسائل الدعائيه التى استخدمتها الدول الديمقراطية ذاتها الوسائل التى استخدمها النازيون فى الحرب العالمية الثانية .ووسائل التعبئه الجماهيريه التى استخدمها البلاشفه المثقفون و العمال الفقراء الروس فى اثناء الثوره البلشفية. وفى اثناء حرب التدخل و الحرب الاهلية لكى يقيموا دولتهم الليبراليه الراسماليه وهى ذاتها الوسائل التى استخدمها الثوار الامريكين( ملاك الاراضى وسادة العبيد و التجار ) لكى يقيمو دولتهم الليبراليه الراسماليه وهى ذاتها الوسائل التى استخدمها الثوار الفرنسيون لكى يشعلوا اوربا و العلم بدعايتهم الثوريه باسم شعارات مثاليه رفيعه لم تصمد قط لاختبار التنفيذ العملى ولا لبضعة شهور او ايام.
غير ان الدعايه – حتى بوصفها اداة موضوعيه – يصعب ان تدرس دراسه شافيه و نافعه فى عصرنا بعيدا عن محتواها ولابعيدا عن الحقيقه ( الوجه ) او القناع الذى ترتديه لكى ( تدعو ) اليه او عن زيف هذا الوجه ( القناع ) او هذا ( المبدا ) ومبدا حتمية ارتباط الوسيله بالرساله لان الدعايه التى انطلقت لدعوة شعب للدفاع عن وطن يتعرض للعدون و التدمير او للدفاع عن حريات الناس وحقوقهم المشروعة او عن العدل و السلام – منذ دعاية الاغريق ضد العدوان الفارسى - تختلف فى دلالاتها حين ندرسها نحن الان عن دعايات الصليبين و الفاشيين و النازين و امثالهم.
وقد لانعثر على دليل يؤكد ذلك افضل مما يمكن ان نستخلصه من تحليل الجانب ( المضمونى ) للكثير من الدعايه التى درسها وحللها البحث ذاته .
وفى كل هذه الفصول – الى جانب ما نتعلمه عن فنون الدعايه - تحول الدعايه من مجرد دعاية للحرب التى تشنها امه ضد امه اخرى الى دعايه لنظام سياسى او لاكثر من نظام او لقائد عسكرى او سياسى مع تطور الطباعه ونشر التعليم وزيادة قوة الاسلحه الناريه التى قضت على احتكار الفرسان النبلاء للحرب – خسائرها ومكاسبها على السواء وزيادة انشغال المدنين من الطبقات الوسطى والعاملة بالسياسة وبالحرب موضحا ايضا مساوئ ( الرساله) التى تحملها هذه الدعايه او تلك ومحاسنها فكروميل يخفى ديكتاتوريته وراء قناع برلمانى ضعيف قبل ان يسعى لتحويل ديكتاتوريته الى ملكيه يغضب فيها السلطه المطلقه دون وجه حق لنفسه ثم لابنه من بعده والثوار الامريكيون يتحولون بدعايتهم من المطالبه بحقوق التمثيل النيابى فى اطار المملكه البريطانيه (المتحده) الى المطالبه بالاستقلال الكامل عنها و كذلك بونابرت الديكتاتور العسكرى ثم الامبراطور يواصل الاعتماد على شعارات الثوره الفرنسيه ذاتها وثوارها الاوائل بعد ان غرقت فى دماء ابنائها واعدائها واصدقائها على السواء وبعد ان حول بونابرت حروب الثوره ( الدفاعيه) الى حروب هجوميه لحسابه الشخصى ولحساب طبقة المقاولين الفرنسيين الجدد يسعى فيها الى السيطره على اوربا والى بناء امبراطوريه استعماريه فى ( الشرق) كالاسكندر الاكبر- لحسابه ولحساب طبقته الجديده التى تخلت عنه فى النهايه .
غير انه ينبغى ان نتوقف عند النقطـه المحوريه ( التـاريخيه و الفكريه معا) التى تتحول عندها
( الدعايه للحرب) الى دعايه سياسيه كامله تستهدف الدعوه الى فكر سياسى : وطنى او اجتماعى او ايدولوجى – او كل هذه المكونات معا – والى الدفاع عنه ( بالحرب ) او الى مهاجمة نقائضه والدعوه الى خوض الحرب ضد هذه النقائض . انها النقطة التى فقدت عنها الحرب علاقتها بكل من ( فرسان ) العالم الوسيط والطابع الشخصى للقتال باسلحة العالم القديم وتحولت الى جهد شامل يبذله المجتمع كله ( الدوله والشعب) من ناحيه والى خطر شامل يتعرض له الجميع من ناحية اخرى وتلك هى النقطه ايضا التى اصبحت الدعايه توجه فيها اساسا الى كل من المجتمع الوطنى كله ( المدنين و الجنود على السواء ) وتوجه الدعاية المضاده فيها الى مجتمع الاعداء كله
( المدنيين ايضا و العسكريين على السواء ) . ويبدأ هذا التحول ويتخذ صورته الناضجه مع بدايات الحرب الحديثه – الشامله تقريبا – منذ حروب الثوره الفرنسيه و الحروب البونابرتيه وفى فرنسا بصوره خاصه التى كانت هى اول الدول احتشادا للحرب الشامله(بسبب اندماج كتل الجماهير الشعبيه فى قضية الثوره-فى البدايه- واستمرار اندماجها فى الحروب التاليه توهما من تلك الجماهير انها ماتزال تقاتل فى سبيل الثوره ).
ولعـل اخطر ما يطرحه البحـث من افكار فى هذا السياق هو قضـية العـلاقه بين اجهزة
( الاعلام) الوطنيه – التى تتولى عمليا مسؤلية ( الدعايه ) لاهداف ومصالح الدوله الوطنيه وشعبها فى مراحل الاعداد للحرب واثناء الحرب نفسها – العلاقه بين هذه الاجهزه ( من الصحافه واذاعة وتليفزيون واصدارات ثقافيه ....الخ) وبين اجهزة الرقابه المسئولة عن حماية كل من اسرار الدوله ( وقواتها المسلحه ومصالحها القوميه العليا ) .
وفى الدول الديمقراطيه تتمتع هذه العلاقه بحساسيه خاصه بسبب التناقض الاصولى بين مبدا
( حرية الراى والتعبير ) و مفهوم ( الرقابه) ذاته ويؤكد على المبدا الذى يكفل حل هذا التناقض ( والذى كفل حله بالفعل على الاقل فى بريطانيا خلال الحربين العالميتين وخلال حرب فوكلاند) انه مبدا التزام الاعلام الوطنى بوعى وصرامة بمصالح الدوله وقواتها المسلحه عل اساس عدم القيام بنشر اى معلومات او اراء تضر بالامن القومى للدوله والمجتمع وعلى اساس الا تمنع الاجهزة الرقابيه الاعلام الوطنى من حقوق المتابعه ونقل الحقائق الى الراى العام الذى يتحمل فى النهايه اعباء وتبعات الحرب ويتمتع بمكاسبها الماديه و المعنويه.
غير ان الدعاية الموجهة الى (الاعداء) فى زمن الحرب والتى اصبحت تعد جزءا رئيسيا من المجهود الحربى لاى دوله محاربه هى الدعايه التى تتخذ ( صبغة الحرب النفسيه ) فهى قذائف من الكلمات التى تختار بعنايه وتصاغ بحساب دقيق مستهدفه تشكيك شعب دولة العدو وجنوده فى قضيتهم وهدم ثقتهم فى قياداتهم وفى حكومتهم وفى قدرتهم على تحقيق النصر فبقدر ما يسعى طرف الى تاكيد عداله قضيته الخاصه والمحافظه على ايمان شعبه وجنوده بها وثقتهم فى قياداتهم وحكومتهم وفى قدرتهم على تحقيق النصر فانه يسعى الى النقيض تماما فى دعايته الموجهة الى الاعداء وفى النظم الشموليه والقائمه على القهر يعمد الحكام عادة الى القيام بما يسمى (غسيل ادمغه) شعوبهم عن طريق حملات دعائيه دائمه كاسحه متكرره العناصر وثابتة الاتجاه لشحن عقول الشعب وجنوده بصورة ( الزعيم) و اقواله.
وقد يكون هذا موضوعا لدراسه سياسيه مقارنة ممتعه ونافعه تبحث الاسس التى تقوم عليها دعايات النظم الليبراليه والشيوعيه والفاشيه و الدعايه المضاده او الحروب النفسيه لكل منها كما تبحث الفوارق بينها وخاصة فيما يتعلق بتكريس معانى الحريه و الوطنيه والعدل وفيما يتعلق بمد التركيز على الاشخاص وعلى المؤسسات وعلى الاوطان وعلى المبادئ ان دراسة مقارنه بين دعايات بريطانيا او الولايات المتحده من ناحية والمانيا النازيه وروسيا الشيوعيه و اليابان فى اثناء الحرب العالميه الثانيه من ناحيه اخرى يمكن ان تلقى الكثير من اضواء عل مسار تطور كل منها ومصير نظامها بعد الحرب واختياراتها فى المرحله التاليه اى مرحلة الحرب البارده.
و لو عدنا الى تاريخنا نحن شعوب العالم القديم و الحضارات الاولى فى اسيا و افريقيا فاستقينا من ذلك التاريخ اسئله محدده مرتبطه بوقائع بعينها ربما تمكنا من صياغة تصور اخر عن كل من افضل وسائل الدعايه ( السياسيه فى اطار الحرب على السواء) و الاسباب الكامنه وراء كل من تاييد الحرب او الاحجام عن تاييدها .
غير اننا بالعوده الى موضوع كتابنا فلا شك ان البعض سوف يسال سؤالا مهما فحواه هو الشك فى ان تكون للدعايه من القوه ما يجعلها قادره على تغيير مسار التاريخ او دفعه الى مسار خاص ما كان ليتخذه لولا قوة تلك الدعايه.
ولا شك ايضا فى تاثير موقف ( الميديا) الاميركيه ضد التورط الامريكى فى فيتنام – فى معنويات الجيش وقيادته و فى الراى العام الامريكى الذى يكاد يكون قد اجتمعت كل عناصره على رفض استمرار التورط فى هذه الحرب غير انه سيكون من الظلم وعدم الموضوعيه تجاهل صلابة وبسالة الشعب الفيتنامى فىكفاحه الطويل من اجل الاستقلال الوطنى و التقدم والعدل ضد سـلسله طـويله من المحتلين : فرنسـا ثم اليابان ثم فرنسا ثانية ثم الامريكين ( تقول المصادر الغربيه ان القائد العسكرى للمقاومه الفيتناميه الجنرال جياب هو القائد الوحيد الذى انزل الهزيمه بجيوش ثلاث دول كبرى متعاقبه دون ان تلحق بقواته هزيمه كبيره واحده) فهل كانت ( الدعايه) هى صانعة هذه الانتصارات المذهله حتى فى عصرها الذى شهد الكثير من انتصارات ثورات الشعوب وحروبها التحريريه ام كانت خصائص كامنه فى ثقافة شعب تقوم على التقشف الشديد و الزهد البالغ مع الانضباط الصارم وممارسة انواع كثيره من رياضات التحكم الذهنى فى الجسد مع تحمل ما لا يطاق من الالام البدنيه و الثقه المطلقه فى النفس و الرغبه فى الابتعاد عن بقية الجماعات البشريه؟!.
لاشك ان الدعايه ( بمعنى التربيه او التعليم التربوى ) لعبت دورا رئيسيا فى ( توعية ) الشعب الفيتنامى بخصائص ثقافته ( اى بخصائصه هو النفسيه و السلوكيه الفكريه و الاجتماعيه / السياسيه) غير ان البنيه الاجتماعيه الموروثه القائمه على العائله الممتده وذات الاجيال و القرابات المترابطه وهذه ايضا سمه ثقافيه لعبت دورا رئيسيا اخر فى نجاح ( التنظيم العسكرى / السياسى والاجتماعى غير النظامى ) واستمرار تماسكه وفاعليته بشكل متزايد الامتداد ….. ان الدعايه فى هذه الحاله لم تكن ( مجرد استنفار ) للمشاعر ولا مجرد الهاب للعواطف ولامجرد تضخيم للاحساس بالذات الوطنيه او الاجتماعيه و انما كانت عملا تربويا سياسيا من الدرجه الاولى يستطيع ان يغير اتجاه المجتمع كله( من الحرب الى السلم ومن الشيوعيه الى نظام السوق الحر) بسهوله ودون مشاكل كثيره مع الاحتفاظ بدرجة الكفاءه ذاتها ومستواها.
فاذا كان لنا ان نضيف شيئا فان المعنى الاساسى الذى نود طرحه هو ان الدعايه الناجحه لا تنجح الا لانها سارت فى الاتجاه ذاته الذى يسير فيه التاريخ او الحركه التاريخيه التى هى فى ذاتها حركه مركبه تشارك فى تكوينها عناصر وعوامل نفسيه ومعرفيه ( ثقافيه) موروثه ومستحدثه وعوامل وعناصر اقتصاديه / سياسيه واجتماعيه تتفاعل فى بوتقة المجتمع الواحد المحدوده او فى بوتقة المنظومة ( المجموعه) الدوليه على اتساع تلك المنظومه اوعلى اتساع الكوكب كله بكل ما يحتويه من ثقافات ومستويات من التطور والتعقيد
و بالمنهج ذاته يمكن ان نبحث فى اسباب نجاح الدعايه البلشفيه فى اوائل القرون وفى اسباب سقوط الدوله البلشفيه نفسها- على رغم سيطرتها على كل وسائل الدعايه من اجهزة الاعلام و التثقيف والتعليم و الدعوة الحزبيه والمنظمات الشعبيه ... الخ فى نهاية القرن نفسه .. مع وجوب التساؤل عما اذا كانت حملات الدعايه التى شنها راديو الحريه وراديو اوروبا الحره هى التى اسقطت النظام البلشفى و اتحاده وحكوماته وحلفه الدولى فى شرق اوروبا... ام ان الدعايه كانت عاملا مساعدا ساهم فى التعجيل بحركة التاريخ فى اتجاهها الاصيل الذى ترسمه العوامل التاريخيه ذاتها؟
هنا لابد ان نتساءل ايضا الا ينبغى ان نعتبر الدعايه واحدا من تلك العوامل التاريخيه باعتبارها احدى مؤسسات صنع الوعى المحرك للفعل الانسانى فى الحرب وفى زمن السلم على السواء خاصه اذا كانت تسير فى الاتجاه ذاته لحركة التاريخ وخاصة اذا اتبعت اساليب فنيه (تكنيكيه) فعاله ومؤثره؟
تبدو الاجابه بالايجاب عن هذا السؤال هى الاجابه الواقعيه و الصحيحه الوحيدة فالدعايه خاصة منذ عصر انتشار التعليم والمطبعه وما تلاها من وسائل الاتصال الجماهيريه الكبرى : الصحافة و السينما والاذاعه و التلفزيون تكون دون شك ركن اساسيا من اركان تكوين الوعى السياسى العام وتشكيله سواء كان الوعى السياسى مرتبطا بعملية الاعداد للحرب او الخروج منها اى سواء كانت ( السياسه ) المقصوده هى السابقه علىالحرب التى ستكون امتدادا لها او هى التاليه للحرب التى ستكون استثمارا لنتيجتها او تبريرا لتلك النتيجه .
ولهذا السبب فان احدا لايملك ولا يستطيع ان يماحك فى الدعوة النهائيه الى المزيد من الدعايه من اجل السلام والا كان البديل هو التشغيل الكثيف لدعاة الحرب وللدعايه من اجلها خاصة وقد اصبح السلام هو الهدف الضرورى والبديهى فىالعصر النووى لحركة التاريخ مرتبطا بالعدل والا انعكست تلك الحركه انعكاسا لايكون ثمة امل فى تصحيح مساره.













الخلاصة

1- هذا البحث يدرس موضوعات عدة يضمها مجال واسع تتضمن استخدام الدعايه للحرب بدءا من ترسيخ الروح القتاليه حتى رفع روح المدنيين المعنويه ولكن بحكم طبيعة الاستنتاجات المتعلقه بطرق عمل العقل الانسانى والعوامل التى تؤثر فيه فان هذه الاستنتاجات تظل من قبيل التكهنات غير ان سمة امرا واحدا مؤكدا ان الدعايه للحرب قديمه قدم الحرب ذاتها ان الذخائر التى ينتجها العقل التى توجه الى العقل اسلحه اثبتت انها لاتقل اهميه عن اى من الاسلحه التى ابتكرها الانسان حتى الان بهدف ان يمحو وجود اخوته فى الانسانيه .
2- ان التحدى الذى يضعه التاريخ امام العصر النووى لواضح انه على اتساع خمس قارات خلال السنوات المقبلة سوف ينشب صراع لا نهايه له بين العنف وبين الاقناع الودى .. ومن هنا سيكون السبيل المشرف الوحيد هو رهن كل شئ فى مقامره حاسمه مؤداها ان الكلمات اقوى من الطلقات .
3- ان دراسة اساليب الدعاية و معرفة اساليبها و قياس مدى رد فعل الشعوب المختلفة تجاه هذه الدعـاية في العصـور المخـتلفة قديما و حديثا يعطي تفسـيرا .... لماذا نجحت هذة الدعـاية او تلك او فشلت هذه او تلك هنا او هناك ؟ .....و بذلك تنير الطريق لمن يخطط لعمل او رد على دعاية خاصة عندما يتعلق بقضية الحرب او السلام .
















المقترحات و التوصيات

1- الاهتمام بمزيد من الدراسات في مجال الاعلام او الدعاية للحرب .
2- درج موضوع الدعاية و الحرب ضمن مناهج تأهيل الضباط حسب الفترات التاريخي
و المعارك المختلفة .
3- توفير مراجع و كتب و دوريات حديثة في مجال العلاقة بين الاعلام و الدعاية للحرب























شكر واجب

أرجـو ان يقـبل الشكر منى
اسـتاذى الفاضــل اللواء بحرى أ.ح / احمد منصور العربى .
الذى أدار العملية التعليمية فى معهد الدراسات العليا البحرية بعقل مفتوح وقلب مخلص ورؤية ذكية للمستقبل وهدف واضح يسعى الى تحقيقه بكل جد واخلاص .. و أرجو من الله ان يوفقه الى ما يحب ويرضى .
ولا انسى الشكر لمن ساعدونى فى الاشراف والمراجعة وهم :-
عقيد بحري ا ح /رضا اسماعيل .
عقيد بحري ا ح /طارق شاهين علي .
كما اشكر من ساعدونى فى كتابة البحث وكذلك اشكر زوجتى التى ساعدتنى بتوفير المراجع والكتب القيمة التى عاونتنى كثيرا فى جمع مادة هذا البحث .




















المراجع :-
1- كتاب (قصف العقول –الدعاية للحرب منذ العالم القديم حتى العصر النووي)
المؤلف :فيليب تايلور – ترجمة سامي خشبة- سلسلة عالم المعرفة (256)
من مطبوعات المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب-الكويت
2- كتاب ( دور الاعلام المصري في تحقيق المفاجأة الاستراتيجية في حرب اكتوبر 1973(.
المؤلف : دكتور / محمد عبدالقادر حاتم –سلسلة مكتبة الاسرة-هيئة الكتاب المصرية


نقل للفائدة





__________________كل الحقوق ممنوحة__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.communication.akbarmontada.com
 

دراسة حول دور الاعلام فى الحروب الحديثة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات طلبة علوم الاعلام و الاتصال جامعة عبد الحميد بن باديس مستغانم :: قسم علوم الاعلام و التصال :: بحوث علوم الاعلام و الاتصال-